26.68°القدس
26.44°رام الله
25.53°الخليل
30.8°غزة
26.68° القدس
رام الله26.44°
الخليل25.53°
غزة30.8°
الجمعة 03 يوليو 2026
4جنيه إسترليني
4.22دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.42يورو
2.99دولار أمريكي
جنيه إسترليني4
دينار أردني4.22
جنيه مصري0.06
يورو3.42
دولار أمريكي2.99
اسماعيل الريماوي

اسماعيل الريماوي

هاكابي... وجه الصهيونية المسيحية الأخير في أمريكا المتغيرة

يُعدّ مايك هاكابي أحد أكثر الشخصيات الأمريكية ارتباطًا بالمشروع الصهيوني، فهو يجمع بين النفوذ الديني والسياسي والإعلامي، وقد كرّس مسيرته للدفاع عن إسرائيل وتبرير سياساتها، حتى أصبح من أبرز رموز التيار الإنجيلي الصهيوني في الولايات المتحدة، شغل منصب حاكم ولاية أركنساس لسنوات، وخاض الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، قبل أن يتحول إلى أحد أقرب الحلفاء السياسيين للرئيس دونالد ترامب، ومن أكثر الشخصيات تأثيرًا في أوساط اليمين المسيحي الداعم لإسرائيل.

ينطلق هاكابي من قناعة دينية وعقائدية ترى أن فلسطين التاريخية هي "أرض الميعاد" التي منحها الله لليهود، ولذلك يرفض الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ويعارض بصورة قاطعة قيام دولة فلسطينية أو تطبيق حل الدولتين، وبالنسبة له، لا وجود لما يُعرف بالضفة الغربية، بل يستخدم المصطلح التوراتي "يهودا والسامرة"، كما يرفض وصف المستوطنات الإسرائيلية بأنها غير قانونية، معتبرًا إياها "مجتمعات ومدنًا يهودية" على أرض يراها حقًا تاريخيًا ودينيًا لإسرائيل.

وترجع جذور هذا الموقف إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين اعتاد تنظيم رحلات دينية للمسيحيين الإنجيليين إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكان يحرص خلالها على زيارة المستوطنات الإسرائيلية وتشجيع دعمها سياسيًا وماليًا، في الوقت الذي كان يتجنب فيه زيارة مدينة بيت لحم، رغم مكانتها المركزية في العقيدة المسيحية، بسبب كونها مدينة ذات أغلبية فلسطينية.

وفي مقابلة أجراها عام 2017، أعلن بوضوح رفضه استخدام مصطلح "الضفة الغربية"، مؤكدًا أنه لا يعترف إلا باسم "يهودا والسامرة"، كما نفى وجود احتلال أو استيطان غير شرعي ، وعندما طُلب منه لاحقًا توضيح تصريحاته التي أنكرت وجود الشعب الفلسطيني، حاول التخفيف من وقعها، نافيًا أنه دعا إلى تهجير الفلسطينيين، لكنه عاد ليؤكد أن موقفه يستند إلى ما وصفه بـ"التفويض التوراتي" الذي يعود، بحسب اعتقاده، إلى عهد النبي إبراهيم قبل أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة عام.

ولعب هاكابي دورًا بارزًا في تعبئة الرأي العام الأمريكي المحافظ لتأييد قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، كما كان من أبرز المؤيدين لاتفاقيات أبراهام، معتبرًا أنها تمثل مسارًا لتعزيز مكانة إسرائيل إقليميًا، بعيدًا عن أي حل عادل للقضية الفلسطينية.

ويرتبط هاكابي بعلاقة وثيقة مع دونالد ترامب، ويُعد من أكثر الشخصيات الجمهورية ولاءً له، وخلال جلسات الاستماع الخاصة بتعيينه، أكد أنه سيلتزم بتنفيذ سياسات الرئيس حتى إن تعارضت مع قناعاته الشخصية،  ورغم تأييده لقرار وقف إطلاق النار في غزة عندما تبنته إدارة ترامب، فإنه شدد في الوقت نفسه على التزامه المطلق بضمان استمرار الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، بما في ذلك تسريع تزويدها بالأسلحة، بما يعكس أن دعمه لتل أبيب يمثل ثابتًا عقائديًا وسياسيًا لا يتغير بتغير الظروف.

