تسعى حكومة نتنياهو واليمين المتطرف منذ ان قدمت الى السلطة الى فرض وقائع جديدة على الارض في الضفة الغربية وقطاع غزة ، من خلال ثورة استيطانية كبيرة في الضفة الغربية ، الى حرب الإبادة في قطاع غزة والعمل على عودة الاستيطان الى هناك ، و العمل بقوة على حسم الصراع مع الفلسطينيين سياسيًا وديمغرافيا اما بالقتل او التهجير ، قرارات جديده قد يعدها البعض بقرارات أمنية تستهدف تنظيم العلاقة بين الجيش والمستوطنين ، في مشروع متكامل لإعادة صياغة واقع الضفة الغربية سياسيًا وقانونيًا وديموغرافيًا، وصولًا إلى فرض السيادة الإسرائيلية عليها كأمر واقع، وفي هذا السياق يأتي قرار وزير الحرب الاحتلال يسرائيل كاتس إعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون المتعلقة بالمستوطنين والمستوطنات من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية، في خطوة اعتبرها فلسطينيون ومراقبون حلقة جديدة في مسار الضم الفعلي للضفة الغربية.
قد يبدو القرار للوهلة الأولى إجراءً إداريًا أو أمنيًا، لكن دلالته السياسية أعمق بكثير، فحين تصبح الشرطة الإسرائيلية هي الجهة التي تتولى التعامل مع المستوطنين في الضفة كما تتعامل مع الإسرائيليين في الداخل المحتل ، فإن ذلك يعني عمليًا دفع المستوطنات خطوة إضافية نحو إدماجها في المنظومة المدنية الإسرائيلية، بدل إبقائها ضمن واقع قانوني مرتبط بإدارة عسكرية لأرض محتلة ، هذه الخطوة تأتي بالتوازي مع إجراءات إسرائيلية أخرى تهدف إلى تعميق السيطرة المدنية على الضفة، بما يجعل الحديث عن "الضم الزاحف" أو "الضم الفعلي أكثر من مجرد توصيف سياسي.
والأخطر أن نقل هذه الصلاحيات يأتي في وقت تتصاعد فيه اعتداءات المستوطنين على القرى والبلدات الفلسطينية، وفي وقت شهدت فيه قرى فلسطينية حصارًا واعتداءات وتهجيرًا لعائلات فلسطينية تحت حماية أو بحضور القوات الإسرائيلية، وقد وثقت تقارير حديثة تصاعد عنف المستوطنين والتهجير القسري في الضفة، بينما حذرت منظمات حقوقية من أن ما يجري يحمل سمات سياسة ممنهجة لتفريغ مناطق فلسطينية من سكانها.
ومن هنا تبرز خطورة إخضاع ملف المستوطنين لشرطة تقع تحت سلطة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، أحد أبرز رموز التيار اليميني المتطرف والمشروع الاستيطاني في إسرائيل، فالقضية ليست فقط: من يحقق مع المستوطن؟ ومن يملك صلاحية اعتقاله؟ وإنما السؤال الأكبر هو: أي منظومة قانونية يجري تكريسها في الضفة الغربية؟ وهل تتعامل إسرائيل مع المستوطنين باعتبارهم مواطنين إسرائيليين يعيشون في أرض محتلة، أم باعتبار المستوطنات جزءًا طبيعيًا من الدولة الإسرائيلية؟
وهنا تكمن الرسالة السياسية الأخطر: إسرائيل لا تنتظر وهم المفاوضات لتحدد مستقبل الضفة، بل تعمل على حسم المستقبل على الأرض قبل أي مفاوضات عبثية ، فالمستوطنات تتوسع، والبؤر الاستيطانية تتحول إلى وقائع دائمة، والسيطرة على الأراضي تتعمق، والصلاحيات المدنية الإسرائيلية تتقدم تدريجيًا إلى داخل الضفة ، وفي المقابل، يتراجع الخط الفاصل بين الاحتلال والإدارة المدنية الإسرائيلية، وبين المستوطنة والمدينة الإسرائيلية، وبين الأرض المحتلة والأرض التي تسعى إسرائيل إلى إعلان سيادتها عليها.
وهذا يقود مباشرة إلى السؤال المتعلق باتفاق أوسلو، الذي يفترض أن يكون قد أسس لمرحلة انتقالية تنتهي إلى تسوية نهائية ، فقد قام جوهر الترتيبات الانتقالية على إعادة انتشار القوات الإسرائيلية ونقل صلاحيات ومسؤوليات تدريجيًا إلى الجانب الفلسطيني، مع بقاء قضايا مثل القدس والمستوطنات والحدود ضمن مفاوضات الوضع النهائي.
لكن ما تفعله إسرائيل اليوم يبدو في الاتجاه المعاكس تمامًا، فبدل الانسحاب التدريجي، هناك توسع في السيطرة؛ وبدل نقل الصلاحيات إلى الفلسطينيين، يجري توسيع الصلاحيات المدنية الإسرائيلية؛ وبدل أن تكون المستوطنات قضية تفاوضية مؤجلة، يجري تثبيتها كجزء من الواقع الإسرائيلي؛ وبدل أن تكون الضفة أرضًا تنتظر تحديد مستقبلها السياسي، تتحول تدريجيًا إلى أرض يجري دمجها في النظام الإسرائيلي.
وبذلك فإن قرار نقل صلاحيات إنفاذ القانون من الجيش إلى الشرطة لا يمكن فصله عن مسار أوسع يتجاوز أوسلو عمليًا ، إسرائيل نفسها، من خلال سياساتها على الأرض، تدفن تدريجيًا الإطار الذي يفترض أن يحكم المرحلة الانتقالية، والمفارقة الكبرى أن الطرف الفلسطيني ما زال يتمسك بأوسلو وببقايا عملية سياسية انتهت إسرائيل عمليًا إلى تفريغها من مضمونها، بينما تتصرف الحكومة الإسرائيلية على أساس أن مستقبل الضفة لا يحتاج إلى اتفاق مع الفلسطينيين، بل إلى فرض وقائع جديدة تجعل أي اتفاق مستقبلي مجرد محاولة للتعامل مع واقع إسرائيلي تم تثبيته مسبقًا.
وهنا تبرز أزمة السلطة الفلسطينية، فبينما تتحرك إسرائيل لتغيير طبيعة الضفة الغربية، وتتعامل معها باعتبارها ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والقانون، ما زالت السلطة تراهن على نهج المفاوضات وعلى إمكانية إعادة إحياء المسار السياسي ذاته الذي لم ينجح طوال عقود في وقف الاستيطان أو إنهاء الاحتلال، وكأن الزمن توقف عند أوسلو، بينما تجاوزته إسرائيل منذ سنوات، وانتقلت من مرحلة التفاوض على مستقبل الأراضي إلى مرحلة صناعة المستقبل بالقوة على الأرض.
فكيف يمكن التفاوض على حدود الدولة الفلسطينية بينما يجري تغيير الجغرافيا؟ وكيف يمكن الحديث عن حل الدولتين بينما يجري توسيع المستوطنات وربطها بالبنية المدنية والقانونية الإسرائيلية؟ وكيف يمكن الحديث عن انسحاب إسرائيلي مستقبلي بينما تتحول المستوطنات إلى جزء متزايد الاندماج في النظام الإسرائيلي؟
إن إسرائيل لا تقول فقط إنها لا تريد العودة إلى أوسلو؛ إنها تعمل على إنتاج واقع يجعل العودة إلى أوسلو مستحيلة، وهنا يصبح الحديث عن "حل الدولتين" في حاجة إلى مراجعة جادة، لا باعتباره شعارًا دبلوماسيًا، وإنما باعتباره مشروعًا يحتاج إلى أرض قابلة للحياة ودولة ذات سيادة متصلة جغرافيًا ، فإذا استمر الاستيطان والضم الزاحف وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأراضي، فإن الدولة الفلسطينية التي يفترض أن تنتج عن المفاوضات ستتحول إلى مجرد جزر سكانية محاصرة داخل منظومة سيطرة إسرائيلية شاملة
الأمر لا يتوقف عند حدود الضفة الغربية وحدها، فالمشروع الذي يتبلور اليوم يحمل تداعيات على مستقبل الشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية كلها ، عندما تصبح السيطرة الإسرائيلية على الأرض هي القاعدة، ويصبح الوجود الفلسطيني هو العنصر الذي يجري إخضاعه للحصار والتضييق والإزاحة، فإن الخطر لا يعود متعلقًا بمستقبل دولة فلسطينية فحسب، بل بمستقبل الوجود الفلسطيني نفسه وقدرته على البقاء فوق أرضه.
ولهذا فإن القرار الإسرائيلي الجديد يجب ألا يُقرأ كخبر أمني عابر ، إنه جزء من معركة أكبر على الأرض والهوية والسيادة، إسرائيل تحاول أن تحسم ما فشلت في حسمه عبر المفاوضات: شكل الأرض، ومستقبل المستوطنات، وحدود السيطرة، وطبيعة العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
أما السلطة الفلسطينية، فالمطلوب منها أن تدرك أن التمسك بأوسلو لم يعد كافيًا، وأن استمرار الرهان على مفاوضات لا تملك أدوات إلزام إسرائيل بوقف الاستيطان والضم لا يحمي المشروع الوطني الفلسطيني، بل قد يمنح الاحتلال الوقت الكافي لإنهائه على الأرض، فحين يتحول الاتفاق الانتقالي إلى غطاء دائم للاحتلال،
وحين تتحول المفاوضات إلى انتظار أبدي بينما تتغير الأرض يومًا بعد يوم، فإن التمسك بالنهج ذاته لا يصبح حفاظًا على خيار الدولة، بل مساهمة غير مباشرة في إضاعة شروط قيامها.
لقد دخل الصراع مرحلة مختلفة ، إسرائيل تريد الانتقال من احتلال مؤقت إلى سيطرة دائمة، ومن مستوطنات محاطة بإطار عسكري إلى واقع إسرائيلي مدني متكامل، ومن مشروع تسوية مؤجلة إلى حسم أحادي الجانب ، وفي المقابل، ما زالت القيادة الفلسطينية تتعامل مع الواقع وكأن أوسلو لم يُدفن وأن قطار المفاوضات يمكن أن يعود إلى المحطة ذاتها.
لكن الحقيقة أن إسرائيل هي التي أعادت الصراع إلى نقطة الصفر، بل ربما إلى ما قبل الصفر، فبعد أكثر من ثلاثة عقود على أوسلو، لم تقترب الدولة الفلسطينية من التحقق، بينما أصبحت المستوطنات أكثر رسوخًا، والسيطرة الإسرائيلية أكثر اتساعًا، والضم أكثر وضوحًا.
لذلك فإن نقل صلاحيات المستوطنين من الجيش إلى الشرطة ليس مجرد تغيير في الجهة التي تتولى إنفاذ القانون؛ إنه إشارة سياسية إلى أن إسرائيل تريد أن تعامل المستوطنات باعتبارها جزءًا من منظومتها المدنية، وأن تتعامل مع الضفة باعتبارها مساحة خاضعة بصورة متزايدة لسيادتها الفعلية ، وهو ما يجعل السؤال الفلسطيني اليوم أكبر من سؤال أوسلو: هل ستستمر السلطة في إدارة ما تبقى من ترتيبات مرحلة انتقالية انتهت إسرائيل نفسها من تقويضها، أم ستعيد بناء استراتيجية وطنية قادرة على مواجهة مشروع الضم وفرض الأمر الواقع؟
إن الخطر الحقيقي ليس فقط أن تنتهي أوسلو، بل أن تنتهي معها آخر المساحات الجغرافية والسياسية التي يمكن أن تقوم عليها دولة فلسطينية مستقلة وعندما يصبح الضم واقعًا قانونيًا وإداريًا وديموغرافيًا، لن يكون أمام الفلسطينيين ما يتفاوضون عليه، لأن إسرائيل تكون قد حسمت القضية بدلًا منهم.
أوسلو لم يعد مهددًا بالسقوط؛ إسرائيل تتصرف وكأنه سقط بالفعل، والسؤال الذي يجب أن يواجهه الفلسطينيون اليوم ليس كيف ننقذ أوسلو، بل كيف ننقذ فلسطين من واقع جديد يجري فرضه باسم القوة والاستيطان والضم.
