20.57°القدس
20.88°رام الله
19.97°الخليل
25.36°غزة
20.57° القدس
رام الله20.88°
الخليل19.97°
غزة25.36°
الخميس 28 مايو 2026
3.8جنيه إسترليني
3.99دينار أردني
0.05جنيه مصري
3.29يورو
2.83دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.8
دينار أردني3.99
جنيه مصري0.05
يورو3.29
دولار أمريكي2.83

تقارير "فلسطين الآن"..

تمهيد ناري لمرحلة أكثر وحشية.. ما وراء عودة الاحتلال لمجازر قصف المربعات السكنية في غزة؟

خاص-فلسطين الآن

تعكس عودة جيش الاحتلال الصهيوني الفاشي إلى سياسة القصف الجوي المكثف والممنهج للمنازل والشقق السكنية المأهولة بالمدنيين والنازحين في قطاع غزة، تصعيداً دموياً جديداً يعيد إلى الأذهان وحشية الجولات الأولى من حرب الإبادة الجماعية المستمرة منذ أكتوبر 2023.

ويأتي هذا التغول الناري الغادر متزامناً مع تعنت حكومة اليمين المتطرف، وتعمّدها إفشال وتعطيل مفاوضات تنفيذ مراحل اتفاق وقف إطلاق النار، سياقاً لفرض واقع عسكري وإنساني متفجر لابتزاز المقاومة الفلسطينية.

ولم يكتفِ العدو الصهيوني بالصواريخ الارتجاجية وهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، بل واكب هذا التصعيد بتشديد الحصار الخانق والمطبق على كافة محافظات القطاع، ومنع تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية الشحيحة، وتقليص حصص الطحين والوقود والمستلزمات الطبية.

ويهدف هذا السلوك النازي لتعميق سياسة "التجويع الممنهج" وتحويل غزة إلى بقعة غير قابلة للحياة البشرية، كأداة ضغط سياسي تعوض الفشل العسكري المتواصل للاحتلال في الميدان وعجزه عن تحقيق أي من أهدافه الاستراتيجية المزعومة.

وخلال الأيام القليلة الماضية، ترجم الاحتلال الفاشي هذا السلوك بشن سلسلة غارات مباغتة طالت عشرات المنازل والشقق السكنية في مدينة غزة وشمالها والمحافظة الوسطى، ما أسفر عن ارتقاء عشرات الشهداء، جلهم من الأطفال والنساء، وإصابة المئات بجروح بليغة.

ويرى مراقبون أن هذه المجازر المتلاحقة لا تُعد مجرد ردود فعل عشوائية، بل هي استراتيجية صهيونية واضحة ومقصودة لإيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية في صفوف الحاضنة الشعبية للمقاومة.

ويتزامن هذا التصعيد الجوي الخطير مع تحذيرات عسكرية وميدانية من محاولة قادة الاحتلال تهيئة "البيئة العملياتية" وتدشين حزام ناري مكثف يسبق توسيع المجازر والعمليات البرية، أو الانتقال إلى مرحلة عسكرية أكثر شدة وعنفاً داخل القطاع.

وتسعى حكومة بنيامين نتنياهو المأزومة من خلال هذه الدماء إلى استعادة ما تسميه "الردع المتآكل"، والهروب من الأزمات السياسية واللوجستية الداخلية التي تعصف بالكيان الصهيوني وجيشه المستنزف على الجبهات المختلفة.

هروب من الفشل..

ووفق رؤية المحلل السياسي د. سعيد أبو رحمة، فإن العمليات العسكرية الأخيرة التي ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي في وسط مدينة غزة ومناطق الشمال، تعكس تحولاً بارزاً في طبيعة الأداء الميداني؛ حيث بات يركز على محاولة استهداف القيادات العسكرية وما يصفه بـ "الهيكل العملياتي المتبقي" للمقاومة الفلسطينية، بعد تآكل بنك أهدافه المتعلق بالتدمير الواسع للبنى التحتية والمنشآت المدنية.

ويرى أبو رحمة في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن التدفق المتزامن للتسريبات عبر القنوات الإعلامية العبرية حول استهداف قادة ألوية وكتائب في المقاومة -قبيل صدور أي إعلان رسمي من قادة جيش الاحتلال- لا يندرج في إطار التغطية المهنية، بل يمثل جزءاً من "حرب نفسية" وإدارة سياسية مأزومة للمعركة؛ بهدف تسويق إنجازات وهمية، والإيحاء بامتلاك قدرات استخبارية عميقة للتغطية على الفشل الميداني بعد أشهر طويلة من التوغل.

