تسعى السعودية وتركيا وباكستان إلى بلورة إطار إقليمي جديد يتجاوز التعاون العسكري إلى تنسيق سياسي أوسع، بما يسمح للدول المشاركة بصياغة أجندة مشتركة بشأن ملفات المنطقة. غير أن غياب مصر، التي تبدو المرشح الأبرز للانضمام، يكشف عن خلافات وحسابات معقدة قد تحد من قدرة التكتل الجديد على التحول إلى تحالف استراتيجي متكامل.
وبحسب تحليل للكاتب تسفي برئيل نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية الجمعة، فإن الباب يبدو مفتوحا أمام دول أخرى للانضمام إلى التكتل، إلا أن تردد القاهرة يطرح تساؤلات حول طبيعة المشروع وحدوده، وما إذا كانت السعودية وتركيا ومصر تنظر إلى أولويات المنطقة بالطريقة نفسها.
وتزامن ذلك مع زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى مصر، الخميس الماضي، وسط توقعات بأن تتضمن المحادثات محاولة لإقناع القاهرة بالانضمام إلى الترتيب الإقليمي الجديد.
لكن برئيل نقل عن مصادر مختلفة أن القاهرة لا تزال متحفظة تجاه الفكرة، في وقت برزت فيه تقارير عن وجود تحفظ سعودي على منح مصر دورا داخل التحالف.
وأشار الكاتب إلى تقرير نشره موقع "ميدل إيست آي"، زعم أن الرياض رفضت مقترحا تركيا لتوجيه دعوة إلى القاهرة، بحجة أن مصر لم تعد تتمتع بالأهمية الاستراتيجية التي كانت تحظى بها سابقا، فضلا عن محدودية مشاركتها في الحرب التي قادتها السعودية ضد جماعة الحوثي في اليمن، وتبنيها مواقف تتقاطع مع الإمارات، ولا سيما في الملف اليمني.
لكن دبلوماسيا مصريا سابقا قال لـ"هآرتس" إن القاهرة نفسها قد لا تكون راغبة في الانضمام إلى تحالف يمكن أن يجرها إلى صراعات إقليمية لا ترتبط مباشرة بمصالحها.
وأوضح الدبلوماسي أن السعودية تمثل حليفا استراتيجيا مهما لمصر، وأن القاهرة تقدر الدعم الذي قدمته الرياض لها، لكنه تساءل عن جدوى الانضمام إلى تحالف يضم تركيا وباكستان، لكل منهما نزاعات ومصالح خاصة قد تفرض على مصر الدخول في مواجهات لا تخصها.
وضرب مثالا باحتمال تعرض باكستان لهجوم من الهند، متسائلا عما إذا كانت مصر ستكون مطالبة بالدفاع عنها، وكذلك في حال تعرضت تركيا لمواجهة عسكرية مع إسرائيل بسبب ملفات مرتبطة بسوريا، في ظل ارتباط القاهرة بمعاهدة سلام مع إسرائيل.
اليمن والبحر الأحمر.. حسابات مصرية مختلفة
ولا تقتصر تحفظات القاهرة على طبيعة التحالف الجديد، بل تمتد إلى ملفات إقليمية قائمة بالفعل.
ففي الحرب ضد الحوثيين، التي بدأت عام 2015، لم تظهر مصر حماسا كبيرا للمشاركة العسكرية المباشرة إلى جانب السعودية. ورغم انضمام القاهرة إلى التحالف الذي شكلته الرياض في تموز/يوليو بهدف حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر، فإنها لم تستكمل رسميا إجراءات المصادقة على عضويتها، مبررة ذلك باعتبارات قانونية، وفقا لما أورده برئيل.
ويرى الكاتب أن الاستياء السعودي من محدودية الدور المصري في الحرب على الحوثيين مفهوم من وجهة نظر الرياض، خصوصا أن السعودية كانت تتوقع من حليفها المصري دعما أكبر في ملفات الأمن الإقليمي.
وتظهر التباينات كذلك في ليبيا، حيث دعمت القاهرة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، في موقف تقاطع مع الإمارات، بينما كانت تركيا وقطر تدعمان الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس.
كما نقلت "هآرتس" عن مصادر إسرائيلية أن مصر تتبنى موقفا مشابها للموقف الإسرائيلي الرافض لمشاركة قوات تركية في قوة متعددة الجنسيات محتملة في قطاع غزة.
خلافات القاهرة وأنقرة لم تختف
ورغم عودة العلاقات المصرية التركية إلى مسارها الطبيعي خلال السنوات الأخيرة، فإن إرث الخلاف بين البلدين لا يزال حاضرا في حسابات القاهرة.
واستؤنفت العلاقات بين مصر وتركيا عام 2023 بعد قطيعة استمرت نحو عقد، بدأت عقب الإطاحة بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي في عام 2013.
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أبرز المنتقدين لرئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، كما رفض الاعتراف بشرعية نظامه، في حين استضافت تركيا شخصيات وقيادات من جماعة الإخوان المسلمين، ما جعل أنقرة في نظر القاهرة طرفا معاديا خلال سنوات طويلة.
لكن الضغوط الاقتصادية التي واجهتها مصر دفعت السيسي تدريجيا إلى إعادة فتح قنوات التواصل مع أردوغان، بالتزامن مع تشجيع تركيا شركاتها على زيادة استثماراتها في مصر وتوسيع العلاقات التجارية بين البلدين.
ورغم التحسن الرسمي، يشير برئيل إلى أن الشكوك المتبادلة لم تختف، بما في ذلك استمرار مخاوف مصر من مواقف أردوغان تجاه جماعة الإخوان المسلمين، فضلا عن وجود اختلافات بشأن القيادة السورية الجديدة.
غزة تزيد التباعد بين القاهرة وأنقرة
ويضاف إلى ذلك ملف غزة، إذ تبدو القاهرة غير مرتاحة لتنامي الدور التركي في الوساطة المتعلقة بالقطاع، ولا سيما بعد تبني الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأنقرة بوصفها وسيطا رئيسيا في هذا الملف.
ويربط الكاتب ذلك بعلاقات تركيا مع حركة حماس، مشيرا إلى أن مصادر إسرائيلية ترى أن القاهرة تشارك تل أبيب تحفظاتها على مشاركة قوات تركية ضمن أي قوة دولية قد تنتشر في غزة.
وهذا الملف يسلط الضوء على اختلاف الأولويات بين مصر وتركيا، رغم مساعي البلدين خلال السنوات الأخيرة لتطبيع العلاقات وإعادة بناء التعاون الاقتصادي والسياسي.
ولا تبدو العلاقة بين القاهرة والرياض بمنأى عن الخلافات، رغم تكرار الحديث الرسمي عن "التحالف الأخوي" و"الشراكة الاستراتيجية".
ويشير برئيل إلى أن السعودية قدمت دعما ماليا كبيرا لنظام السيسي منذ أحداث ما بعد الربيع العربي، تقدر قيمته بنحو 30 مليار دولار، وكانت تأمل في المقابل أن يضمن اعتماد مصر الاقتصادي عليها وجود حليف موثوق في مشاريعها السياسية والأمنية.
لكن العلاقة دخلت مرحلة أكثر تعقيدا بعد إعلان الرياض عام 2023 التخلي عن سياسة المساعدات غير المشروطة.
وخلال منتدى دافوس، أعلن وزير الاقتصاد السعودي أن بلاده لن تقدم بعد ذلك أموالا بلا شروط، وأن المساعدات والاستثمارات ستترافق مع إصلاحات اقتصادية، بالتنسيق مع المؤسسات المالية الدولية.
وأدركت القاهرة، التي كانت تتفاوض في الوقت ذاته مع صندوق النقد الدولي، أن الدعم السعودي لن يكون مفتوحا كما كان سابقا، وأن الاستثمارات الخليجية ستتطلب إصلاحات اقتصادية قد تصطدم بمصالح مؤسسات داخل الدولة المصرية، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، بحسب التحليل.
انتقادات سعودية حادة ورد مصري غاضب
وبعد فترة وجيزة من منتدى دافوس، نشر كاتبان سعوديان مقربان من دوائر ولي العهد محمد بن سلمان، هما تركي الحمد وخالد الدخيل، مقالات انتقدا فيها الأوضاع الاقتصادية والسياسية في مصر.
وقارن الحمد بين مصر قبل ثورة 1952 ومصر الحالية، منتقدا تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فيما ركز الدخيل على الدور الواسع للمؤسسة العسكرية في الاقتصاد المصري منذ عام 1952، معتبرا أن ذلك حال دون بناء نموذج اقتصادي وسياسي بديل.
وأثارت تلك الانتقادات غضبا في القاهرة، ورد عبد الرازق توفيق، رئيس تحرير صحيفة "الجمهورية" الحكومية سابقا والمقرب من السيسي، بلهجة شديدة على ما وصفه بالإساءة إلى مصر.
ورغم حذف المقال المصري لاحقا، فإن الواقعة، وفقا لبرئيل، عكست عمق التوتر الكامن خلف الخطاب الرسمي الذي يركز عادة على متانة العلاقات المصرية السعودية.
ويرى برئيل أن السعودية وتركيا وباكستان أمام اختبار حقيقي إذا أرادت تحويل الترتيب الجديد إلى إطار إقليمي مؤثر.
فوجود مصر، بحكم ثقلها العسكري والسياسي وموقعها الجغرافي، يمكن أن يمنح التحالف وزنا أكبر، لكن القاهرة لا تبدو مستعدة حاليا للتورط في ترتيبات قد تلزمها بالدخول في حروب لا تتطابق مع مصالحها المباشرة.
كما أن غياب الإمارات وقطر عن هذا التكتل يعكس بدوره تباين الرؤى داخل المعسكر الخليجي والعربي بشأن طبيعة التحالفات الإقليمية الجديدة.
ليس تحالفا ضد إيران بالضرورة
وبحسب التحليل المنشور في "هآرتس"، فإن التكتل السعودي التركي الباكستاني قد لا يتحول بالضرورة إلى جبهة عسكرية موجهة ضد إيران.
فرغم أن بعض الملفات الإقليمية ترتبط بمواجهة النفوذ الإيراني، فإن الدول الثلاث أعلنت أن التحالف لا يستهدف دولة بعينها.
ويرجح برئيل أن يتحول التكتل، في حال توسع وانضمام دول أخرى إليه، إلى منصة سياسية ودبلوماسية أكثر من كونه تحالفا عسكريا تقليديا.
وقد تستخدم الدول المشاركة هذا الإطار لفتح قناة تفاوض مباشرة مع إيران، ومحاولة وضع قواعد جديدة للتعامل مع ملفات الخليج والبحر الأحمر ومضيقي هرمز وباب المندب.
وفي هذا السيناريو، قد تكون قيمة التحالف في قدرته على إدارة الأزمات والتفاوض مع طهران، وليس في خوض حرب معها.
ويخلص برئيل إلى أن التطور الأهم المحتمل لا يتمثل في تشكيل جبهة إقليمية جديدة ضد إيران، بل في محاولة دول المنطقة استعادة زمام المبادرة في إدارة أزماتها، بدلا من انتظار القرارات الأمريكية.
وبذلك يمكن أن يتحول التكتل، حتى لو بقي غير رسمي أو محدود الالتزامات العسكرية، إلى قناة تفاوض إقليمية تسعى إلى خفض التصعيد والتوصل إلى تفاهمات مع طهران بشأن الملفات الأكثر حساسية.
وفي حال اتجهت الأمور نحو هذا المسار، فإن التحالف الجديد سيكون أقرب إلى محاولة لإعادة ترتيب ميزان القوة الإقليمي وإدارة الخلافات عبر التفاوض، بدلا من تأسيس جبهة عسكرية تقليدية تنتظر لحظة المواجهة.
