في فجر الرابع والعشرين من حزيران/يونيو 2021، لم يكن اغتيال نزار بنات بالنسبة إليّ خبراً عابراً، ولا حدثاً سياسياً يُضاف إلى سلسلة الأحداث الثقيلة التي عرفها هذا الوطن.
كان شيئاً آخر…
كان خيبةً استقرت في القلب، وحزناً لا يشبه سواه.
ومنذ تلك اللحظة، ظلّ سؤال واحد يطاردني أينما ذهبت:
لماذا قتلوه؟
ألِكلمةٍ قالها؟
أم لنصيحةٍ صادقةٍ لم يرغب أحدٌ في سماعها؟
أم لأن الحقيقة التي حملها كانت أثقل من أن تُحتمل؟
يومها بحثت عن زوجته وأولاده لأقدّم واجب العزاء. فعلت ذلك، ثم انقطع كل شيء.
انسحبت من وسائل التواصل الاجتماعي، وابتعدت عن الناس وعن ضجيج العالم.
كنت أخجل من سماع صوته، وأخجل من النظر إلى صورته، وكأن الذاكرة نفسها تحولت إلى عبءٍ لا يُطاق.
كل صورة كانت تعيد الجرح إلى لحظته الأولى،
وكل كلمة كانت توقظ الغياب من جديد.
مرّت السنوات بطيئة وثقيلة، نحو أربع سنوات كاملة.
وخلال معركة الطوفان وحرب الإسناد، ولأسباب خاصة ومختلفة، شعرت أن الصمت الذي رافقني طويلاً لم يعد كافياً.
قررت أن أكتب…
أن أكتب عن الشهيد الصديق نزار بنات، كما عرفته أنا، لا كما روته الأخبار.
أن أكتب عن الإنسان الذي عرفته عن قرب، وعن تلك العلاقة التي لم تكن يوماً علاقةً عابرة.
بدأ الأمر بسلسلة مقالات، ثم تحوّل تدريجياً إلى مشروع كتاب كامل عن الشهيد نزار بنات، وعن معرفتي به، وعن تفاصيل كثيرة بقيت حيّة في الذاكرة رغم مرور السنوات.
حاولت الوصول مجدداً إلى زوجته وأولاده عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكنني لم أوفّق.
فمضيت وحدي في هذا الطريق.
بدأت أبحث في الإنترنت عن أصدقاء الشهيد نزار بنات.
وجدت من رحّب بالفكرة،
ووجدت من اختفى،
ووجدت من آثر الصمت.
ومع الوقت، تكشّفت لي حقيقة مؤلمة؛ وهي أن نزار بنات لم يكن محاطاً بالأصدقاء كما كنت أظن، بل بدائرة واسعة من المعارف، أما الأصدقاء الحقيقيون فكانوا أقل بكثير مما توقعت.
لاحقاً، تواصلت مع زوجته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبقي التواصل في بدايته رسائل متفرقة.
لكن بعد أن سمعت مني تفاصيل وكلمات وأسراراً عن نزار لا يعرفها عنه أحد سواي، بدأ باب الثقة يُفتح تدريجياً.
وكان ذلك الباب إنسانياً، صادقاً، ومؤثراً.
ومع مرور الوقت، ازددت يقيناً بأن ما عرفته عن نزار بنات لم يكن متاحاً لكثيرين؛ فقد جمعتني به علاقة قربٍ وثقة كشفت لي جوانب إنسانية وفكرية عميقة، بقي كثير منها بعيداً عن الأضواء، ومجهولاً حتى لدى عدد كبير ممن عرفوه.
ومنذ تلك اللحظة، أصبحت أرملة الشهيد، الأخت جيهان الحروب (أم كفاح)، الجندي المجهول الصامت في إعداد الكتاب.
كانت تمدّني بكل ما أحتاجه من معلومات عن زوجها، بدقة لافتة، وإخلاص نادر، وحرص لا يتزعزع.
لم تبخل بأي معلومة، ولم تتردد في تقديم أي مساعدة أحتاجها.
لكن أكثر ما أثار احترامي وتقديري أنها لم تسمح لنفسها يوماً بالتدخل في التأليف، أو التوجيه.
تركت الوقائع كما هي، وتركت للكتابة أن تتحمّل مسؤوليتها كاملة.
وخلال إعداد كتاب:
«الشهيد نزار بنات… حين يُغتال الصوت ولا تموت الحقيقة»،
رافقني انطباع ثابت من الصفحة الأولى حتى الأخيرة؛
نزار بنات لا يشبه أحداً…
وجيهان الحروب لا تشبه أحداً.
وخلال هذه الرحلة، بقيت واقعة واحدة حاضرة في ذهني كلما تذكرت نزار، لأنها لم تكن مجرد كلمات، بل كانت أقرب إلى شهادة مبكرة على ما كان يدركه.
فقبل أيام قليلة من اغتياله، نشر مقطع فيديو مسجّل بصوته وصورته، بدا كوصية أخيرة لرجل كان يرى الخطر يقترب منه، دون أن يتراجع عن مواقفه أو يساوم على قناعاته.
جاء فيه:
«لا تضعوا جثماني في أيدي الطب الشرعي التابع للسلطة.
أوصي أولادي وكل أقاربي: إذا حصل لي أيّ شيء، لا تذهبوا لا إلى الشرطة ولا إلى غيرها، ولا تضعوا جثماني بين أطباء شرعيين من هالموديل.
اعملوا على الأدلّة الظنية، واستد إذا فيك تستد، وهكذا أدعو كل مواطن فلسطيني، فهذا أفضل من الذهاب إلى مثل هذه اللجان الطبية».
وحين وقع ما كان يخشاه، لم تتعامل جيهان الحروب مع كلماته بوصفها حديثاً عابراً، بل بوصفها وصية رجل أدرك مبكراً المصير الذي كان ينتظره.
لذلك تمسكت بما أوصى به الشهيد، ورفضت اللجوء إلى محاكم السلطة، وفاءً لكلمته واحتراماً لإرادته الأخيرة، في موقف جسّد مرة أخرى ذلك الوفاء الصامت الذي رافقها منذ لحظة استشهاده.
ولعلّ هذه واحدة من أكثر الصور دلالة على شخصية جيهان الحروب؛ امرأة لم تبحث عن الأضواء، ولم تجعل من مأساتها منبراً للظهور، لكنها بقيت أمينة لوصية زوجها كما بقيت أمينة لذكراه.
وبعد كل هذا المسار الطويل من البحث والذاكرة والصمت، وكل هذا الألم، خرجت بقناعة راسخة لا تغادرني؛
جيهان الحروب ليست مجرد زوجة شهيد…
إنها تحمل من طباعه ووفائه ونزاهته ما يجعل حضوره ماثلاً فيها رغم الغياب.
في صبرها، وفي نزاهتها،
وفي ابتعادها عن الاستعراض، وفي وفائها لدمه وذكراه.
لقد كتبت كتاب الشهيد نزار بنات الذي صدر عن بيسان للنشر والتوزيع في بيروت أكتوبر/ تشرين الأول 2025 وفاءً لدم الشهيد، وهديةً لأطفاله، ليبقى بين أيديهم شيء من صوته وحكايته، قبل أن تتسلل الشيخوخة إلى ذاكرتي وتسرق منها ما تبقى من التفاصيل.
فبعض الناس يخلّدهم موتهم، ويخلّد بعضهم الآخر ما تركوه من أثر في قلوب من عرفوهم.
أما بعض النساء، فإنهن يخلّدن الشهداء بصمتهن، وبالصبر الذي لا يراه أحد، وبالوفاء الذي لا يحتاج إلى إعلان.
وكانت جيهان الحروب واحدة من هؤلاء.
اختارت أن تحمل الوجع بصمت.
وأن تحرس الذكرى بصمت.
وأن تبقى وفية للرجل الذي غاب جسده، فيما بقي حضوره حياً في الذاكرة.
بعض الناس يخلّدهم موتهم…
وبعض النساء يخلّدن الشهداء بصمتهن…
وجيهان الحروب فعلت ذلك…
بوفاءٍ نادر.
