29.45°القدس
29.21°رام الله
28.06°الخليل
32.74°غزة
29.45° القدس
رام الله29.21°
الخليل28.06°
غزة32.74°
السبت 15 اغسطس 2026
4جنيه إسترليني
4.17دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.42يورو
2.96دولار أمريكي
جنيه إسترليني4
دينار أردني4.17
جنيه مصري0.06
يورو3.42
دولار أمريكي2.96
محمود الحنفي

محمود الحنفي

العدالة قبل أن يأتي زمنها: ماذا يستطيع الفلسطينيون أن يفعلوا الآن؟

جاءت فكرة هذا المقال من سؤال أثاره لديّ النقاش المتصاعد حول العدالة الانتقالية في سوريا، وإصرار الدولة على المضي في هذا المسار لمعالجة إرث سنوات طويلة من الصراع والانتهاكات. عندها سألت نفسي: هل يمكن الحديث عن عدالة انتقالية في فلسطين أيضاً؟ وهل تصلح الأدوات التي طُبقت في مجتمعات خرجت من الحروب أو الأنظمة الاستبدادية لحالة شعب ما زال يعيش تحت الاحتلال؟

قادني هذا السؤال إلى إشكالية أعمق، فقد قامت مقاربات سياسية عديدة خلال العقود الماضية على افتراض إمكانية إدارة الاحتلال والتعايش معه مرحلياً، وكأنه نزاع سياسي أو عقاري تقليدي يمكن احتواؤه بالتفاوض والتسويات الجزئية. لكن كثيراً من هذه المقاربات أخفقت لأنها لم تمنح الوزن الكافي لطبيعة الاحتلال والاستيطان والتهجير المستمر، ولا لاختلال موازين القوى والواقع القانوني والسياسي الذي يميز الحالة الفلسطينية. فالاحتلال هنا ليس مجرد خلاف على حدود أو ملكية، بل واقع ممتد أنتج منظومة متراكمة من الانتهاكات طالت الأرض والإنسان والمُلكية والهوية والذاكرة.

من هنا بدا لي أن اختبار مفهوم العدالة الانتقالية على الحالة الفلسطينية يستحق النقاش. فهذا المفهوم، في الفكر القانوني والسياسي المعاصر، يقوم على أربعة أركان مترابطة: كشف الحقيقة، والملاحقة القضائية، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات وضمان عدم التكرار. غير أن تطبيق هذه الأركان على فلسطين يثير مفارقة أساسية: كيف يمكن بناء عدالة انتقالية بينما لم يحدث الانتقال بعد، وما زالت الانتهاكات التي يُفترض معالجة آثارها مستمرة؟ وهل يمكن الاستفادة من هذا المفهوم من دون الوقوع مجدداً في خطأ استنساخ تجارب دولية لم تُصمم أصلاً لواقع استعماري استيطاني ممتد؟كيف يمكن بناء عدالة انتقالية بينما لم يحدث الانتقال بعد، وما زالت الانتهاكات التي يُفترض معالجة آثارها مستمرة؟ وهل يمكن الاستفادة من هذا المفهوم من دون الوقوع مجدداً في خطأ استنساخ تجارب دولية لم تُصمم أصلاً لواقع استعماري استيطاني ممتد؟

قراءة في التجارب الدولية بين النجاح ومساحات القصور

تُعد لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا إحدى أشهر أدوات الانتقال الشامل، حيث اعتمدت معادلة العفو مقابل الاعتراف بالحقيقة لتجنب حرب أهلية دموية. نجحت جنوب أفريقيا في إرساء نظام ديمقراطي قائم على المساواة السياسية وتعديل الدستور، لكنها واجهت انتقادات واسعة لإغفالها العدالة الاقتصادية؛ إذ ظلت موازين الثروة والأرض بيد الأقلية التي مارست الاضطهاد، مما جعل جبر الضرر مجزّأً.

وفي رواندا، شُكّل نموذج يجمع بين القضاء الدولي والمحاكم المحلية التراثية لملاحقة المتورطين في الإبادة الجماعية لعام 1994، وأثبت المسار نجاحاً في بناء مؤسسات الدولة والسيطرة على رغبات الانتقام، لكنه ظل محصوراً في إطار معالجة اقتتال داخلي بين أبناء الوطن الواحد.

 أما في أمريكا اللاتينية، كما في الأرجنتين وتشيلي، فقد تركزت الجهود على تفكيك دكتاتوريات العسكر وتطهير الأجهزة الأمنية والقضائية من المتورطين بالانتهاكات، ونجحت تلك النماذج لأن المحاسبة استهدفت نظاماً سياسياً تداعى واختفى، مما أتاح فرصة بناء مؤسسات جديدة.

استثنائية الحالة الفلسطينية وتداعي القوالب التقليدية

تفرض الحالة الفلسطينية استثنائية قانونية وسياسية تتجاوز النماذج السابقة برمتها. فالعدالة الانتقالية تفترض وجود مرحلة بعدية جرى فيها إيقاف الانتهاكات وبدء التقييم والترميم، بينما تشكل النكبة الفلسطينية صيرورة مستمرة تتجسد في الاستيطان، التهجير القسري، التطهير العرقي، والحصار الممتد. كما أن النزاعات المشمولة بالعدالة الانتقالية التقليدية تفترض محكومية أطراف الصراع بالعيش السلمي في جغرافيا واحدة، في حين يقوم الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في فلسطين على نفي الآخر ومحوه من الجغرافيا والذاكرة. يضاف إلى ذلك الخلل الهيكلي في توازن القوى العالمي، وتوفر الحصانة المطلقة لقوة الاحتلال، مما يُفرغ آليات المساءلة والجنائية الدولية من مضمونها ويحول المبادئ المدوّنة إلى مجرد نصوص رمزية.

التوثيق أولاً: من حفظ الحقوق إلى العودة والتعويض

لا يمكن اختزال العدالة في فلسطين في تسويات سياسية أو حزم إغاثية مؤقتة دون معالجة أصل الجريمة وآثارها الممتدة. ويأتي في صميم جبر الضرر حق اللاجئين والمهجرين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم الأصلية، وفقاً للقانون الدولي والقرارات الدولية ذات الصلة ومبادئ رد الممتلكات. فالعودة ليست مجرد مطلب سياسي أو إنساني، بل وسيلة أساسية لمعالجة الآثار المستمرة للتهجير القسري واستعادة الحقوق التي حُرم منها أصحابها. ولا يكتمل جبر الضرر بالعودة وحدها، وإنما يقترن برد الممتلكات والتعويض المادي والمعنوي عن عقود من الحرمان ومصادرة الأراضي وتدمير الممتلكات والبنى التحتية وتعطيل التنمية، إلى جانب الاعتراف بالانتهاكات وجبر الضرر النفسي والرمزي الذي لحق بملايين الفلسطينيين.

غير أن المطالبة بهذه الحقوق تحتاج إلى بنية قانونية وإثباتية تحميها وتحولها من مطالب عامة إلى ملفات قابلة للتقاضي والمساءلة. ومن هنا تبرز أهمية التوثيق الشامل للجرائم والانتهاكات، وحصر الممتلكات المصادرة والمدمرة، وتقدير الخسائر الفردية والجماعية والمادية والمعنوية المتراكمة عبر العقود. فالتوثيق ليس مجرد حفظ للذاكرة، بل أحد أدوات المواجهة القانونية، لأنه يؤسس لإثبات الضرر وتحديد الضحايا والمسؤوليات، ويساعد مستقبلاً في تحديد أشكال الرد والتعويض المناسبة لكل فئة من المتضررين.

ويقتضي ذلك الانتقال من الجهود المتفرقة إلى إطار وطني مؤسسي متخصص، يمتلك قاعدة بيانات موحدة ومنهجيات قانونية وفنية واضحة لجمع الأدلة وحفظها وتصنيفها، وتوثيق الملكيات والخسائر، والاستفادة من السجلات العقارية والوثائق التاريخية والشهادات والصور والخرائط وغيرها من وسائل الإثبات. كما ينبغي أن تكون هذه الملفات معدة منذ البداية وفق معايير تسمح باستخدامها أمام المحاكم والآليات الدولية والوطنية ذات الاختصاص، بدلاً من إعادة بناء الأدلة في كل مرة تبدأ فيها إجراءات قانونية جديدة.

بهذا المعنى، يصبح التوثيق وحصر الخسائر جزءاً عضوياً من مشروع العدالة نفسه: فحق بلا دليل يصعب إنفاذه، وتعويض بلا حصر دقيق للضرر قد يتحول إلى تسوية تقديرية، وعودة بلا توثيق للملكية والتهجير قد تواجه عقبات قانونية وعملية هائلة. لذلك فإن بناء سجل وطني فلسطيني متكامل للضحايا والممتلكات والخسائر والانتهاكات ليس عملاً مؤجلاً إلى ما بعد انتهاء الاحتلال، بل مهمة ينبغي إنجازها منذ الآن، باعتبارها استثماراً قانونياً طويل الأمد في حماية الحقوق ومنع ضياعها أو إخضاعها للمساومات السياسية.

