26.77°القدس
26.57°رام الله
25.76°الخليل
31.86°غزة
26.77° القدس
رام الله26.57°
الخليل25.76°
غزة31.86°
الجمعة 14 اغسطس 2026
4جنيه إسترليني
4.18دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.42يورو
2.96دولار أمريكي
جنيه إسترليني4
دينار أردني4.18
جنيه مصري0.06
يورو3.42
دولار أمريكي2.96
اسماعيل الريماوي

اسماعيل الريماوي

التهجير الصامت في الضفة.. سلطة غائبة واستيطان لا ينتظر

لم تعد اعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية مجرد هجمات أو أعمال عنف منفصلة، بل بدأت تأخذ شكلًا أكثر خطورة وتنظيمًا، يتحول فيه الحصار إلى أداة للضغط والاقتلاع، والمنزل الفلسطيني إلى هدف مباشر في معركة السيطرة على الأرض ،  وما جرى في قصرة وجالود يقدم نموذجًا واضحًا لهذا التحول؛ فالمطلوب لم يعد فقط الاعتداء على الفلسطيني أو تخويفه، وإنما دفعه تدريجيًا إلى مغادرة منزله وأرضه، ثم تحويل غيابه إلى واقع استيطاني دائم ، وهو نموذج إذا نجحت سيتم تعميمه على مناطق أخرى.

في جالود، وصلت الضغوط على عائلة المواطن محمود الطوباسي ، إلى مرحلة انتهت بإخلاء المنزل بعد أشهر من الحصار والاعتداءات ، وفي قصرة يتكرر السيناريو مع عائلة يوسف أبو ريدة في منطقة رأس العين، حيث أُغلقت الطرق المؤدية إلى المنزل، وقُطعت المياه والكهرباء، وأقيمت مظاهر استيطانية حول المكان، بما يجعل الحياة اليومية للعائلة أشبه بإقامة قسرية داخل حصار مفتوح.، هنا تكمن خطورة المشهد؛ فحين يُحاصر المنزل ويُمنع الوصول إليه وتُقطع عنه مقومات الحياة، فإن الهدف يتجاوز الترهيب إلى صناعة ظروف تجعل الرحيل نتيجة متوقعة.

هذه السياسة، إذا ما استمرت واتسعت، تعني انتقال المشروع الاستيطاني إلى مرحلة جديدة في الضفة الغربية ، فبدل أن تكون السيطرة على الأرض نتيجة مباشرة لإقامة مستوطنة أو بؤرة استيطانية، تصبح عملية السيطرة أكثر تدرجًا: يبدأ الأمر باعتداءات، ثم إغلاق طرق، ثم التضييق على أصحاب الأرض، ثم حصار المنازل، وصولًا إلى خروج السكان، وبعد ذلك تتحول الأرض إلى مساحة مفتوحة أمام التوسع الاستيطاني، إنها عملية تغيير ديموغرافي وجغرافي بطيئة، لكنها شديدة الفاعلية.

والأخطر سياسيًا أن هذه الوقائع لا تحدث في فراغ أمني، فبحسب ما تشير إليه التقارير الفلسطينية، هناك تزامن بين تحركات المستوطنين والإجراءات التي يتخذها جيش الاحتلال في المنطقة، بما في ذلك إعلان مناطق عسكرية مغلقة ومحاولات محدودة لإخلاء بعض البؤر المستحدثة ، وإذا كان الاحتلال يعلن أحيانًا أنه يحاول إخلاء بؤرة أو منع اعتداء، فإن السؤال السياسي الحقيقي هو: لماذا تستمر البؤر بالظهور أصلًا؟ ولماذا يستطيع المستوطنون فرض حصار على منزل فلسطيني لأشهر؟ ومن يحمي الطرق التي تُغلق، والمياه والكهرباء التي تُقطع، والأراضي التي يجري الاستيلاء عليها بالأمر الواقع؟

إن الحديث عن المستوطنين باعتبارهم مجرد مجموعات خارجة عن القانون لا يكفي لتفسير ما يحدث ، فالاستيطان في الضفة الغربية ليس ظاهرة اجتماعية منفصلة عن منظومة الاحتلال، بل يرتبط بصورة مباشرة بموازين القوة التي يفرضها الجيش والسلطات الإسرائيلية على الأرض ، ولذلك فإن أي تحليل سياسي جاد لما يحدث في قصرة وجالود يجب أن ينظر إلى العلاقة بين المستوطن والجيش والمؤسسات الإسرائيلية باعتبارها جزءًا من منظومة واحدة، حتى عندما تظهر بينها خلافات تكتيكية أو صدامات محدودة.

والهدف الأبعد من هذه الممارسات لا يبدو محصورًا في السيطرة على منزل هنا أو قطعة أرض هناك ، فكل منزل يُخلى، وكل عائلة تُجبر على الرحيل، وكل طريق يُغلق، وكل بؤرة استيطانية جديدة تُفرض على الأرض، يساهم في إعادة رسم الخريطة الجغرافية للضفة الغربية ، ومع مرور الوقت تتحول المناطق الفلسطينية إلى جزر منفصلة تحاصرها المستوطنات والبؤر والطرق الاستيطانية والمناطق العسكرية، ويصبح التواصل بين القرى والبلدات أكثر صعوبة، بينما تتوسع السيطرة الإسرائيلية على الأرض تدريجيًا.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الاحتلال يستطيع أن يتحدث عن الأمن والنظام والقانون، بينما يعيش الفلسطيني في منزله تحت الحصار، ويضطر إلى تنظيم حياته وفق نظام مناوبات لحماية بيته وأرضه ، عائلة فلسطينية تحرس منزلها ليلًا ونهارًا خوفًا من الاستيلاء عليه ليست في وضع طبيعي؛ إنها عائلة تواجه مشروعًا يسعى إلى تحويل وجودها ذاته إلى مشكلة يجب التخلص منها.

