26.12°القدس
25.88°رام الله
24.97°الخليل
28.91°غزة
26.12° القدس
رام الله25.88°
الخليل24.97°
غزة28.91°
الأحد 14 يونيو 2026
3.92جنيه إسترليني
4.12دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.38يورو
2.92دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.92
دينار أردني4.12
جنيه مصري0.06
يورو3.38
دولار أمريكي2.92
منير سعد

منير سعد

مراعي فلسطين بين الطبيعة والإرث الروحي

منذ آلاف السنين، شكّلت التلال والمراعي والوديان جزءًا أصيلًا من المشهد الطبيعي في فلسطين. وفي هذه الأرض التي احتضنت أحداث الكتاب المقدس، لم يكن الرعي مجرد وسيلة للعيش، بل أسلوب حياة يجمع بين الإنسان والطبيعة والإيمان. فالخروف في الكتاب المقدس ليس مجرد حيوان، والراعي ليس مجرد عامل في الحقول، بل كلاهما يحمل دلالات روحية عميقة تكشف علاقة الله بالإنسان وعلاقة الإنسان بالخليقة التي ائتمنه الله عليها.

في فلسطين، كانت ومازالت تربية الأغنام والماعز من أهم الأنشطة الاقتصادية والمعيشية. وقد ساعدت طبيعة البلاد الجبلية وشبه الصحراوية على انتشار الرعي، خاصة في برية بيت لحم والأغوار وجبال الخليل والقدس. وكان الرعاة ينتقلون بقطعانهم بين المراعي تبعًا للفصول، بحثًا عن الكلأ والمياه، في علاقة يومية وثيقة مع الأرض وإيقاع الطبيعة.

لم يكن الراعي منفصلًا عن البيئة المحيطة به، بل كان جزءًا منها. يعرف مواقع الينابيع، ويراقب نمو الأعشاب، ويدرك أثر المطر والجفاف على المراعي. وكانت حياة الرعي تعلم الإنسان الصبر والاعتماد على الله، إذ ترتبط خصوبة الأرض ووفرة المراعي بعطايا الخالق وبركة المواسم. ومن هنا أصبحت صورة الراعي والخراف من أكثر الصور حضورًا في صفحات الكتاب المقدس.

ففي العهد القديم، ارتبطت حياة الرعي بعدد من الشخصيات المحورية في تاريخ الخلاص. كان هابيل راعيًا للغنم، وامتلك إبراهيم وإسحق ويعقوب قطعانًا كبيرة، وقضى موسى سنوات طويلة يرعى غنم حميه في البرية. أما داود، فقد تعلّم الأمانة والشجاعة في رعاية غنم أبيه في بيت لحم قبل أن يُمسح ملكًا.

لقد شكّلت حياة الرعي مدرسة روحية لهؤلاء الرجال. فالراعي يسهر على قطيعه، ويحمي الضعيف، ويبحث عن الضال، ويواجه الأخطار دفاعًا عن خرافه. لذلك استخدم الكتاب المقدس صورة الراعي للتعبير عن عناية الله بشعبه. ويقول صاحب المزمور: «الرب راعيّ فلا يعوزني شيء» (مزمور 23)، في صورة تجسد الحماية والإرشاد والطمأنينة.

أما الخروف، فقد اكتسب مكانة رمزية خاصة في الإيمان الكتابي. فهو يرمز إلى الوداعة والثقة والاعتماد على الراعي. كما ارتبط بالذبائح والقرابين في العهد القديم، فأصبح علامة على التكفير والتقديس والشكر. ومن هنا تطورت رمزية الخروف لتبلغ ذروتها في العهد الجديد.

فعندما رأى يوحنا المعمدان السيد المسيح له المجد قال: «هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم». وهكذا أصبح الحمل رمزًا للمسيح الذي قدّم ذاته قربانا من أجل خلاص البشرية ومصالحة الإنسان مع الله. وأعطى يسوع صورة الراعي بُعدًا روحيًا عميقًا عندما قال: «أنا هو الراعي الصالح» (يوحنا 10: 11). فالراعي الصالح يعرف خرافه ويقودها بمحبة ويحميها من الأخطار، وهكذا يعتني المسيح بمؤمنيه ويقودهم إلى الحياة والخلاص.