غير أن المشهد الأمريكي اليوم لم يعد كما كان قبل سنوات، فالحرب الإسرائيلية على غزة، وما رافقها من مشاهد القتل الجماعي والدمار والتجويع واستهداف المدنيين، أحدثت تحولًا غير مسبوق داخل المجتمع الأمريكي، وللمرة الأولى منذ عقود، لم تعد الرواية الإسرائيلية تحظى بالهيمنة المطلقة داخل الجامعات ووسائل الإعلام ودوائر النقاش العام، بل برزت أصوات واسعة تتحدث عن الاحتلال والاستيطان وجرائم الحرب، وأصبح التعاطف مع الفلسطينيين يتوسع بصورة لافتة، خصوصًا بين الشباب والطلاب والأوساط الأكاديمية، وحتى داخل شرائح من الحزب الديمقراطي والجالية اليهودية الأمريكية.

هذا التحول لا يعني أن اللوبي الصهيوني فقد نفوذه، ولا أن الصهيونية المسيحية تراجعت عن مواقعها، لكنها باتت تواجه معركة جديدة لم تعهدها من قبل، فبعد أن كانت تعتمد لعقود على احتكار الرواية وتقديم إسرائيل باعتبارها "الضحية الدائمة"، جاءت حرب غزة لتقلب الصورة أمام ملايين الأمريكيين الذين تابعوا، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حجم المأساة الإنسانية بعيدًا عن الرواية الرسمية.

ولهذا يمكن فهم تعيين شخصيات مثل هاكابي في هذا التوقيت باعتباره محاولة لإعادة تعبئة القاعدة الإنجيلية المحافظة، وتعزيز نفوذ الصهيونية المسيحية داخل مؤسسات صنع القرار، في مواجهة التآكل المتزايد في صورة إسرائيل داخل الرأي العام الأمريكي، فالمعركة بالنسبة لإسرائيل لم تعد تقتصر على جبهات القتال في غزة أو لبنان أو الضفة الغربية، بل امتدت إلى الجامعات الأمريكية، وإلى الإعلام، وإلى الرأي العام العالمي، حيث أصبحت تخسر يومًا بعد يوم معركة الشرعية الأخلاقية.

لقد أدركت إسرائيل أن أخطر ما أفرزته حرب غزة ليس فقط الخسائر العسكرية أو الضغوط الدولية، وإنما انهيار الصورة التي عملت على بنائها لعقود باعتبارها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، ومع تصاعد الاتهامات بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، باتت الحاجة ملحة بالنسبة لها إلى شخصيات عقائدية مثل هاكابي، تستطيع توظيف الخطاب الديني والإنجيلي لإعادة إنتاج السردية الصهيونية داخل المجتمع الأمريكي، وحشد القاعدة المحافظة خلفها.

لكن المشكلة التي تواجه هذا المشروع أن التحولات الجارية داخل الولايات المتحدة تبدو أعمق من أن تُعالج من سفير صهيوني أو إطلاق حملة إعلامية، فجيل كامل من الأمريكيين بات يرى الصراع من زاوية حقوق الإنسان والقانون الدولي، لا من زاوية الرواية التوراتية أو الحسابات الجيوسياسية، وهذا التحول، وإن كان لن يغيّر السياسات الأمريكية بين ليلة وضحاها، فإنه يضع إسرائيل واللوبي الداعم لها أمام تحدٍ استراتيجي طويل الأمد، يتمثل في فقدان التأييد الشعبي الذي شكل لعقود أحد أهم مصادر قوتها ونفوذها.

ومن هنا، فإن وجود مايك هاكابي لا يعكس ثقة إسرائيل بنفسها بقدر ما يعكس شعورها بالقلق من المستقبل، فعندما تضطر دولة إلى الاستعانة بأكثر الأصوات الأيديولوجية تطرفًا للدفاع عن سياساتها، فهذا يعني أن حججها السياسية والقانونية والأخلاقية لم تعد كافية لإقناع العالم، أما الفلسطينيون، ورغم حجم المأساة التي يعيشونها، فقد نجحوا بصمودهم وتضحياتهم في إحداث تحول تاريخي في الوعي العالمي، وهو تحول قد يكون، على المدى البعيد، أكثر تأثيرًا من كثير من المعارك العسكرية، لأنه يستهدف الركيزة التي اعتمدت عليها إسرائيل منذ قيامها: احتكار الرواية وكسب الرأي العام الغربي.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن