26.12°القدس
25.88°رام الله
24.97°الخليل
29.72°غزة
26.12° القدس
رام الله25.88°
الخليل24.97°
غزة29.72°
الأربعاء 08 يوليو 2026
4.06جنيه إسترليني
4.28دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.47يورو
3.04دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.06
دينار أردني4.28
جنيه مصري0.06
يورو3.47
دولار أمريكي3.04

تقارير "فلسطين الآن"..

الموت البطيء يهدد مئات المرضى.. نقص بيكربونات الصوديوم يفرمل أجهزة غسيل الكلى في غزة

خاص-فلسطين الآن

تتفاقم معاناة مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة بشكل غير مسبوق، لتتحول جلسات العلاج الروتينية التي تمثل شريان الحياة الوحيد لهم إلى رحلة عذاب يومية محفوفة بمخاطر الموت المفاجئ جراء اشتداد الحصار الصهيوني الخانق. 

وتواجه المنظومة الطبية المتهالكة نقصاً حاداً وكارثياً في المستلزمات والمستهلكات الطبية الأساسية اللازمة لإجراء عمليات تنقية الدم، مما يضع حياة مئات المواطنين على حافة الهاوية وسط تجاهل دولي مريب وصمت أممي مطبق.

ويعيش هؤلاء المرضى وعائلاتهم حالة من الرعب النفسي والقلق الوجودي اليومي، خشية التوقف التام لما تبقى من أجهزة غسيل كلى متهالكة في المستشفيات التي نالت منها قذائف وصواريخ الاحتلال. إن كل دقيقة تأخير في إدخال الشحنات الطبية تعني تراكم السموم والسوائل في أجساد المرضى النحيلة، وهو ما ينذر بوقوع كارثة إنسانية مروعة تفوق قدرة الطواقم المحلية المنهكة على الاحتواء أو التدخل الطبي العاجل.

واضطرت إدارات المستشفيات وأقسام الكلى أمام هذا الشح الشديد في المواد التشغيلية إلى اتخاذ إجراءات قاسية وصعبة، تمثلت في تقليص عدد جلسات الغسيل للمريض الواحد من ثلاث جلسات أسبوعياً إلى جلستين أو جلسة واحدة مقتضبة، وتقليص عدد ساعات الجلسة الواحدة إلى النصف. هذا الإجراء القسري أدى سريعاً إلى تدهور خطير في الحالة الصحية لعشرات المرضى، وبدأت تظهر عليهم أعراض التسمم البولي والانتفاخات الحادة واحتقان الرئتين، وسط تحذيرات طبية متتالية من قفزة حادة في أعداد الوفيات.

وتتصاعد في هذه الأوقات الصعبة نداءات الاستغاثة الإنسانية والطبية والحقوقية من قلب المستشفيات المتبقية في القطاع، موجهة إلى المجتمع الدولي ومنظمة الصحة العالمية بضرورة التدخل الميداني الفوري للضغط على سلطات الاحتلال. 

ويتركز المطلب الأساسي في ضرورة الإسراع بإدخال الفلاتر، وأنابيب الدم، وخاصة مادة بيكربونات الصوديوم الشحيحة التي وبدونها تتوقف الأجهزة عن العمل تماماً، لإنقاذ أرواح مئات الأبرياء الذين يقتاتون على الأمل المتبقي في زوايا غرف العلاج المظلمة.

وتأتي هذه المأساة الصحية المتجددة في وقت يواصل فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي حربه التدميرية وحصاره البيئي الممنهج لقطاع غزة، حيث حذّرت الأمم المتحدة مؤخراً من تفشٍ مرعب لمرض "جدري الماء" طال نحو 9300 نازح جراء الاكتظاظ وتدمير شبكات الصرف الصحي، بالتزامن مع بلوغ الحصيلة التراكمية لعدوان حرب الإبادة الجماعية المستمرة 73,051 شهيداً و173,437 مصاباً وفقاً لآخر تحديثات وزارة الصحة الفلسطينية، ما يجعل من مرضى الفشل الكلوي ضحايا منسيين في مقصلة الموت البطيء.

