لم تعد الحرب على غزة تُخاض بالصواريخ والطائرات فقط، بل أصبحت تُدار أيضًا عبر استهداف الحياة ذاتها.
فبعد أشهر طويلة من القتل والدمار والتهجير والنزوح، يبدو أن الاحتلال انتقل إلى مرحلة جديدة عنوانها جعل البقاء في غزة أكثر صعوبة من أي وقت مضى، في محاولة لتحقيق ما عجزت عنه القوة العسكرية المباشرة.
في غزة اليوم، لا يواجه الإنسان خطر الموت بالقصف وحده، بل يواجه موتًا بطيئًا يتسلل إلى تفاصيل حياته اليومية.
الماء شحيح، والغذاء محدود، والدواء نادر، والكهرباء شبه غائبة، ومواد الإعمار ممنوعة، وفرص العلاج والسفر مقيدة، في حين يعيش مئات الآلاف بين الخيام ومراكز النزوح في ظروف قاسية لا تليق بالبشر.
هذه ليست نتائج جانبية للحرب كما يحاول البعض تصويرها، بل تبدو جزءًا من سياسة متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الإنساني في القطاع.
فحين تُدمر مقومات الحياة الأساسية، ويُحرم الناس من أبسط حقوقهم، ويُترك المجتمع كاملًا في حالة استنزاف مستمرة، يصبح الهدف واضحًا: دفع الفلسطيني إلى التفكير في الرحيل بوصفه مخرجًا من معاناة لا تنتهي.
لقد فشلت الحرب في تحقيق أهدافها الكبرى بالرغم من كل ما خلّفته من دمار.
لم تنكسر إرادة الفلسطينيين، ولم تغادر الأغلبية الساحقة أرضها بالرغم من المأساة غير المسبوقة التي عاشتها. ومع هذا الفشل، بدا أن الاحتلال يبحث عن وسائل أخرى لتحقيق النتيجة نفسها، ولكن ببطء أكبر وبضجيج أقل.
من هنا يمكن فهم الإصرار على استمرار الحصار، والتضييق على المعابر، وإبطاء عمليات الإعمار، والتحكم في تدفق المساعدات الإنسانية.
فالمعركة لم تعد معركة عسكرية فقط، بل تحولت إلى معركة على شروط الحياة نفسها. وكلما ازدادت الأزمات الإنسانية تعقيدًا، ظن الاحتلال أن فرص دفع الفلسطينيين نحو الهجرة تصبح أكبر.
الأخطر أن هذه السياسات تتزامن مع تصريحات متكررة لمسؤولين إسرائيليين تحدثوا عن “الهجرة” و”إعادة التوطين” باعتبارها مخرجًا من أزمة غزة.
وبينما تُقدَّم هذه الطروحات بعبارات مختلفة، فإن جوهرها واحد: إفراغ الأرض من سكانها الأصليين بعد أن فشلت الحرب في كسر إرادتهم.
لكن ما يغيب عن أصحاب هذه الرهانات أن الفلسطيني الذي صمد تحت القصف، وتحمل النزوح والجوع وفقدان الأحبة، لا ينظر إلى أرضه باعتبارها مكانًا للسكن فقط، بل باعتبارها جزءًا من هويته ووجوده وحقه التاريخي.
ولهذا فإن سياسات الحصار والتجويع قد تزيد المعاناة، لكنها لم تنجح يومًا في انتزاع الانتماء أو إلغاء الإرادة.
غزة اليوم ليست مجرد مدينة منكوبة أو مساحة جغرافية محاصرة، بل عنوان لمعركة مفتوحة بين مشروع يريد كسر الإنسان الفلسطيني وإخراجه من أرضه، وشعب يتمسك بحقه في البقاء مهما بلغت التضحيات.
وفي هذه المعركة، يصبح الدفاع عن حق الفلسطيني في الحياة فوق أرضه شكلًا من أشكال المقاومة، ويصبح كسر الحصار ضرورة إنسانية وأخلاقية قبل أن يكون مطلبًا سياسيًا.
