30.57°القدس
30.33°رام الله
29.42°الخليل
31.71°غزة
30.57° القدس
رام الله30.33°
الخليل29.42°
غزة31.71°
الثلاثاء 11 اغسطس 2026
4.05جنيه إسترليني
4.23دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.46يورو
3دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.05
دينار أردني4.23
جنيه مصري0.06
يورو3.46
دولار أمريكي3

بلغت ما يقارب 1700 جثمان

احتجاز جثامين الشهداء.. سياسة إسرائيلية للعقاب الجماعي بحق الفلسطينيين

مقابر الأرقام
مقابر الأرقام
غزة-فلسطين الآن

على مدار أعوام مضت، شرع الاحتلال الإسرائيلي في احتجاز جثامين شهداء فلسطينيين لاستخدامهم كورقة مساومة في المستقبل في تصرف يكشف عن الوجه القبيح لـ"إسرائيل".

وعكف الاحتلال على حرمان العائلات الفلسطينية من حقها في وداع أبنائها الشهداء ودفنهم في المكان الذي تختاره وفق طقوسها ومعتقداتها، إذ يقوم بسرقة جثامين الشهداء بعد الاستشهاد والاحتفاظ بها لفترات متفاوتة في مقابر الأرقام، أو في ثلاجات الموتى، ومؤخراً في معسكر "سديه تيمان" سيئ الصيت.

وسائل إعلام عبرية، أكدت أنه ذُكر خلال مناقشات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مؤخرا أن عدد الجثامين المحتجزة يقدّر بنحو 1700 جثمان.

حرمان من أبسط الحقوق

وذهب الاحتلال الإسرائيلي إلى أبعد من سرقة جثامين الشهداء واحتجازها حين حرم العائلات من حق التحقق من استشهاد أبنائهم، ومنعهم من رؤية ومعاينة الجثامين، مبرراً هذه السياسة بأنها تشكل أوراق ضغط ومساومة على المقاومة الفلسطينية في أي صفقة تبادل قادمة.

ولكن تلك الجريمة ما هي إلا محاولة للسيطرة على الفلسطيني، حياً وميتاً، ووسيلة لردع الفلسطينيين عن مقاومة الاحتلال.

وتؤكد ظاهر هذه السياسة بأنها وسيلة لمعاقبة عائلات الشهداء، وهي سياسة استعمارية مركّبة تهدف إلى تحطيم النظم الاجتماعية والقيم الحياتية المرتبطة بالمجتمع، وعلاقته مع جثامين الموتى والشهداء، وهي تضاف إلى قائمة السياسات الاستعمارية الأُخرى، مثل سياسات الهدم العقابي والاعتقال الإداري.

وقد شهدت قضية احتجاز جثامين الشهداء تصاعداً كبيراً خلال انتفاضة الأقصى، حين قام جيش الاحتلال باحتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين في مقابر الأرقام، وهي مقابر عسكرية في الأغوار الفلسطينية والنقب ومنطقة الجولان، حيث يتم دفن الجثامين فيها وتحمل يافطات معدنية تُكتب عليها أرقام بدلاً من الأسماء.

ومع اندلاع هبّة القدس في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، اتخذ الاحتلال عدداً من التدابير لمعاقبة الفلسطينيين وردعهم، منها تفعيل سياسة احتجاز الجثامين لدواعي "الأمن والنظام العام"، إذ احتجز خلالها الاحتلال المئات من الجثامين في ثلاجات الموتى وخصوصاً في معهد الطب العدلي "أبو كبير".

الحق في الدفن

يدرك الفلسطينيون أن الاحتلال يسعى من خلال سياساته العقابية إلى السيطرة على جسد الفلسطيني، حياً وميتاً، وضبط كل ما يتصل بوجوده، وضمن ذلك هدم قِيَمِه ومنظومة حياته المتوارثة، والتي تشكل بنية المجتمع وطبيعته وهويته.

ويشكل احتجاز جثامين الشهداء قضية أبعد من حرمان العائلات من حقها في دفن أبنائها، إذ تصل إلى تحديد متى وأين وكيف يتم العزاء، والأثر الاجتماعي المتعلق بشكل الجنازة وطريقة الدفن وطبيعة بيوت الأجر، ما يؤثر بالضرورة في بنية العائلة وعلاقتها مع الفقد، وتعاملها اجتماعياً مع الموت بصورة عامة، والموت المحمّل بروح القداسة كما في حالة الشهداء، وفي هذا تخريب لبنية المجتمع الفلسطيني.

ومن المُسلّم به إنسانياً أن يحظى الميت بالحق في الدفن في تراب وطنه، وهو واجب مضاف في حالة الشهيد، ولذلك ناضل الفلسطينيون، وما زالوا، من أجل هذا الحق.

وتستند المطالبة باستعادة الجثامين وتكريم الشهداء إلى عدة شرائع وقوانين حددت آلية التعامل مع الموتى وإعادة الجثامين.

كما تؤكد اتفاقيات جنيف الأولى لعام 1949 في المادة 17 على أهمية إجراء دفن لائق وكريم، وتنص على أنه ينبغي على أطراف النزاع "ضمان الدفن الكريم للموتى، وإن أمكن وفقاً لطقوس الدين الذي ينتمون إليه، واحترام قبورهم، وتجميعها إن أمكن حسب الجنسية الوطنية، ثم صيانتها وتمييزها بحيث يمكن العثور عليها دائماً.

تصاعد احتجاز الجثامين في الضفة

تصاعدت سياسة احتجاز جثامين الشهداء بشكل كبير منذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

وقد سجلت الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء حتى اللحظة احتجاز جثامين 569 شهيداً، مقسمين على الشهداء المحتجزين في مقابر الأرقام، وهم 256 شهيداً، وهذا الرقم يشير إلى ما استطاعت الحملة توثيقه منذ عام 1967، بالإضافة إلى توثيق احتجاز 313 شهيداً منذ عودة سياسة الاحتجاز عام 2015، ويوجد بينهم 55 شهيداً من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً، و32 شهيداً من الحركة الأسيرة الذين ارتقوا داخل سجون الاحتلال، بالإضافة إلى تسع شهيدات.

يشار أيضا إلى أن الاحتلال يحتجز جثامين 6 شهداء من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والذين ارتقوا خلال عمليات في شمال فلسطين المحتلة.

كما تصاعدت سياسة الاحتجاز في المناطق المحتلة عام 1948، حيث يحتجز الاحتلال جثامين 7 شهداء، آخرهم الشهيد الأسير وليد دقة، بناء على قرار من "مجلس حرب الاحتلال" برفض تسليم الجثامين واحتجازهم لغرض استخدامهم في صفقة التبادل.

وفي هذا تغيير في السياسة، ذلك بأن الاحتلال لم يحتجز سابقاً جثامين الشهداء من مناطق عام 1948، إذ كان يتم تسليمهم خلال أيام ضمن شروط دفن وكفالات مالية بسبب حيازة الشهداء على الجنسية الإسرائيلية، وبالتالي في وقتها لم ينطبق عليهم شروط الاحتجاز كورقة ضغط في أي صفقة تبادل مثلما يحدث مع الشهداء الآخرين.

يشار أيضاً إلى أن 53% من الشهداء الموثقين حالياً منذ عودة سياسة الاحتجاز في عام 2015 هم شهداء ارتقوا منذ بداية الحرب الحالية، إذ يحتجز الاحتلال منذ بداية الحرب جثامين 167 شهيداً من أصل 313 شهيداً محتجزين منذ عام 2016.

احتجاز جثامين شهداء غزة

وفي ظل استمرار حرب الإبادة على قطاع غزة، لا تتوفر معلومات دقيقة بشأن جثامين الشهداء الذين ارتقوا في السابع من أكتوبر أو ممن سُرقت جثامينهم من قطاع غزة خلال الحرب.

ومما تم توثيقه فلسطينياً أنه بتاريخ 18/11/2023، وخلال اقتحام مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة، سرق جيش الاحتلال جثامين 145 شهيداً، جزء منهم من مقبرة أقيمت حديثاً داخل المجمع.

وبتاريخ 6/1/2024، وخلال اقتحام قوات الاحتلال لحي الدرج في غزة، نبشت هذه القوات مقبرة الحي وسرقت جثامين 150 شهيداً، بحسب مكتب الإعلام الحكومي في غزة، الأمر الذي تكرر خلال اقتحام جيش الاحتلال مدينة خان يونس، حيث دمّر مقبرة الحي النمساوي بتاريخ 17/1/2024 وسرق عدداً لم يُعرف من الجثامين.

وكان ادعاء جيش الاحتلال حينها أن الهدف من سرقة الجثامين هو إجراء فحوصات الحمض النووي لها للتأكد من عدم وجود أي من الأسرى الإسرائيليين ضمنها.

وفي تموز/ يوليو 2024 ظهرت بعض المعلومات عن جثامين الشهداء المحتجزين من قطاع غزة، إذ كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية أن الاحتلال الإسرائيلي يحتجز نحو 1500 جثمان لفلسطينيين لم تُعرف هويتهم في حاويات مبردة داخل القاعدة العسكرية المعروفة باسم "سديه تيمان"، وأنه تم تصنيف الجثامين بالأرقام وليس بالأسماء.

وذكرت الصحيفة أن الجثامين وصلت إلى مرحلة معينة من التحلل، وبعضها مفقود الأطراف، والبعض الآخر بلا ملامح، ويرجّح أن الجثامين تعود إلى شهداء ارتقوا خلال الأيام الأولى من الحرب على غزة.

وكانت سلطات الاحتلال قد سلمت جثامين 423 شهيداً مجهول الهوية على عدة دفعات، وتم دفنهم في مقابر جماعية في خان يونس ورفح جنوبي القطاع، الأمر الذي يفتح باب الفقدان لمئات العائلات في قطاع غزة، والتي تنتظر خبراً عن مصير أبنائها.

ويشار إلى أن الإشكالية الأكبر فلسطينياً في هذا الملف هي أن القطاع الصحي في فلسطين لا تتوفر فيه فحوصات الحمض النووي، وبالتالي يجب لاحقاً فتح هذه المقابر بما فيها من أعداد ضخمة، وأخذ عينات من الشهداء ومقارنتها مع عائلات المفقودين لتحديد هويتهم.

وعليه؛ ومع استمرار الحرب المسعورة وغير المنضبطة إنسانياً وأخلاقياً، يوجد آلاف المفقودين، ومَن تم إخفاؤهم قسراً، ما يزيد من تحديات الوصول إلى معرفة مصيرهم مع استمرار الحرب، وخصوصاً مع استمرار آلة القتل ومنع الوصول إلى الشهداء، الأمر الذي يؤدي إلى تحلل الجثامين وفقدان المعالم الدالة على هوية الشهداء.

الجثامين كأوراق مساومة

استخدم الاحتلال جثامين الشهداء كأوراق ضغط تفاوضية مع الفلسطينيين لأول مرة من خلال التماس حول هذه الممارسة قُدم إلى المحكمة العليا في عام 1994، نيابة عن عائلة الشهيد حسن عباس، أحد عناصر كتائب القسام والمحتجز جثمانه لدى الاحتلال. وقد اشترط مكتب المدعي العام في حينها العثور على جثة إيلان سعدون، الجندي الإسرائيلي الذي قتل عام 1989، في مقابل الإفراج عن جثة عباس. وأكد قرار المحكمة في وقتها أن الكشف عن مكان جثة الجندي قبل الإفراج عن جثة عباس شرط معقول إلى حد ما، وأنه اعتبار مشروع.

وكان استخدام جثامين الفلسطينيين كأوراق تفاوضية مثار نقاش قانوني منذ تسعينيات القرن الماضي، إذ شرعنت المحكمة العليا الإسرائيلية هذه السياسة، معتبرة أن استخدامها مشروع ضمن أهداف القانون بناءً على معايير "المعقولية" و"الملاءمة". واستندت إسرائيل في هذه السياسة إلى أنظمة الدفاع (الطوارئ) التي تعود إلى حقبة الانتداب البريطاني، وتم تأويل السياسة بطرق مختلفة عبر السنوات، ما أدى إلى تفسيرات متباينة في المحاكم بشأن شرعية هذه الممارسة.

وكان آخر القرارات التي اتخذتها سلطات الاحتلال في هذه القضية ما صدر في أيلول/ سبتمبر 2019 حين أقرت "المحكمة الإسرائيلية العليا" إمكانية احتجاز الجثامين، واستخدامها للتفاوض في صفقة تبادل محتملة، بناء على المادة 133 من قانون الطوارئ البريطاني، ويسري هذا القرار على الجثامين المدفونة في مقابر الأرقام، ويُسمح بنقل الجثامين المحتجزة في الثلاجات إلى مقابر الأرقام بعد اتباع إجراءات التسجيل والتوثيق كافة.

استرداد الجثامين

ناضلت عائلات الشهداء، بشكل منفرد، منذ بداية استخدام الاحتلال لسياسة احتجاز جثامين الشهداء، لاسترداد أبنائها، ونجحت بعض العائلات في ذلك، كعائلة الشهيد علي طه.

وفي عام 2018 انطلقت الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء والكشف عن مصير المفقودين بمبادرة من مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، واستطاعت تحقيق بعض الإنجازات؛ فقد استطاعت تشكيل مرجع حول الجثامين المحتجزة، وخصوصاً في ظل غياب وثائق رسمية بشأن سياسة الاحتجاز، وغياب آليات توثيق قانوني وحقوقي في وقتها، وبالتحديد لطرحها لهذه القضية المركزية في ظل غيابها عن أجندة العمل الحقوقي والسياسي الرسمي الفلسطيني، وعدم تقديم أي مطالبات بشأن الجثامين في المفاوضات التي تلت اتفاقيات أوسلو، على الرغم من أن قضية الأسرى أخذت حيزاً مهماً من الحديث السياسي.

وقد بدأت الحملة بالعمل القانوني لمحاولة استرداد جثمان الشهيد مشهور العاروري من بلدة عارورة قضاء رام الله بعد عملية التوثيق التي قامت بها، وتمكنت عائلة العاروري من استعادة رفاته من مقابر الأرقام منذ عام 1976 بتاريخ 10 آب/ أغسطس 2010.

كما استطاعت عائلة حافظ أبو زنط من مدينة نابلس استرداد رفات نجلها بتاريخ 9 تشرين الأول/ أكتوبر2011 بعد جهود قانونية.

وفي تموز/ يوليو 2012 سلمت سلطات الاحتلال رفات 91 شهيداً وشهيدة إلى السلطة الفلسطينية ضمن ما عُرف حينها ببوادر حسن النية لاستئناف المفاوضات، وفي الفترة 2013-2014، سلمت جثامين 27 شهيداً وشهيدة كانوا ضمن قرار من المحكمة العليا الاسرائيلية بتسليم 36 جثماناً، لكن الاحتلال تراجع عن التسليم بحجة "الدواعي الأمنية".

ومنذ عودة سياسة الاحتجاز في عام 2015، سلمت سلطات الاحتلال جثامين 262 شهيداً تم احتجازهم في ثلاجات الاحتلال لفترات متفاوتة بين أيام وسنوات، وجزءٌ من هؤلاء الشهداء المحررين كانت تُفرض على ذويهم شروط قاسية، منها الدفن ليلاً، أو دفع كفالات مالية عالية، أو تحديد عدد المشيعين. وقد كانت هذه الشروط تُفرض بشكل أساسي على ذوي الشهداء من مدينة القدس المحتلة ومناطق 48.

وطُرحت قضية تبادل الجثامين كملف أساسي خلال مباحثات صفقة التبادل بين حركة حماس و"إسرائيل" خلال الحرب الإسرائيلية الحالية، إذ شملت المرحلة الثالثة من الأطر المرجعية للصفقة تبادل الجثامين بعد التعرف عليها.

وهذه المرة الأولى التي يُطرح فيها موضوع جثامين الشهداء في صفقة تبادل مع الفلسطينيين، كون المقاومة تحتفظ بجثامين لأسرى إسرائيليين. في حين تم تحرير جثامين 517 شهيداً خلال صفقات تبادل عقدت بين الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله اللبناني وأيضاً الجيش السوري، كان آخرها صفقة التبادل التي عُقدت عام 2008، والتي أُفرج خلالها عن جثامين أكثر من 200 شهيد من الشهداء الفلسطينيين واللبنانيين والعرب الذين كانوا محتجزين في مقابر الأرقام.

وتستمر سياسة احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين في ظل حرب الإبادة الحالية كجزء من العنف الاستعماري المستمر، والذي تصاعد على كل المستويات بهدف فرض السيطرة لا على الأرض والشعب الفلسطيني فحسب، بل على أجساد الفلسطينيين بعد الموت أيضاً. ويظهر احتجاز الجثامين، بهذا الشكل الكبير، والممتد من غزة والضفة ومناطق 48، وصولاً إلى اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، كجزء من استراتيجيا أوسع تهدف إلى الضغط على الفلسطينيين عبر سرقة الجثامين والتنكيل بها واستخدامها كأوراق تفاوض في أي صفقة تبادل قادمة.

 

المصدر: فلسطين الآن