ويعكس هذا السلوك وفق حديث أبو رحمة، إدراكاً لدى المؤسسة الأمنية والعسكرية للاحتلال بأن المعركة الحالية لم تعد مرتبطة بالسيطرة الجغرافية التي عجز عن تثبيتها، بل بمحاولة يائسة لمنع إعادة بناء منظومة القيادة والسيطرة لدى فصائل المقاومة، لاسيما في المناطق التي شهدت انسحابات جزئية لجيش الاحتلال وعودة فورية وتدريجية للنشاط المقاوم.

وأضاف:" يحمل اختيار جيش الاحتلال الإسرائيلي لمناطق مكتظة بالسكان في قلب مدينة غزة لتنفيذ عملياته الأخيرة رسائل دموية وسياسية مزدوجة؛ إذ يعكس أولاً إصرار العدو على مواصلة حرب الإبادة الجماعية واستباحة دماء المدنيين داخل الحواضر السكنية ذات الكثافة العالية. وثانياً، يُشير إلى انتقال المعركة إلى نمط الاغتيالات والضربات الخاطفة في العمق الحضري، وهو أسلوب يعكس اعتماداً متزايداً على الجهد الاستخباري بدلاً من الاجتياحات البرية الواسعة التي باتت كلفة استنزافها البشري والمادي باهظة ومؤرقة لمنظومة الاحتلال.

وتابع: "سياسياً، ترتبط هذه الهجمة الصهيونية الممنهجة بالسياق الإقليمي الأوسع، لاسيما مع تصاعد الحراك الدولي والإقليمي لبحث تفاهمات تخص قطاع غزة ومستقبل إدارته؛ حيث يسعى الاحتلال من خلال هذا التصعيد الميداني إلى الدخول في أي مفاوضات أو ترتيبات سياسية مقبلة من "موقع القوة"، عبر ادعاء تقليص النفوذ العملياتي لقادة المقاومة، ومحاولة فرض معادلات أمنية جديدة تخدم مصالحه في أي مرحلة لاحقة.

صياغة قواعد الاشتباك..

ويرى الخبير في الشأن الصهيوني، د. حسن لافي، أن عودة الاحتلال لسياسة قصف المنازل المأهولة هي محاولة يائسة من رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، وحلفائه الفاشيين لإعادة صياغة "قواعد الاشتباك" والتنصل الكامل من الالتزامات والضمانات الدولية المقرة في جولات المفاوضات السابقة. ويشير لافي إلى أن نتنياهو يعيش مأزقاً استراتيجياً وتاريخياً غير مسبوق، ويحاول استخدام دماء الأطفال والنساء كأوراق ضغط تفاوضية لانتزاع تنازلات جوهرية من المقاومة الفلسطينية تتعلق بملفي الانسحاب ومحور فيلادلفيا.

ويوضح لافي في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن المنظومة الأمنية والعسكرية للاحتلال تعاني من "عقم تكتيكي" واضح بعد أشهر طويلة من القتال المستنزف لآلياته وجنوده، ما يدفعها لتعويض هذا العجز الميداني باللجوء إلى بنك أهداف سهل ودامي يتمثل في الشقق السكنية ومراكز النزوح. ويرى أن قادة وجنرالات جيش الاحتلال يدركون تماماً أن ضرب بيوت المدنيين لن يحقق نصراً عسكرياً، لكنهم يستخدمونه كأسلوب ترهيب نفسي وكي وعي لإجبار الحاضنة الشعبية المقاومة على الانفضاض عن خيار التمسك بالحقوق الوطنية وثوابت المقاومة.

ويضيف لافي أن هذا التصعيد الجوي المكثف يعكس كذلك مخاوف صهيونية داخلية حقيقية من دخول الكيان في حرب استنزاف طويلة الأمد لا تقوى جبهته الداخلية ولا اقتصاده المتهاوي على تحمل تبعاتها الثقيلة والمستمرة. ويفسر لافي السلوك الحالي للاحتلال بأنه تكتيك "التفاوض تحت النار القصوى"؛ حيث يسعى الكيان لإيصال الأوضاع الإنسانية والميدانية في قطاع غزة إلى حافة الانهيار الشامل، لاعتقاده أن ذلك قد يدفع الوسطاء الدوليين لممارسة ضغوط على قيادة حماس للقبول بشروط مجحفة.

ويختم لافي حديثه بالإشارة إلى أن تهيئة البيئة العملياتية عبر الأحزمة النارية وقصف المنازل المحصنة يشي بنوايا واضحة للاحتلال لتنفيذ توغلات برية موضعية وخاطفة في عمق المدن، تهدف إلى تحقيق إنجازات صورية يسوقها نتنياهو لجمهوره الصهيوني الغاضب. ويؤكد أن هذا التكتيك محفوف بالمخاطر القاتلة لجيش الاحتلال، لأن كتائب المقاومة أثبتت قدرتها العالية على إعادة التموضع السريع وتحويل الركام والبيوت المدمرة إلى كمائن عسكرية قاتلة تصطاد جنود وآليات العدو من مسافة صفر.

المصدر: فلسطين الآن