17.71°القدس
17.47°رام الله
16.46°الخليل
22.5°غزة
17.71° القدس
رام الله17.47°
الخليل16.46°
غزة22.5°
الخميس 01 أكتوبر 2026
4.08جنيه إسترليني
4.34دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.48يورو
3.07دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.08
دينار أردني4.34
جنيه مصري0.06
يورو3.48
دولار أمريكي3.07

26 عاماً على هبة القدس والأقصى... مجزرة إسرائيلية بلا حساب

Captureلالالالا.JPG
Captureلالالالا.JPG


26 عاماً مضت على هبة القدس والأقصى في أكتوبر/تشرين الأول 2000، والتي استشهد فيها 13 شاباً في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 برصاص الشرطة الإسرائيلية، التي قمعت احتجاجات خرجت في البلدات العربية، إثر اقتحام رئيس المعارضة الإسرائيلية حينها أرييل شارون الحرم القدسي.

أما اليوم، فيسجّل الأقصى اقتحامات غير مسبوقة، حتى من وزراء في حكومة الاحتلال الإسرائيلي، لا تُقابل بأي رد تقريباً. كما يعاني المجتمع الفلسطيني في الداخل، من أزمات كثيرة، على رأسها استفحال الجريمة والعنف، ومخططات إلهاء أخرى كثيرة وخطرة عن قضاياه الوطنية، تزرعها المؤسسة الإسرائيلية لإغراق الفلسطينيين في هموم حياتهم اليومية.

ويتزامن موعد ذكرى هبة القدس والأقصى هذا العام مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي، في 27 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، وسط موجة تحريض غير مسبوقة على فلسطينيي الداخل المحتل، فضلاً عن الإبادة المستمرة في غزة والتطهير العرقي في الضفة الغربية المحتلة.  

شهداء هبة القدس والأقصى
رامي غرة، وإياد لوابنة، ومحمد جبارين، وعلاء نصار، ووليد أبو صالح، وعمر عكاوي، ومصلح أبو جراد، ومحمد خمايسي، وأحمد صيام، وأسيل عاصلة، وعماد غنايم، ورامز بشناق، ووسام يزبك، هم الشباب الذين استشهدوا في الأيام الأولى من أكتوبر 2000، وكانت لكل منهم حياة وأحباء وأحلام اغتالتها إسرائيل بدم بارد.

في الوقت الذي استشهد فيه الشاب أحمد أبو صيام، من قرية معاوية، كان والداه في طريق عودتهما من الأردن إلى البلاد، ولم يعلما شيئاً، حتى وصلتهما مؤشرات أولى قبل علمهما. حكاية أحمد، حملت حباً للأقصى في حياته، كما في مماته، ومثّل دور شهيد، قبل أن يتحوّل المشهد إلى حقيقة.

في حديثه لـ"العربي الجديد"، يستذكر إبراهيم صيام والد الشهيد ما حدث: "كنت وزوجتي أم أحمد عائدين من زيارة إلى الأردن، وفي الطريق انهالت علينا الاتصالات. شعرنا أن شيئاً يخصنا قد حدث، ثم أبلغني شقيقي، أن أحمد أصيب ويرقد في المستشفى. أمّا أمه فشعرت أنه استشهد. بعد أن قطعنا المعبر، طُلب منا التوجّه مباشرة إلى مستشفى رمبام في حيفا، حيث انتظرنا عدد كبير من أصحابنا وأحبائنا، وقيل لنا إن حالة أحمد خطيرة. لكن عندما وضعت أمه يدها على صدره في غرفة العناية المكّثفة، أدركت أنه استشهد، وخاطبته قائلة: مبروك الشهادة يا أحمد".

وصف والد الشهيد تأثر أحمد، في محادثة هاتفية قبل استشهاده، بمشهد استشهاد الطفل محمد الدرة في غزة مثل اليوم قبل 26 عاماً. وكان أحمد محباً للمسجد الأقصى "ويترقب يوم الخميس ليسجّل مع أصدقائه ليصلّي هناك"، وفق والده. أما في المسيرة التي خرجت في أم الفحم، من أجل القدس الأقصى، "فكان يتصدّر المشهد قبل استشهاده". وبحسب والده، فإن مسيرة أحمد مع الاحتجاجات "كانت قد بدأت قبل ذلك، ومنها في أحداث الدفاع عن أراضي الروحة عام 1998، "عندها شاركنا وكان معنا في خيمة الاعتصام دفاعاً عن أراضي المنطقة"، في وجه المخططات الإسرائيلية.

"غرفة أحمد" ودور الشهيد
تحتفظ "غرفة أحمد" كما تسميها العائلة، بأغراضه ومقتنياته حتى اليوم. وفي أحد العروض المسرحية، كما يقول والده، والتي تناولت مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل، "مثّل أحمد دور الشهيد، ورُفع على الأكتاف، ورُددت شعارات من أجله، ثم رأينا هذا المشهد لاحقاً يتحقق على أرض الواقع في جنازته". وأشار أبو أحمد إلى أن ابنه كتب قبل ذلك: "كم تمنّيت أن استشهد في سبيل الله، لكن الله لم يستجب لدعائي، اللهم احشرني مع الشهداء".

مجرمون بلا عقاب
في وقت لاحق، أنشئت لجنة تحقيق إسرائيلية بأحداث هبة القدس والأقصى باسم لجنة أور. خرجت بتوصيات لكن العدالة لم تتحقق في نهاية المطاف، ولم يعاقب المجرمون الذين أطلقوا النار. عنها يقول أبو أحمد: "اللجنة أقيمت بضغط من لجنة أهالي الشهداء. انتزعنا ذلك انتزاعاً. لكن حتى بعد ذلك، قالت لنا السلطات الإسرائيلية، إنه لكي نعرف من قتل أولادكم، يجب إخراج الجثث للتشريح. ورغم صعوبة ذلك، وافقنا بعد سبع سنوات، لكن عندما سألناهم عن نسبة احتمال معرفة القتلة، قالوا لنا 5%. أدركنا أنهم غير معنيين بتقديم المجرمين للقضاء وعليه انسحبنا من المحكمة. هذا رغم أنهم كانوا يعلمون من هم القتلة، وكانت لدينا نحن أيضاً مؤشرات على هويتهم".

الآن بعد 26 عاماً على هبة القدس والأقصى في الداخل المحتل، يرى أبو أحمد أن المؤسسة الإسرائيلية تمعن في تطبيق مخططاتها منذ عام 2000، من خلال ممارسات هدم البيوت، وإغراق المجتمع العربي بالجريمة وقضايا كثيرة حارقة، "وكل هذا يؤثر سلباً على اهتمامنا بالقضايا الوطنية، وهذا ما نلاحظه من ذكرى إلى أخرى، سواء على مستوى المشاركة الجماهيرية، أو حتى التحضير لمثل هذه المناسبات. وبما أننا نتحدث عن مناسبة وطنية وذكرى شهداء، أعتقد أن هناك حاجة لتعزيز الجانب التوعوي في مدارسنا ومؤسساتنا ومختلف الأطر في مجتمعنا، من أجل الحفاظ على الذاكرة ونقل الرسالة من جيل إلى آخر، فأبناؤنا استشهدوا في سبيل الحفاظ على بلادنا، ووطننا ومقدّساتنا ومجتمعنا".

مخطط مبيّت
المؤرخ والباحث الفلسطيني البروفسور محمود يزبك، يرى في حديث لـ"العربي الجديد"، أن ممارسات السلطات الإسرائيلية في هبة القدس والأقصى كانت مبيّتة، لكن المجتمع العربي لم يكن يدرك ذلك.

ويقول يزبك: "بات عندنا بعد تاريخي يمكّننا من تقييم ما حدث خلال هبة القدس والأقصى وفتح الشرطة النار على المتظاهرين واستخدامها قنّاصة. ما اعتقد الكثيرون أنها أحداث مفاجئة، كانت تعكس بداية مرحلة جديدة من توجّهات المجتمع الإسرائيلي والسياسات الإسرائيلية، تجاه مجتمعنا. الكثيرون تأثروا وقتها بأجواء أوسلو، وأن ثمة خطوات للتوصل إلى تسوية في القضية الفلسطينية، ومساحة لاحتجاجات، ثم كانت الصدمة، إذ تبنّت الشرطة الإسرائيلية سيناريو آخر. واتضح في لجنة أور أن الدولة كانت تنظر إلى المواطنين العرب بوصفهم خطراً وجودياً. رأت إسرائيل أن الوجود الفلسطيني في الداخل، يمنع استمرارها دولةً يهودية، وفقاً لمفهومها، ذلك أن الفلسطينيين سيزداد عددهم، ما سيؤدي إلى التحام ما بين الفلسطيني في الضفة وقطاع غزة وفي أراضي 1948. وتوقّعت الأجهزة القمعية الإسرائيلية، تنظيم تظاهرات، وقرّرت عدم منحها شرعية، بينما الفلسطيني لم يعرف شيئاً عن هذه المخططات المبيّتة.

يرى يزبك أيضاً أن "المجتمع الإسرائيلي انزاح بالكامل نحو اليمين منذ تلك الفترة وحتى اليوم. وينعكس ذلك بصعود بنيامين نتنياهو إلى الحكم، واعتماده على قوى يمينية متطرفة، وصلت ذروتها بالحكومة الأخيرة، والاعتماد على أمثال إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. اليمين الفاشي الإسرائيلي هو من يضع السياسات، ضمن سيرورة تطوّرت تدريجياً حتى وصلنا إلى هذا الحال. وفي خضم ذلك، تحاول السياسة الإسرائيلية فكّ الارتباط ما بين الفلسطيني في أراضي الداخل والفلسطيني في باقي الأماكن، وكأن العربي في إسرائيل منفصل عن التاريخ والجغرافية الفلسطينية، وهذا لم ينجح".

رغم كل المحاولات الإسرائيلية، استطاع الفلسطيني في الداخل، برأي يزبك، "إنتاج فئة اجتماعية تتحدى السلطة، ليس عن طريق القوة، وإنما بطبقة من الشباب الواعي، والمثقّف، والمتعلّم. وقامت إسرائيل منذ العام 2000 بالتخطيط لضرب هذا التغيّر في المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل"، واخترعت لاحقاً مصطلح: ماذا فعل لكم أعضاء الكنيست العرب؟ وذلك لتقويض الصلة ما بين الأحزاب العربية الفاعلة على الساحة السياسية وما بين المواطنين العرب. ومن ناحية ثانية، كان الهدف من هذه السياسة منع بلورة الفكر الفلسطيني والإجماع الفلسطيني الداخلي، وخلق بؤر معيّنة، والتي بدأت إسرائيل تطوّرها، كما بدأنا نرى منذ عام 2002-2003، وبداية هذه السياسة، بالجريمة المنظمة، التي اعتقد أنها نتاج واضح من أجل ضرب البنية الاجتماعية، لكن السحر انقلب على الساحر. الحكومة فقدت السيطرة على الأدوات التي استخدمتها لضرب القوى الاجتماعية الناهضة في المجتمع الفلسطيني من داخله، إذ نهضت الجريمة في المجتمع اليهودي الإسرائيلي أيضاً".

فصل آخر من الصراع والانتخابات
يشكّل الفلسطينيون في الداخل اليوم نحو 20% من نسبة السكان. ورغم أنهم أصحاب البلاد الأصليين، يزعج ذلك المؤسسة الإسرائيلية. وفي فلسطين الداخل، لا يمكن الفصل بين الحياة اليومية والسياسية والمناسبات الوطنية، والعلاقة المركّبة مع المؤسسة الإسرائيلية في مختلف جوانبها. بعد عام 1967، ظهر بعض المنظّرين الإسرائيليين، وفق أقوال يزبك، الذين "حاولوا فتح عيون السياسيين الإسرائيليين على القضية الديمغرافية، وأنها مسألة جوهرية في الجغرافية الإسرائيلية، ولذلك يجب تهويد الجليل وتهويد النقب". وعليه، يضيف: "نرى اليوم هذه السياسات التي تطورت على مدى سنوات، ونسمع بشكل سافر بأنه يجب تقليص المناطق العربية، وآخر صرعة في الأيام الأخيرة، حينما حاول بعض المستوطنين الاستيطان في أراضي قرية مجد الكروم في الجليل. بعد 80 سنة تقريباً من قيام إسرائيل، تنبّهت أن الجليل ما زال عربياً. ويبدو أننا سنشهد فصلاً آخر من الأحداث، ابتداء من هذه الفترة، يتعلّق بالأرض والجغرافية والديمغرافية، لكننا لن نغادر إلى أي مكان".

ويرى يزبك بتزامن ذكرى هبة القدس والأقصى مع فترة الانتخابات، فرصة للدعوة إلى أهمية وحدة الصف العربي في الداخل، وفي الوقت ذاته، استغلال الانتخابات لمعاقبة الحكومة الحالية من خلال إسقاطها، في ظلّ حروبها وممارساتها.

المصدر: فلسطين الآن