يواجه وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند جملة من الملفات الدولية المعقدة التي قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة في السياسة الخارجية للمملكة المتحدة، في مقدمتها مستقبل العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وأزمة المناخ، وإعادة تنشيط مجموعة العشرين، إلى جانب الحرب في غزة ومستقبل النظام الدولي، في وقت تفرض فيه العلاقة مع الولايات المتحدة، في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، قيوداً وحسابات دقيقة على هامش الحركة المتاح أمام الدبلوماسية البريطانية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية للكاتب باتريك وينتور، فإن ميليباند لا ينظر إلى منصبه باعتباره "جائزة ترضية" سياسية، بل يتعامل معه بوصفه موقعاً يتيح له العمل على ملفات استراتيجية واسعة، وسط تقديرات من المقربين منه بأنه يريد أن يكون وزير خارجية "مدفوعاً بالسياسات" وقادراً على ترك بصمة واضحة في الملفات التي تتولاها الخارجية البريطانية.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه مكتب الخارجية البريطانية مرحلة انتقالية، إذ أصبح ميليباند عاشر وزير خارجية يتولى المنصب منذ تنحي وليام هيغ عام 2014، كما بدأ مهامه من دون أمين دائم للمكتب بعد إقالة أولي روبنز، بالتزامن مع إضرابات متواصلة بين بعض الموظفين احتجاجاً على خطط لخفض كبير في الوظائف.
ويرى المقربون من ميليباند أن هذه الظروف لا تقلل من طموحه، بل تدفعه إلى محاولة إعادة تحديد دور وزارة الخارجية في صناعة السياسة الخارجية البريطانية، خصوصاً في القضايا الأوروبية والدولية الكبرى.
أوروبا في صدارة أولويات ميليباند
بحسب التقرير، يعتزم ميليباند الانخراط بصورة مباشرة في صياغة مستقبل العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع وزير أوروبا الجديد في الخارجية البريطانية هاميش فالكونر.
ويبدو أن هذا الانخراط سيمنح وزارة الخارجية نفوذاً أكبر في ملف العلاقات الأوروبية، بعدما كانت المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي خلال فترة قيادة كير ستارمر للحكومة تدار بصورة أساسية من مكتب مجلس الوزراء.
ويعتقد ميليباند أن إصلاح العلاقة مع أوروبا يمثل أحد أكبر التحديات الاستراتيجية التي تواجه بريطانيا، ليس فقط من زاوية السياسة الخارجية، وإنما أيضاً بسبب ارتباطه بالأمن القومي والنمو الاقتصادي.
ونقل تقرير "الغارديان" عن أحد المقربين من الوزير أن إقامة علاقة أوثق مع أوروبا تمثل أولوية في السياسة الخارجية البريطانية، بهدف حماية الأمن القومي ودعم الاقتصاد، مشيراً إلى أن ميليباند سيعمل بالتنسيق الوثيق مع مقر رئاسة الحكومة ووزير أوروبا لتحقيق ذلك.
ورغم أن ميليباند يمثل دائرة انتخابية ذات توجهات متشككة في الاتحاد الأوروبي، وأن حكومة حزب العمال لا تزال ملتزمة بالخطوط الحمراء التي تحول دون عودة بريطانيا إلى السوق الأوروبية الموحدة أو الاتحاد الجمركي خلال الدورة البرلمانية الحالية، فإن ذلك لا يمنعه، وفق التقرير، من التفكير في طبيعة العلاقة التي يمكن أن تربط لندن بأوروبا على المدى الأبعد، خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة المقبلة.
ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة في ظل التحولات الأمنية التي تشهدها القارة الأوروبية، والحاجة المتزايدة إلى التعاون في مجالات الدفاع والأمن، وهي ملفات يمكن أن تصبح جزءاً من إعادة صياغة العلاقة بين لندن وبروكسل بعد سنوات من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ميليباند ومهمة إنقاذ مجموعة العشرين
إلى جانب الملف الأوروبي، يسعى ميليباند، وفق "الغارديان"، إلى إعادة إحياء الدور السياسي والاقتصادي لمجموعة العشرين، التي تراجعت فاعليتها وتأثيرها تدريجياً منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
وتستعد بريطانيا لتولي رئاسة مجموعة العشرين العام المقبل، وهو ما يمنح الحكومة فرصة لإعادة طرح ملفات اقتصادية عالمية، في وقت تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية والتحديات المالية التي تواجه الاقتصاد العالمي.
وكان رئيس الوزراء البريطاني السابق غوردون براون قد لعب دوراً مهماً في تنسيق الاستجابة الدولية للأزمة المالية عام 2008، فيما احتفظ بدور المبعوث الخاص للحكومة البريطانية في قضايا التمويل والتعاون العالمي استعداداً لقمة مجموعة العشرين.
ويعمل براون حالياً إلى جانب ميليباند، الذي سبق أن عمل مستشاراً له عندما كان وزيراً للخزانة، في محاولة للاستفادة من خبرته في إدارة الملفات الاقتصادية الدولية.
كما عُيّن اللورد وود، الذي كان مستشاراً للسياسة الخارجية خلال فترة حكومة براون، وزيراً في مجلس اللوردات بوزارة الخارجية، ما يضيف إلى الفريق المحيط بميليباند خبرة في قضايا السياسة الخارجية والتعاون الدولي.
ضريبة عالمية على الثروات
ومن بين الأفكار التي يمكن أن تحضر في الأجندة البريطانية خلال رئاسة مجموعة العشرين، مقترح فرض ضريبة عالمية على الثروات، إلى جانب تعزيز الشفافية بشأن الأصول المالية الموجودة في الخارج ومكافحة التدفقات المالية غير المشروعة.
وكانت فكرة الضريبة العالمية على الثروات قد طُرحت خلال الرئاسة البرازيلية لمجموعة العشرين عام 2024، بناء على دراسة أعدها الاقتصادي الفرنسي غابرييل زوكمان.
وتشير الدراسة، بحسب التقرير، إلى أن أصحاب المليارات يدفعون في المتوسط ضرائب تعادل نحو 0.3% من ثرواتهم، وهي نسبة تقل عن معدلات الضرائب التي يدفعها العمال، في حين ارتفع متوسط ثروة أغنى 0.0001% من سكان العالم بنسبة 7.1% سنوياً في المتوسط بين عامي 1987 و2024.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، ارتفعت حصة أصحاب المليارات من الثروة العالمية من 3% إلى 14% خلال تلك الفترة.
ويرى مؤيدو هذه المقترحات أن مجموعة العشرين يمكن أن توفر إطاراً للتوصل إلى اتفاقات دولية بشأن الضرائب والثروات والتدفقات المالية، في حين تواجه هذه الأفكار تحديات سياسية كبيرة، خصوصاً في ظل اختلاف مصالح الدول الكبرى ومراكز المال العالمية.
وفي المقابل، تواجه بريطانيا نفسها انتقادات مرتبطة بمسألة الشفافية المالية، بسبب الأقاليم البريطانية ما وراء البحار، التي ظلت قضية شائكة في الخطاب البريطاني المتعلق بمكافحة الفساد والتدفقات المالية غير المشروعة.
أزمة المساعدات الخارجية
وتتزامن أجندة مجموعة العشرين مع ضغوط داخلية على الحكومة البريطانية بسبب تراجع الإنفاق على المساعدات الخارجية.
ويشير تقرير "الغارديان" إلى أن وزيرة التنمية الدولية الجديدة كيرستي ماكنيل، وهي مسؤولة سابقة في منظمة "أنقذوا الأطفال"، تواجه مهمة صعبة تتمثل في التعامل مع تداعيات التخفيضات الكبيرة في المساعدات.
وكانت ماكنيل قد قالت في وقت سابق إن بريطانيا لن تستعيد مصداقيتها في مجال المساعدات ما لم تضع مساراً واضحاً للعودة إلى تخصيص 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي لهذا الغرض.
لكن الإنفاق على المساعدات من المتوقع أن يتراجع إلى 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما يشير التقرير إلى أن جزءاً من تمويل سياسة حكومية تتعلق بخفض أجرة الحافلات سيأتي من ميزانية المساعدات.
وفي هذا السياق، يمكن أن توفر رئاسة مجموعة العشرين للحكومة البريطانية مساحة لبناء تحالفات دولية حول قضايا الديون غير العادلة والتدفقات المالية غير المشروعة، وهي ملفات ترتبط بصورة مباشرة بالتنمية ومكافحة الفقر.
غزة.. ملف حساس على طاولة الخارجية البريطانية
وفي ما يتعلق بالحرب في غزة، لا يتوقع، وفق التقرير، أن يتحرك ميليباند بسرعة كبيرة، في ظل عوامل عدة، من بينها الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، إلى جانب ما وصفه التقرير بأنه "بصيص مفاجئ من التقدم" بشأن نزع سلاح حركة حماس.
لكن موقف الوزير من القضية الفلسطينية يعود إلى سنوات سابقة، إذ كان ميليباند، عندما كان زعيماً لحزب العمال عام 2014، قد حث نواب الحزب على التصويت لصالح الاعتراف بدولة فلسطين.
ويواجه حزب العمال ضغوطاً متزايدة من نوابه بشأن ضرورة اتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه إسرائيل والحرب في غزة، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات بشأن مدى اتساق السياسة البريطانية مع القانون الدولي.
وكان رئيس الوزراء آندي بيرنهام قد أقر بأن حزب العمال بحاجة إلى «تحسين أدائه» في ما يتعلق بغزة، فيما طرح احتمال اتخاذ إجراءات مرتبطة بالتجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.
لكن دبلوماسيين في وزارة الخارجية البريطانية أثاروا، بحسب التقرير، تساؤلات حول مدى قابلية تطبيق حظر تجاري على منتجات المستوطنات.
كما يدور نقاش داخل الأوساط الأوروبية حول أفضل السبل لدعم القوى السياسية المعارضة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبيل الانتخابات المقررة في تشرين الأول/أكتوبر، بين من يرى أن فرض عقوبات جديدة يمكن أن يعزز عزلة نتنياهو الدبلوماسية، ومن يخشى أن يستفيد رئيس الوزراء الإسرائيلي من الضغوط الخارجية لتعزيز موقعه السياسي داخلياً.
ضغوط داخل حزب العمال
ويواجه ميليباند أيضاً ضغوطاً من نواب حزب العمال في البرلمان، الذين يطالبون بسياسة أكثر حزماً تجاه إسرائيل.
وبحسب التقرير، وقع 80 نائباً برلمانياً رسالة منسقة من النائب كيم جونسون، دعوا فيها الحكومة إلى فرض عقوبات شاملة على إسرائيل، والاعتراف باستنتاجات لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة التي خلصت إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية.
لكن بيرنهام رد بأن تحديد ما إذا كانت أفعال دولة ما ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية هو أمر يعود إلى المحاكم الدولية.
ويضع هذا الملف ميليباند أمام معادلة سياسية ودبلوماسية معقدة: الحفاظ على صورته التقدمية داخل حزب العمال، وفي الوقت نفسه إدارة العلاقة مع الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب، التي تمثل أحد أهم محددات السياسة الخارجية البريطانية.
معضلة العلاقة مع ترامب
تبدو العلاقة مع الولايات المتحدة واحدة من أصعب الملفات التي ستواجه ميليباند، خصوصاً في ظل التوترات الدولية الحالية وتباين مواقف الجانبين في عدد من القضايا.
ويشير تقرير "الغارديان" إلى أن الحفاظ على قدر من الدعم الأميركي لأوكرانيا ظل، منذ وصول ترامب إلى السلطة، أولوية أساسية في السياسة الخارجية البريطانية، وهو ما فرض على لندن تقديم تنازلات والعمل مع شخصيات جمهورية أميركية مؤيدة لكييف، من بينها السيناتور الراحل ليندسي غراهام.
ومن غير المتوقع أن يتغير هذا النهج على المدى القصير، ما يعني أن وزير الخارجية البريطاني سيضطر إلى الموازنة بين توجهات تقدمية داخل حزبه، ولا سيما بشأن غزة والسياسة الخارجية، وبين ضرورة الحفاظ على علاقة استراتيجية مع واشنطن.
ويزداد تعقيد هذه المعادلة في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي، والحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، والتنافس بين القوى الكبرى، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية للصراعات الدولية.
المناخ.. ملف يتجاوز السياسة الخارجية
وتأتي أزمة المناخ ضمن الملفات التي يريد ميليباند الدفع بها على الساحة الدولية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الحكومات لإيجاد حلول مشتركة لمواجهة تغير المناخ وآثاره الاقتصادية والاجتماعية.
ويحمل ميليباند خبرة طويلة في هذا الملف، وقد سبق أن شغل منصب وزير الطاقة وتغير المناخ، ما يجعله أكثر ارتباطاً بقضايا التحول المناخي والطاقة من كثير من وزراء الخارجية البريطانيين السابقين.
ومن المتوقع أن تتقاطع أجندة المناخ مع ملفات أخرى على طاولة السياسة الخارجية، من بينها تمويل التنمية، وأمن الطاقة، والديون، والاستثمار في الدول النامية.
نحو إعادة تعريف الدور البريطاني
وتظهر الملفات المطروحة أمام ميليباند حجم التحديات التي تواجه بريطانيا في مرحلة تعيد فيها رسم موقعها في العالم بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.
فمن جهة، تريد لندن إعادة بناء علاقة أكثر قرباً مع أوروبا، خصوصاً في مجالات الأمن والدفاع والاقتصاد، ومن جهة أخرى تحتاج إلى الحفاظ على تحالفها التاريخي مع الولايات المتحدة، في وقت تواجه فيه واشنطن نفسها تحولات سياسية كبيرة.
وفي الوقت ذاته، تحاول بريطانيا استعادة دورها في المؤسسات متعددة الأطراف، عبر رئاسة مجموعة العشرين، والدفع باتجاه إصلاحات في النظام المالي العالمي، ومواجهة أزمة المناخ، مع التعامل مع أزمات الحرب في أوكرانيا وغزة وغيرها.
وبحسب ما يخلص إليه تقرير "الغارديان"، فإن نجاح ميليباند في هذه المهمة سيعتمد إلى حد كبير على قدرته على تحقيق توازن دقيق بين طموحاته السياسية ومحددات التحالفات الدولية، ولا سيما العلاقة مع الولايات المتحدة في عهد ترامب.
وفي هذا السياق، لا تبدو وزارة الخارجية البريطانية مجرد منصة لإدارة العلاقات الدبلوماسية اليومية، بل ساحة لاختبار قدرة حكومة حزب العمال على تحديد موقع بريطانيا في عالم يشهد إعادة تشكيل متسارعة، تتداخل فيه الأزمات الأمنية والاقتصادية والمناخية، بينما تتراجع قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على إنتاج توافقات واسعة.
ويبدو أن ميليباند، وفق قراءة "الغارديان"، يريد أن يجعل من منصبه فرصة للمشاركة في صياغة هذا التحول، بدءاً من إعادة بناء الجسر مع أوروبا، مروراً بمحاولة إحياء مجموعة العشرين، وصولاً إلى الملفات الأكثر حساسية، مثل غزة والعلاقة مع واشنطن. لكن حجم الملفات وتشابكها سيجعلان مهمته اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدبلوماسية البريطانية على التحرك بين التزاماتها التاريخية وطموحاتها الجديدة في نظام دولي سريع التغير.