وليس من قبيل المصادفة أن تُعلن بشارة ميلاد السيد المسيح أولًا لرعاة كانوا يسهرون ليلًا في حقول بيت ساحور. ففي تلك الليلة المقدسة أصبحت المراعي أول شاهد على خبر الميلاد، في إشارة إلى قرب الله من البسطاء والمتواضعين.

وقد رأى آباء الكنيسة في صورة الراعي الصالح نموذجًا للمحبة والرعاية والمسؤولية. فأكد القديس أغسطينوس أن المسيح هو الراعي الذي يبذل نفسه من أجل خرافه، بينما أبرز القديس باسيليوس الكبير أن الخليقة هي عطية من الله ينبغي التعامل معها بحكمة وشكر. أما القديس إسحق السرياني فتحدث عن «القلب الرحيم» الذي يتسع بمحبة لجميع المخلوقات. ومن خلال هذا التراث، يتضح أن العناية بالإنسان وبالخليقة معًا تُعد جزءًا من الدعوة المسيحية إلى المحبة والأمانة لله الخالق.

وتتجلى صورة الراعي الصالح أيضًا في حياة الكنيسة، حيث تُفهم العلاقة بين الراعي والرعية كمسؤولية محبة وسهر على النفوس. فالراعي الروحي يُدعى إلى قيادة رعيته بمحبة وتواضع، والاهتمام بالضعفاء والباحثين عن الرجاء، على مثال المسيح الراعي الصالح الذي يرعى خرافه ويقودها إلى الحياة. وهكذا تصبح الخدمة في الكنيسة امتدادًا حيًا لصورة الراعي الذي يحمل القطيع ويهتم به بعناية ومسؤولية.

ومن منظور بيئي، لعب الرعي التقليدي دورًا مهمًا في تشكيل المشهد الطبيعي الفلسطيني عبر القرون. فالرعي المعتدل يساهم في الحفاظ على المراعي الطبيعية، ويحد من تراكم الأعشاب الجافة، ويساعد في استدامة النظم البيئية الريفية. وقد قامت العلاقة التقليدية بين الراعي والأرض على المعرفة المحلية واحترام المواسم وعدم استنزاف الموارد الطبيعية.

إلا أن هذا الإرث يواجه اليوم تحديات متزايدة، من تقلص المراعي الطبيعية بسبب الزحف العمراني والتغيرات المناخية وصعوبة الوصول إلى بعض الأراضي الرعوية، الأمر الذي يؤثر في استمرارية مهنة الرعي وإلى تراجع أنماط الحياة الريفية التقليدية. ومع ذلك، ما تزال الأغنام والمراعي جزءًا من الهوية الثقافية والاقتصادية الفلسطينية، وتحمل في طياتها ذاكرة أجيال عاشت في علاقة وثيقة مع الأرض.

إن صورة الراعي والخروف تكشف بعدًا عميقًا في العلاقة بين الإيمان والخليقة. فالراعي الصالح لا يستغل القطيع بل يرعاه ويحفظه، والإنسان مدعو بدوره كراع لهذه الارض إلى أن يتعامل معها بروح المسؤولية لا بروح الهيمنة والاستنزاف. ومن هذا المنطلق، تصبح العناية بالبيئة جزءًا من الأمانة المسيحية تجاه عطايا الله.

وفي فلسطين، حيث ما تزال الخراف تسلك الدروب ذاتها التي عبرها الرعاة والأنبياء منذ أجيال، يظل مشهد الراعي مع قطيعه صورةً حيّةً لعلاقة الإنسان بالأرض. فالرعاية التي يبذلها الراعي لقطيعه تذكّر بمحبة الله وعنايته المستمرة بخلقه، كما تدعو الإنسان إلى أن يكون أمينًا على الأرض التي استُؤمن عليها. وهكذا تبقى مهنة الرعي، بما تحمله من بساطة وصبر ومسؤولية، شاهدًا على قيم العطاء والحفاظ على الطبيعة، من أجل خير الإنسان والأجيال القادمة.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن