لا يُعرف معدن القوانين في أوقات السلم، بل في لحظات الضعف، حين يكون الإنسان أعزل، مقيد اليدين، لا يملك إلا حقه في أن يُعامل بكرامة، وفي السجون الإسرائيلية، تحولت قضية الأسرى الفلسطينيين إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل على المستوى الحقوقي، مع تزايد التقارير التي تتحدث عن تدهور أوضاع الاحتجاز، بينما يقف المجتمع الدولي عاجزًا عن فرض احترام القواعد التي وضعها بنفسه.
لقد نصت اتفاقيات جنيف، واتفاقية مناهضة التعذيب، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وقواعد نيلسون مانديلا، على أن المحتجز، أيًا كانت التهمة المنسوبة إليه، لا يفقد إنسانيته ولا حقوقه الأساسية. فهو يستحق الغذاء الكافي، والرعاية الطبية، والحماية من التعذيب والإهانة، وحق التواصل مع عائلته، والمعاملة التي تحفظ كرامته.
إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعدًا في التقارير الحقوقية التي تتحدث عن أوضاع صعبة داخل السجون الإسرائيلية. وفي عام 2026 نشرت وكالة رويترز تقريرًا نقل شهادات لأسرى سابقين ومحامين ومنظمات حقوقية تحدثت عن فقدان كبير في الوزن لدى بعض المحتجزين، واستمرار شكاوى تتعلق بنقص الغذاء، رغم صدور قرار من المحكمة العليا الإسرائيلية سابقًا يقضي بضرورة تحسين الحصص الغذائية. كما أشارت منظمات حقوقية إلى تسجيل عشرات الوفيات في الاحتجاز منذ اندلاع الحرب، ودعت إلى تحقيقات مستقلة في أسبابها، بينما نفت مصلحة السجون الإسرائيلية وجود سياسة ممنهجة لإهمال المحتجزين. (Reuters)
ومنذ تولي إيتمار بن غفير وزارة الأمن القومي، لم يكتفِ بإعلان تشديد ظروف الاحتجاز، بل جعل ذلك جزءًا من برنامجه السياسي. فقد أعلن صراحة أن هدفه هو تقليص ظروف الأسرى إلى الحد الأدنى الذي يسمح به القانون، ودافع عن تقليص الطعام والامتيازات، وصرح بأن السجن “ليس فندقًا”. وقد أثارت هذه التصريحات انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان التي اعتبرت أن الحقوق الأساسية للمحتجزين ليست امتيازات يمكن سحبها، وإنما التزامات قانونية. (Reuters)
ولم يكن أكثر المقترحات غرابة سوى ما عُرف إعلاميًا بـ”خطة التماسيح”. فقد اقترح بن غفير إنشاء خنادق مائية حول أحد السجون وإطلاق تماسيح فيها لمنع أي محاولة هروب. والمثير أن الفكرة لم تبق مجرد تصريح إعلامي؛ إذ اتخذت الحكومة الإسرائيلية في يوليو/تموز 2026 خطوة قانونية لإزالة عقبة تنظيمية كانت تمنع تنفيذ المشروع، قبل أن يثير الأمر موجة واسعة من الاعتراضات القانونية والأخلاقية والبيئية.
ولم يقتصر الرفض على المنظمات الحقوقية، بل شمل جهات إسرائيلية معنية بحماية البيئة والحياة البرية، التي رأت أن المشروع يفتقر إلى أي مبرر مهني أو إنساني. (Times of Israel)
إن أخطر ما في هذه القضية ليس فقط ما يُثار بشأن ظروف الاحتجاز، بل الرسالة التي يبعثها استمرار هذه الاتهامات من دون محاسبةٍ فعّالة. فحين تعجز النصوص القانونية عن حماية الإنسان في أكثر لحظات ضعفه، يفقد القانون جزءًا من هيبته، وتغدو العدالة موضع تساؤل.
هنا يبرز سؤالٌ جوهري: هل كُتبت الاتفاقيات الدولية لتكون درعًا يحمي الكرامة الإنسانية، أم لتغدو زينةً في أرشيف المؤسسات؟
يرى كثير من الحقوقيين أن جوهر المشكلة لم يعد يكمن في نقص الاتفاقيات الدولية، بل في ضعف آليات إنفاذها، وفي الانتقائية التي تشوب تطبيقها في بعض الأحيان، حتى فقدت جانبًا من فاعليتها، وتحولت، في نظر منتقديها، إلى شعاراتٍ تُتلى أكثر مما تُطبَّق.
إن الاتفاقيات الدولية لم تُصغ لتبقى حبرًا على ورق، وإنما وُضعت لتكون ضمانةً حقيقيةً لصون الكرامة الإنسانية. فقيمة أي قانون لا تُقاس ببلاغة نصوصه أو دقة صياغته، بل بقدرته على حماية الإنسان عندما تُنتهك حقوقه، وعلى إرساء العدالة عندما تغيب.
ليست مأساة الأسرى في أن القيود كبّلت أيديهم فحسب، بل في أن العدالة نفسها تبدو مقيدة. فما قيمة المواثيق إذا عجزت عن حماية الإنسان وهو في أضعف حالاته؟ وما جدوى القوانين إذا بقيت عاجزة عن تجاوز حدود الورق ؟
ربما لن يتذكر التاريخ عدد الزنازين ولا سماكة القضبان، لكنه سيتذكر من صان كرامة الإنسان، ومن اكتفى بالمشاهدة. فالحرية قد تُسلب، لكن الحق فيها لا يسقط، والكرامة قد تُجرح، لكنها لا تموت. وسيظل ضمير الإنسانية مطالبًا بالإجابة عن سؤالٍ سيبقى حاضرًا ما بقيت العدالة قيمةً يسعى إليها البشر: هل خُلقت القوانين لتحمي الإنسان، أم لتُرثى كلما عجزت عن حمايته؟
