31.05°القدس
30.73°رام الله
29.86°الخليل
33.17°غزة
31.05° القدس
رام الله30.73°
الخليل29.86°
غزة33.17°
الأربعاء 12 اغسطس 2026
4.05جنيه إسترليني
4.23دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.46يورو
3دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.05
دينار أردني4.23
جنيه مصري0.06
يورو3.46
دولار أمريكي3
اسماعيل الريماوي

اسماعيل الريماوي

من الأقرب إلى الوطن… من يسكن الوطن أم من يسكن الوطن فيه؟

سؤال جال في خاطري كثيرا من الأقرب إلى الوطن: فلسطيني يعيش في الخارج، بعيداً عن أرضه، لكنه يحمل وطنه في قلبه، ويشعر بمعاناة شعبه كل يوم، ويدافع عن قضيته في كل المحافل، ويصرخ ويتحدث ويكتب ويحتج من أجل فلسطين، أم فلسطيني يعيش في الداخل، لكنه يتعامل مع الواقع وكأنه يعيش في عالما اخر ، ويتحدث عن فلسطين وكأنها دولة مكتملة السيادة، وكأن الاحتلال أصبح تفصيلاً هامشياً لا يستحق أن يغيّر من حساباته ومواقفه؟

السؤال ليس عن مكان الإقامة، ولا عن جواز السفر، ولا عن القرب او البعد الجغرافي من الأرض، بل عن القرب الحقيقي من الوطن ومعاناة الناس وقضية الشعب، فالوطن ليس مكتباً فخماً، ولا سيارة رسمية، ولا راتباً وامتيازات ومناصب، وليس سلطةً تُمارس على أبناء الشعب بينما يبقى الاحتلال فوق الأرض والقرار.

هناك فلسطيني يعيش آلاف الكيلومترات بعيداً عن وطنه، لكنه يعيش فلسطين في تفاصيل يومه، يتابع أخبار شعبه، يشعر بألم غزة، ويتابع معاناة الضفة، ويدافع عن حقوق الفلسطينيين في كل مكان، ويعتبر قضية وطنه قضية شخصية لا يجوز التخلي عنها لمجرد أنه بعيد عن الأرض.

وفي المقابل، هناك من يعيش داخل فلسطين، لكنه أصبح أسيراً لوهم السلطة والسيادة؛ يتصرف وكأن الاحتلال لم يعد هو المشكلة الأساسية، وكأن الصراع انتهى عند حدود المكتب والراتب والمنصب والامتيازات، او الاختلافات والحسابات السياسية والحزبية ، والأخطر أن يتحول بعض هؤلاء إلى أداة لمهاجمة كل من يرفع صوته دفاعاً عن المقاومة أو الأسرى أو الشهداء أو غزة، بينما هم بعيدون عن معاناة الناس التي يفترض أنهم يمثلونها.

كيف يمكن لمن يجلس في مكتب مكيف، ويتلقى راتبه وامتيازاته، أن يفهم تماماً معاناة الموظف الذي ينتظر نصف راتبه؟ وكيف يشعر بمعاناة العامل الذي يكافح ويغامر بحياته من أجل تأمين قوت عائلته؟ وكيف يمكن لمن يعيش خلف الحواجز الوظيفية والأمنية أن يشعر بما تعيشه القرى الفلسطينية التي تتعرض لاعتداءات المستوطنين ومصادرة الأراضي والاقتلاع والتهديد بصورة شبه يومية؟

الأكثر إيلاماً أن يتحول بعض من يفترض أنهم يمثلون الشعب إلى مراقبين للناس، بدلاً من أن يكونوا في مقدمة المدافعين عنهم؛ فيمنعون التضامن، ويضيّقون على الأصوات التي ترفع قضية غزة، ثم يتحدثون عن غزة ويتاجرون بقضيتها ودماء ابناءها عندما تصبح قضيتها مادة سياسية أو إعلامية، من دون أن يكون لهم موقف حقيقي عندما كان الموقف يحتاج إلى فعل لا إلى كلام.

أما الذين قدموا دماءهم للوطن، وأمضوا زينة أعمارهم في السجون، ودفعوا سنوات من حياتهم ثمناً لفلسطين، فلا يجوز أن يصبحوا هدفاً للتشكيك والإهانة من أولئك الذين لم يدفعوا من أعمارهم شيئاً سوى بعض الكلمات في المكاتب والمنابر.

الوطن لا يُقاس بمكان جلوسك، ولا بعدد النجوم على كتفك، ولا بحجم مكتبك، ولا بنوع سيارتك، ولا بقيمة راتبك، الوطن يُقاس بما تقدمه عندما يحتاجك شعبك، وبموقفك عندما يُظلم الناس، وبقدرتك على أن تقول الحقيقة عندما تكون الحقيقة مكلفة.

ليس كل فلسطيني في الخارج أكثر وطنية، وليس كل فلسطيني في الداخل أقل انتماءً؛ ففي الداخل والخارج أناس شرفاء حملوا فلسطين بصدق، وفي الداخل والخارج أيضاً من جعل القضية وسيلة لمصلحة ومكاسب شخصية، لكن المعيار الحقيقي يجب أن يكون واضحاً: من يضع فلسطين وشعبها فوق مصلحته الشخصية، هو الأقرب إلى الوطن، مهما كان مكانه.

ففلسطين ليست امتيازاً وظيفياً، وليست راتباً ولا منصباً ولا سلطة على الناس، فلسطين هي الأرض التي تُصادر، والقرية التي تُهاجم، والأسير الذي يفقد سنوات عمره، والعامل الذي يكافح، والموظف الذي ينتظر راتبه، والطفل الذي يعيش تحت الخوف، وغزة التي تنزف، واللاجئ الذي يحمل مفتاح بيته، والمغترب الذي يعيش بعيداً لكنه لم يسمح للوطن أن يغيب عن قلبه.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: أين تعيش؟ بل: لمن تعيش؟

فقد يكون الإنسان بعيداً عن فلسطين، لكنه أقرب إليها من كثيرين يعيشون فوق أرضها، وقد يكون الإنسان داخل الوطن، لكنه أبعد ما يكون عن قضيته عندما تتحول السلطة إلى غاية، والمصلحة الشخصية إلى معيار، ومهاجمة أبناء الشعب إلى وظيفة.

الوطن ليس مكاناً فقط… بل الوطن هو موقف.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن