24.89°القدس
24.63°رام الله
23.66°الخليل
29.03°غزة
24.89° القدس
رام الله24.63°
الخليل23.66°
غزة29.03°
الأربعاء 19 اغسطس 2026
4.05جنيه إسترليني
4.22دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.47يورو
2.99دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.05
دينار أردني4.22
جنيه مصري0.06
يورو3.47
دولار أمريكي2.99
اسماعيل الريماوي

اسماعيل الريماوي

مضيق هرمز في مرمى الهيمنة الأمريكية... من الحرب مع إيران إلى معركة السيطرة الشاملة على الخليج

لم يعد الصراع الأمريكي ـ الإيراني يدور فقط حول البرنامج النووي الإيراني أو مستقبل النظام في طهران، بل يبدو أنه يتجه إلى معركة أوسع تتعلق بموازين القوة والسيادة على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم: مضيق هرمز، فحين تطرح واشنطن، وفق التصريحات المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فكرة إخضاع المضيق لنفوذ أمريكي مباشر أو التعامل معه باعتباره منطقة يمكن فرض السيطرة عليها بعد هزيمة إيران، فإن المسألة تتجاوز حدود الضغط العسكري والسياسي على طهران لتلامس جوهر النظام الإقليمي في الخليج: من يملك حق التحكم في طرق التجارة والطاقة، ومن يقرر قواعد الملاحة، ومن يفرض إرادته على الدول المطلة على هذا الممر الحيوي؟

مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي عادي، بل شريان استراتيجي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، ولذلك فإن السيطرة عليه تعني امتلاك ورقة ضغط هائلة على الاقتصاد العالمي وعلى الدول الآسيوية والأوروبية المستوردة للطاقة ، ومن هنا فإن الحديث عن السيطرة الأمريكية الكاملة على المضيق، إن ثبت بهذه الصيغة، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد موقف مرتبط بالحرب مع إيران، بل باعتباره محاولة لتكريس واقع جيوسياسي جديد يجعل الولايات المتحدة صاحبة الكلمة العليا في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.

المفارقة أن واشنطن التي تتحدث باستمرار عن حرية الملاحة والقانون الدولي قد تجد نفسها أمام سؤال أساسي: هل حماية الملاحة الدولية تعني إنشاء وصاية أمريكية على المضيق؟ وهل مكافحة الألغام وتأمين السفن يمكن أن تتحول إلى ذريعة لامتلاك القرار السياسي والعسكري في ممر يقع بين دول ذات سيادة؟ فالفرق كبير بين حماية الملاحة الدولية وبين تحويل هذه الحماية إلى أداة للهيمنة.

والأخطر من ذلك هو أن أي محاولة لفرض ترتيبات أحادية الجانب على مضيق هرمز ستضع دول الخليج نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد ، فالدول الخليجية تعتمد بدرجات كبيرة على استقرار الملاحة البحرية وتدفق صادرات الطاقة، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع تجاهل حقيقة أن تحويل الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران سيجعل أراضيها ومياهها وموانئها أهدافاً محتملة في أي تصعيد جديد.

وفي هذا السياق تبرز سلطنة عُمان باعتبارها الدولة الأكثر حساسية تجاه أي محاولة لتحويل مضيق هرمز إلى منطقة نفوذ أمريكية أو إيرانية مطلقة، فعُمان، بحكم موقعها الجغرافي وإطلالتها المباشرة على المضيق، تمتلك مصلحة استراتيجية في الحفاظ على حرية الملاحة والاستقرار، كما أن سياستها الخارجية قامت تاريخياً على الحوار والوساطة وعدم الانخراط في سياسة المحاور الحادة ، ولذلك فإن أي ضغط أمريكي على مسقط بسبب استمرار اتصالاتها مع طهران لا يمثل خلافاً دبلوماسياً عابراً، وإنما يعكس صراعاً على طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه عُمان في النظام الإقليمي الجديد.

وإذا صحت التهديدات الأمريكية بقصف عُمان في حال عرقلت مساعي واشنطن، فإن ذلك سيكون تطوراً بالغ الخطورة، ليس فقط بالنسبة للعلاقات الأمريكية ـ العُمانية، وإنما بالنسبة لفكرة التحالفات الخليجية برمتها ، فالدولة التي اعتادت الولايات المتحدة تقديم نفسها بوصفها شريكاً أمنياً لها تجد نفسها، في هذه الحالة، أمام خطاب يقوم على التهديد إذا لم تتطابق سياساتها مع الرؤية الأمريكية، وهذا يطرح سؤالاً أوسع: هل تريد واشنطن حلفاء في الخليج أم دولاً تلتزم بالكامل بالقرار الأمريكي؟

أما إيران، فإن قبولها بمنطق الاستسلام الذي تطرحه واشنطن يعني عملياً خسارة جزء كبير من قدرتها على التأثير في محيطها الإقليمي ، فطهران تدرك أن هرمز يمثل إحدى أهم أوراق قوتها الاستراتيجية، وأن

التخلي عن هذه الورقة من دون ترتيبات تضمن مصالحها ومصالح دول المنطقة سيعني انتقال مركز الثقل في الخليج بصورة شبه كاملة إلى الجانب الأمريكي ، ولهذا من المتوقع أن تتمسك إيران، حتى في حال استمرار المفاوضات، برفض أي صيغة تمنح الولايات المتحدة حقاً دائماً أو حصرياً في التحكم بالمضيق.

وهنا يصبح الدور العُماني مهماً للغاية ، فمسقط لا تحاول بالضرورة أن تكون طرفاً في الصراع، وإنما تسعى إلى منع تحوله إلى مواجهة شاملة ، والحديث عن آلية إقليمية لحماية الملاحة يمكن أن يمثل، من حيث المبدأ، بديلاً عن منطق السيطرة الأحادية، فالممرات الدولية لا تحتاج بالضرورة إلى قوة عظمى تفرض نفسها وصياً عليها، وإنما إلى ترتيبات أمنية تشترك فيها الدول المطلة عليها، إلى جانب الالتزام بالقانون الدولي وضمان حرية الملاحة.

لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن واشنطن وطهران تنظران إلى هرمز باعتباره جزءاً من ميزان الردع بينهما ، الولايات المتحدة تريد ضمان استمرار تدفق الطاقة ومنع إيران من استخدام المضيق كورقة ضغط، بينما ترى إيران أن وجودها الجغرافي والعسكري في المنطقة يمنحها حقاً أساسياً في التأثير في أمن المضيق ، وبين الرؤيتين تقف دول الخليج التي قد تكون أول من يدفع ثمن أي مواجهة مباشرة.

كما أن إعلان السيطرة العسكرية الكاملة على المضيق لا يعني بالضرورة السيطرة السياسية المستدامة عليه ، فالممر المائي لا يُدار بالقوة العسكرية وحدها ، الملاحة التجارية تحتاج إلى الاستقرار، والتنسيق، والثقة، وغياب خطر الاشتباكات ، وأي ارتفاع في مستوى المخاطر الأمنية سيؤدي تلقائياً إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن والطاقة، وقد يدفع شركات الملاحة إلى تقليل عملياتها أو إعادة توجيهها، وهو ما يجعل الاقتصاد العالمي بأكمله طرفاً غير مباشر في الأزمة.

ومن هنا فإن المعركة على هرمز قد تكون في جوهرها معركة على شكل النظام الإقليمي بعد الحرب ، فإذا انتهت الحرب بتكريس الوجود والسيطرة الأمريكية المباشرة أو غير المباشرة على المضيق، فإن ذلك سيعني انتقال الخليج إلى مرحلة جديدة تصبح فيها واشنطن صاحبة النفوذ الأكبر على أهم شريان للطاقة في المنطقة ، أما إذا نجحت إيران وعُمان ودول الخليج في الدفع باتجاه صيغة إقليمية مشتركة للملاحة والأمن، فقد يكون ذلك بداية لنموذج مختلف يقوم على تقاسم المسؤولية بدلاً من الهيمنة.

لكن أخطر ما في المشهد هو أن يتحول شعار «حرية الملاحة» إلى عنوان لفرض «حرية السيطرة» ، فحرية الملاحة مبدأ دولي، أما احتكار القرار في مضيق دولي فهو مسألة مختلفة تماماً، وإذا أصبحت القوة العسكرية هي المعيار الوحيد لتحديد من يملك حق التحكم في الممرات البحرية، فإن ذلك يفتح الباب أمام سباق خطير على السيطرة على الممرات الاستراتيجية حول العالم.

ولذلك فإن تهديد عُمان ، يجب ألا يُقرأ بمعزل عن الصراع الأكبر، فالمسألة ليست فقط خلافاً بين ترامب ومسقط، ولا مجرد محاولة للضغط على إيران، إنها مواجهة على مستقبل الخليج نفسه: هل يبقى الخليج فضاءً تتعايش فيه دوله، رغم خلافاتها، ضمن ترتيبات أمنية متعددة الأطراف؟ أم يتحول إلى منطقة نفوذ أمريكية مباشرة، تكون فيها السيادة الوطنية للدول مرتبطة اكثر بمدى توافقها مع الرؤية العسكرية والسياسية لواشنطن؟

إن أخطر نتيجة يمكن أن تخرج بها المنطقة من هذه الحرب هي أن تنتقل من مرحلة التنافس على النفوذ إلى مرحلة إعادة تعريف السيادة بالقوة، وإذا أصبح مضيق هرمز نموذجاً لذلك، فإن تداعياته لن تتوقف عند إيران وعُمان ودول الخليج، بل ستصل إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، وربما إلى النظام الدولي بأكمله.

وفي النهاية، فإن معركة هرمز ليست معركة على بضعة أميال بحرية، وإنما معركة على من يملك مفتاح الخليج من جديد، بعد ان فشلت القواعد العسكرية من فرض ذلك وسقطت فعاليتها في الحرب ، ومن هنا فان من يملك مفتاح هرمز يمتلك ورقة استراتيجية قادرة على التأثير في الطاقة والتجارة والأمن والسياسة الدولية، ولهذا فإن محاولة تحويل المضيق إلى منطقة نفوذ أمريكية خالصة، إذا تحولت من التهديد إلى سياسة فعلية، لن تكون مجرد خطوة ضد إيران، بل إعلاناً عن مرحلة جديدة من الهيمنة على الخليج ، والسؤال الذي ستواجهه المنطقة عندها لن يكون: من انتصر في الحرب؟ بل: من سيملك حق تحديد قواعد اللعبة في الخليج بعد الحرب؟

المصدر / المصدر: فلسطين الآن