إن صمود عائلات قصرة وجالود لا يمثل دفاعًا عن جدران وممتلكات فحسب ، بل يمثل دفاعًا عن الوجود الفلسطيني في منطقة تتعرض لمحاولات متواصلة لإعادة تشكيلها، ولهذا فإن ترك هذه العائلات وحدها أمام الحصار يعني السماح بتحويل التهجير التدريجي إلى سياسة ناجحة قابلة للتكرار في قرى أخرى.

ما يجري في جنوب نابلس يستحق أن يُقرأ باعتباره إنذارًا سياسيًا لا حادثًا أمنيًا عابرًا، فحين يصبح حصار المنزل وسيلة لإجبار أصحابه على الرحيل، فإن القضية لم تعد قضية مستوطن اعتدى على فلسطيني، وإنما قضية مشروع يسعى إلى تغيير الواقع السكاني والجغرافي بالقوة، وإذا لم تتوقف هذه السياسة، فإن السؤال لن يكون بعد سنوات: أين توسعت المستوطنات؟ بل: كم عائلة فلسطينية أُجبرت على ترك منزلها حتى تتسع رقعة الاستيطان؟

إن معركة قصرة وجالود ليست معركة على منزلين، بل معركة على مفهوم الوجود نفسه،  فالمستوطن يريد الأرض بلا أهلها، بينما يتمسك الفلسطيني بحقه في أن يعيش في منزله دون أن يتحول بقاؤه إلى فعل مقاومة بحد ذاته،  وبين هذين المشروعين تتحدد معركة الضفة الغربية المقبلة: إما وقف سياسة فرض الأمر الواقع والتهجير، وإما أن يتحول الحصار من استثناء إلى قاعدة، ومن جريمة موضعية إلى منهج دائم لإعادة رسم فلسطين على الأرض.

وفي خضم هذا المشهد، تبرز مسؤولية السلطة التي تبدو، في نظر كثير من الفلسطينيين، منشغلة أكثر بترتيب انتخابات جاهزة ومعدة مسبقًا وفق مقاس سياسي محدد ، بينما تتعرض القرى الفلسطينية في الضفة الغربية لسياسة حصار واعتداء وتهجير تتسع يومًا بعد يوم ، فبينما تحاصر قوات الاحتلال والمستوطنون منازل الفلسطينيين، وتُقطع عن عائلات المياه والكهرباء وتُغلق الطرق أمامها، يبدو أن الأولويات الرسمية تسير في اتجاه آخر، وكأن ما يجري في قصرة وجالود وسواهما لا يقع ضمن دائرة الاهتمام السياسي للسلطة.

المشكلة ليست في إجراء الانتخابات من حيث المبدأ، فالانتخابات حق فلسطيني وأداة أساسية لتجديد الشرعيات ان كان هدفها ذلك ، وإنما في أن تتحول الانتخابات إلى عنوان رئيسي بينما تتراجع حماية الأرض والناس إلى الهامش، فما قيمة أي عملية انتخابية إذا كان المواطن الذي يفترض أن يشارك فيها مهددًا بفقدان منزله وأرضه، وإذا كانت قرى بأكملها تواجه خطر التهجير والاستيطان؟ إن الشرعية لا تُبنى بصناديق الاقتراع وحدها، وإنما تبدأ من الدفاع عن المواطن وصون كرامته وحقوقه وحماية أرضه.

إن السلطة مطالبة بأن تثبت أن وجودها ليس مرتبطًا بإدارة الشأن الإداري والانتخابي او توزيع النفوذ والمصالح  والامتيازات فقط، بل بقدرتها على مواجهة الخطر الذي يهدد المجتمع الفلسطيني في عقر داره ، أما استمرار الصمت أو الاكتفاء بالبيانات، بينما تتسع رقعة الاستيطان ويُحاصر الفلسطيني في منزله، فإنه يعمق شعورًا متزايدًا بأن السلطة أصبحت منفصلة عن الواقع الذي يعيشه الناس، وأن الانتخابات تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج المشهد السياسي بدل أن تكون مدخلًا لتجديد الشرعية ومواجهة التحديات الوطنية.

فالقرى الفلسطينية لا تحتاج اليوم إلى انتخابات مصممة على مقاس قوى سياسية محددة،  بقدر حاجتها إلى قيادة تشعر بمعاناتها، تقف إلى جانب أهلها، وتحول قضية الأرض والتهجير إلى أولوية وطنية لا يمكن تأجيلها ، وإذا كانت السلطة عاجزة عن حماية الناس من الاستيطان، أو حتى عن جعل معاناتهم في صدارة خطابها وأولوياتها، فمن حق المواطن أن يسأل: لمن تُجرى الانتخابات، ومن أجل أي فلسطين، إذا كان الفلسطيني نفسه يُدفع إلى خارج أرضه بينما تنشغل قيادته بتقاسم المشهد السياسي؟

المصدر / المصدر: فلسطين الآن