وصمة عار على جبين المنظومة الدولية.. 

وأكد الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي، أن القطاع الصحي في هذه المرحلة الحرجة انهياراً كاملاً وغير مسبوق هو الأشد وطأة منذ بداية العدوان الصهيوني الغاشم، حيث طال الدمار الممنهج معظم المستشفيات والمراكز الحيوية، ولم تسلم أقسام غسيل الكلى من الاستهداف المباشر والتدمير لترسانتها التقنية.

وأضاف أبو سلمية في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن المستشفيات تقف اليوم عاجزة أمام طوابير من المرضى الذين تتلاشى أجسادهم أمام أعيننا جراء النقص الحاد في المستهلكات الطبية الأساسية، ونحن في إدارة المجمع الطبي بتنا نفاضل بين الحالات لإنقاذ من يمكن إنقاذه في ظل شح الإمكانيات والوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية.

وتابع: "إن الانعدام شبه التام لمادة بيكربونات الصوديوم والفلاتر المخصصة لتنقية الدم يمثل حكماً بالإعدام المباشر المؤجل على مئات المرضى الذين لا مأوى طبي بديل لهم سوى هذه الجدران المتصدعة. الطواقم الطبية والتمريضية المنهكة تعمل على مدار الساعة تحت التهديد والنيران، ورغم كل محاولات التدوير والتقنين الجراحي لعدد ساعات الغسيل، إلا أن المخزون الاستراتيجي جف تماماً، وأصبحنا نعتمد على ما يتم توفيره يوماً بيوم عبر تنسيقات شحيحة ومعقدة لا تفي بالحد الأدنى من الكلفة التشغيلية للقسم".

وأكمل: "لقد تسبب تقليص عدد الجلسات وساعاتها في مضاعفات صحية مرعبة رصدتها طواقمنا داخل الأقسام، حيث سجلنا ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الفشل الفجائي لعضلة القلب لدى المرضى نتيجة تجمع السوائل، فضلاً عن حالات الاختناق الليلي الحاد بسبب تضخم الرئتين. إن المرضى الذين نزحوا من مختلف محافظات القطاع تحت الرصاص وجدوا أنفسهم محاصرين بين سندان الموت بالقذائف أو الموت الصامت على أسرة العلاج، وهو ما يشكل وصمة عار على جبين المنظومة الدولية التي تتفرج على هذه الإبادة الطبية".

وأطلق أبو سلمية صرخة مدوية وأخيرة من قلب غزة المكلومة وحذر المنظمات الدولية وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر، بأن الساعات القادمة ستكون حاسمة وسوداوية إذا لم يتم كسر القيود الإسرائيلية وإدخال الشاحنات الطبية ومادة البيكربونات فوراً، مبيناً أن الاكتفاء ببيانات القلق والتشخيص لم يعد يجدي نفعاً مع مريض يحتاج إلى جهاز ينقذ حياته كل ثمانٍ وأربعين ساعة، والمؤسسة الطبية لن تتحمل وزر الوفيات الجماعية المتوقعة نتيجة هذا الحصار اللاإنساني المفروض على أبسط الحقوق البشرية.

واختتم حديثه، بأن الاحتلال الإسرائيلي يتعمد استخدام الملف الصحي وتجويع المرضى وتعطيشهم ومنع دوائهم كأداة حرب وضغط سياسي قذرة لتركيع شعبنا وحاضنة المقاومة في القطاع. ونحن نؤكد رغم تدمير مبانينا وحصار أروقتنا، أننا لن نغادر مواقعنا الإنسانية والوطنية وسنواصل تقديم الخدمة بـما توفر من أدوات بدائية، تزامناً مع هبة الوعي الأمني والتلاحم الميداني الذي يثبت فيه شعبنا وجهازه الصحي المرابط أنه عصي على الانكسار أو الاستسلام أمام هذه المؤامرة التخريبية.

أعيش في كل كابوساً حقيقياً..

وتحدث المواطن أحمد عبد الكريم، أحد مرضى الفشل الكلوي النازحين في خيام الإيواء يمخيم النصيرات، لمراسل وكالة "فلسطين الآن" الإخبارية، سارداً فصول مأساته الصحية المروعة بصورة متصلة ودون انقطاع.

وقال عبد الكريم: "أعيش في كل يوم يمر عليّ كابوساً حقيقياً لا ينتهي، وأستيقظ على وجع وصداع قاتل يجتاح رأسي وجسدي بسبب السموم التي تتراكم في دمي لعدم مقدرتي على الغسيل بانتظام. منذ أشهر وأنا أنزح من مدرسة إيواء إلى خيمة مهترئة، أحمل هم عائلتي وهم جسدي العليل الذي لم يعد يقوى على السير لبضعة أمتار، وكلما توجهت إلى المستشفى يخبرني الأطباء بنبرة حزينة أن المواد أوشكت على النفاد وأن عليّ الانتظار لساعات طويلة حتى يفرغ سرير أو جهاز".

وأضاف: "لقد قرر الأطباء تقليص جلستي من أربع ساعات إلى ساعتين فقط، ومن ثلاث مرات في الأسبوع إلى مرة واحدة في كثير من الأحيان، وهذا الأمر جعلني أشعر بأن نَفَسي ينقطع تدريجياً وأن السوائل بدأت تتجمع في قدمي وبطني حتى صرت عاجزاً عن النوم مستلقياً. نحن لا ننام الليل من الخوف، ليس فقط من صوت القصف والغارات التي تلاحق خيامنا، بل من فكرة أن يأتي الصباح وأسمع خبر توقف قسم الكلى بالكامل، لأن ذلك يعني ببساطة أنني سأموت خلال أيام معدودة ويُيتم أطفالي الصغار".

وتابع: المسافة من خيمتي إلى المستشفى هي رحلة موت أخرى، حيث نقطع الطرقات الوعرة والمدمرة تحت حر الصيف الشديد ووسط انتشار الحشرات والأوبئة التي تملأ الأجواء وتنهك مناعتنا الضعيفة أصلاً. نرى الموت في عيون بعضنا البعض ونحن جالسون على كراسي الانتظار، وكل أسبوع نفتقد زميلاً لنا كان يجلس على السرير المجاور، غيبه الموت ليس بشظية قذيفة، بل لأن جسده لم يحتمل تراكم اليوريا والسموم الناتجة عن منع دخول الدواء ومادة بيكربونات الصوديوم"

وأكمل: "أطفالنا ينظرون إلينا بنظرات مليئة بالانكسار والعجز، ولا نملك الإجابة حين يسألوننا إن كنا سنعود إليهم بعد جلسة الغسيل أم سنكون الاسم القادم في كشوفات الوفيات. إن الحياة في غزة باتت رخيصة في عيون العالم، وصار الحصول على جلسة غسيل كلى كاملة وشريط دواء أمنية مستحيلة نطاردها وسط الأنقاض، ونشعر بمرارة شديدة وأنا أرى عواصم العالم تحتفل وتمارس حياتها الطبيعية بينما نحن نُباد ببطء وعطش داخل هذه المعازل الضيقة والمحصورة".

واختتم حديثه: "رغم كل هذا الوجع والألم المرير، لن نركع للاحتلال ولن نترك أرضنا، وصمودنا فوق هذه الأرض هو سلاحنا الأقوى لمواجهة مخططات التهجير والإبادة. إننا نطالب الشرفاء والمؤسسات الحقوقية في العالم بالنظر إلى تضحياتنا وآلامنا وتحمل مسؤولياتهم الأخلاقية لوقف هذه المجزرة الطبية الصامتة، فكرامتنا وحقنا في العلاج والحياة والحرية هي حقوق مقدسة سنتمسك بها حتى آخر نبض في عروقنا المثقلة بالمرض".

المصدر: فلسطين الآن