إزالة الاحتلال كشرط وجوبي للمساءلة وعدم التكرار

يتطلب كشف الحقيقة الاعتراف الرسمي والعلني بالمظلمة التاريخية، فتح جميع الأرشيفات المغلقة، وإنهاء سياسات التزييف التاريخي والمحو الجغرافي. كما أن تفعيل الاختصاص القضائي الدولي لملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة يظل شرطاً أساسياً لمنع الإفلات من العقاب. أما الضمان الحقيقي لعدم التكرار، فلا يتحقق إلا بالإزالة الكلية والشاملة للاحتلال، وتفكيك كافة القوانين والتشريعات والسياسات القائمة على الفصل العنصري والتفرقة العرقية. فلا يمكن بناء أي مسار عدالة في ظل وجود نظام احتلال استيطاني قائم على القهر العسكري، إذ تُعد إزالة الاحتلال المدخل الأولي والشرط الوجوبي لقيام واقع حقوقي قائم على المساواة وحق الشعب الفلسطيني الحصري في تقرير مصيره.

لا تكفي المصالحة الرمزية أو التعويضات الجزئية، بل ينبغي أن يقوم أي تصور جدي للعدالة على إنهاء الاحتلال، وضمان حق العودة ورد الممتلكات، وجبر الضرر المادي والمعنوي، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، وبناء ضمانات حقيقية لعدم تكرارها

قد يبدو الحديث عن العدالة الانتقالية في فلسطين، في ظل استمرار الاحتلال واتساع الانتهاكات واختلال موازين القوى، خياراً بعيد المنال أو نوعاً من الترف الفكري والقانوني، فالعدالة الانتقالية في تجارب الشعوب الأخرى بدأت غالباً عندما توقفت الانتهاكات أو انهارت الأنظمة المسؤولة عنها، بينما يواجه الفلسطينيون واقعاً مختلفاً، حيث لم تنتهِ أسباب المظلمة التاريخية، ولم تبدأ بعد مرحلة ما بعد الاحتلال التي يمكن أن تُبنى عليها عملية انتقال حقيقية. لكن بُعد العدالة لا يعني التخلي عنها، كما أن تعثر المساءلة اليوم لا يسقط الحقوق غداً.

وهنا تكتسب عملية التوثيق وحفظ الأدلة وحصر الخسائر وتسجيل الملكيات وتحديد الضحايا والمسؤوليات أهمية تتجاوز العمل التقني؛ فهي تحفظ الذاكرة من المحو، وتحول الحقوق من سردية تاريخية إلى ملفات قانونية قابلة للإثبات والمطالبة والمساءلة. ولذلك فإن بناء سجل وطني فلسطيني متكامل للانتهاكات والأضرار والممتلكات، والاستمرار في طرق أبواب القضاء الإقليمي والدولي، يمثلان جزءاً من صناعة شروط العدالة المستقبلية منذ الآن.

لقد أظهرت تجارب جنوب أفريقيا ورواندا وأمريكا اللاتينية أن مسارات العدالة لا تأتي مكتملة ولا تخلو من القصور، لكنها تؤكد أيضاً أن المجتمعات التي تعرضت للانتهاكات تستطيع أن تعود إلى ملفات الماضي حتى بعد مرور سنوات طويلة. وفي فلسطين، ستكون المهمة أكثر تعقيداً لأنها تتصل باحتلال واستيطان وتهجير ممتد عبر أجيال، ولذلك لا تكفي المصالحة الرمزية أو التعويضات الجزئية، بل ينبغي أن يقوم أي تصور جدي للعدالة على إنهاء الاحتلال، وضمان حق العودة ورد الممتلكات، وجبر الضرر المادي والمعنوي، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، وبناء ضمانات حقيقية لعدم تكرارها.

قد يكون هذا الطريق طويلاً، وقد يبدو في لحظة سياسية معينة أقرب إلى الأمل منه إلى الإمكان، لكن الأمل هنا ليس بديلاً عن القانون ولا انتظاراً سلبياً للعدالة. إنه أمل مرتبط بالتوثيق، وحفظ الأدلة، والإصرار على المحاسبة، ورفض تحويل الزمن أو موازين القوى إلى وسيلة لإسقاط الحقوق. فالعدالة الناجزة قد تتأخر، لكن الطريق إليها يبدأ قبل تحققها، حين يقرر الضحايا ألا تُمحى ذاكرتهم، وألا تضيع أدلتهم، وألا تتحول حقوقهم إلى مادة للمساومة أو النسيان.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن