لم تكن حكاية المقاومة في شمال قطاع غزة يوماً وليدة الصدفة، بل كانت نتاج عقول قتالية فذة خططت بالدماء وشيدت القلاع تحت عين المحتل وفي مواجهة ترسانته. وفي تاريخ الثورات رجال لا يُقاس حضورهم بالسنوات، بل بحجم التحولات الاستراتيجية التي أحدثوها في بنية الصراع؛ رجال صاغوا من صمت الإعداد الطويل فجراً للعبور العظيم، وغرسوا في الأرض رعباً ممتداً يقض مضاجع المنظومة الأمنية والعسكرية للاحتلال الإسرائيلي على مدار عقود.
ومن بين تلك القامات التي حفرت اسمها في سجلات المجد، يبرز الشهيد القائد إبراهيم أحمد البياري "أبو صهيب"، كأحد أهم أعمدة العمل العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام في قطاع غزة. فلم يكن "أبو صهيب" مجرد قائد ميداني يوجه المقاتلين، بل كان مهندساً ومؤسساً لجيل "النخبة" الذي دمر هيبة الجيش الذي لا يقهر، ومثّل طوال مسيرته الممتدة عنواناً للتحدي وفرض معادلات القوة والردع عند النقطة صفر من السلك الزائل.
إن البصمات الجهادية التي تركها القائد البياري منذ مطلع شبابه وحتى ترجله في الحادي والثلاثين من أكتوبر لعام 2023، كشفت عن عبقرية عسكرية فريدة تمثلت في التأسيس البنيوي، والإشراف العملياتي المباشر على أكثر المعارك كسرًا لسمعة الاحتلال الأمنية. وتأتي هذه السيرة لترسم معالم رجل أدار المعارك الصامتة والمعلنة بكفاءة واقتدار، وتحول إلى كابوس حقيقي طارد قادة الأجهزة الاستخباراتية الصهيونية حتى الرمق الأخير.
هندسة "النخبة" وتأسيس قلاع المقاومة
ولد الشهيد القائد "أبو صهيب" في الثالث والعشرين من أكتوبر عام 1983، ونشأ في أزقة مخيم الصمود، مخيم جباليا. ومع اشتداد عوده، انخرط في صفوف كتائب الشهيد عز الدين القسام، ليصبح بمثابة العقل المدبر والعمود الفقري للعمل العسكري في شمال قطاع غزة. شغل منصب قائد كتيبة الشهيد فوزي أبو القرع (كتيبة الخلفاء) وسط مخيم جباليا، ولم يكن قائداً تقليدياً، بل كان مؤسساً وبانياً؛ حيث يرجع له الفضل في تأسيس وإطلاق كتيبة "نخبة القسام" في شمال القطاع، والتي ظهرت للعلن لأول مرة عام 2014 لتشكل رأس الحربة في مواجهة الترسانة الصهيونية.
ولم تقتصر بصماته على بناء الرجال، بل امتدت لتشييد القلاع؛ ففي عام 2015 أشرف على تأسيس "موقع فلسطين العسكري" بمحاذاة السلك الفاصل، وهو الموقع الأقرب للأراضي المحتلة والمطل مباشرة على معبر "إيرز" ومستوطنة "نتيف هعتسراة". وفي تحدٍ سافر لمنظومة الاحتلال الأمنية، أنشأ القائد "مرصد الفاتح" عند النقطة صفر. وحينما أقدم الاحتلال على قصف المرصد وتدميره في يونيو 2022 لكسر هذه الإرادة، فاجأهم "أبو صهيب" بإعادة ترميمه وبنائه كاملاً خلال 24 ساعة فقط، في رسالة تحدٍ واضحة فرضت معادلة القوة مع العدو.
طوفان الأقصى.. من المحاكاة إلى العبور العظيم
سنوات طويلة قضاها القائد البياري في التجهيز لليوم الموعود، حيث تولى لسنوات طويلة تسليح، وتدريب، ودعم "سرية النخبة" لوجستياً في مخيم جباليا. وأشرف بشكل مباشر على عشرات المناورات العسكرية التي كانت تحاكي بدقة اقتحام المواقع العسكرية الإسرائيلية، وكان يضع عينه بالذات على موقع "إيرز" العسكري المحصن.
وفي صبيحة السابع من أكتوبر 2023، قاد "أبو صهيب" بنفسه الهجوم على موقع "إيرز". تكلل الإشراف المباشر بنجاح باهر؛ فتح المقاتلون ثغرة في السلك الفاصل، واقتحموا الموقع التاريخي ليجهزوا بالكامل على قوة جيش الاحتلال المتمركزة هناك. ولم تكن الضربة عسكرية فحسب، بل كانت أمنية بامتياز، إذ تم تدمير مقر جهاز الأمن العام "الشاباك" المسؤول عن تجنيد العملاء وملاحقة المقاومين، لتتحطم في ذلك الصباح أسطورة "الجيش والشاباك" معاً تحت أقدام مقاتلي البياري.
اعتراف العجز الإسرائيلي
حجم الضربات الكبيرة التي أوجع بها القائد البياري منظومة الاحتلال تجلى بوضوح في بيان جيش العدو يوم اغتياله؛ إذ اتهمه صراحة بإدارة كافة العمليات القتالية في شمال قطاع غزة منذ بدء التوغل البري. كما كشف الاحتلال عن حقد دفين يمتد لـ 20 عاماً، متسقاً مع اتهامه بالضلوع في إرسال منفذي عملية اقتحام ميناء أسدود النوعية عام 2004 والتي أسفرت عن مقتل 13 إسرائيلياً، ناهيك عن مسؤوليته المباشرة عن توجيه الرشقات الصاروخية باتجاه البلدات المحتلة طيلة عقدين من الزمن.
ترجل الفارس "أبو صهيب" ملبياً نداء الواجب، ومخلفاً وراءه مدرسة عسكرية متكاملة وجيشاً من المقاتلين الأوفياء الذين يواصلون خطه الجهادي، لتظل سيرته منارة تضيء طريق التحرير نحو القدس وكافة أراضينا المحتلة.
