31.68°القدس
31.44°رام الله
30.26°الخليل
33.05°غزة
31.68° القدس
رام الله31.44°
الخليل30.26°
غزة33.05°
الثلاثاء 08 سبتمبر 2026
4.08جنيه إسترليني
4.25دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.5يورو
3.01دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.08
دينار أردني4.25
جنيه مصري0.06
يورو3.5
دولار أمريكي3.01

سعدي مليحة... رحلة عامل غزي انتهت في حفرة هرباً من الاحتلال

WhatsApp Image 2026-09-08 at 14.46.23.jpeg
WhatsApp Image 2026-09-08 at 14.46.23.jpeg

لم يعد سعدي سعيد مليحة إلى المكان الذي كان يختبئ فيه مع رفاقه. وبينما كان عشرة عمال من قطاع غزة يحاولون النجاة من اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي لمقر إقامتهم المؤقت في طولكرم، اختفى العامل البالغ 53 عاماً عن الأنظار.

بعد انسحاب قوات الاحتلال، بدأ رفاقه البحث عنه. كانت الإجابة في بناية مجاورة لم يكتمل بناؤها؛ إذ عُثر على مليحة وقد فارق الحياة بعد سقوطه في حفرة مخصصة لإنشاء مصعد، خلال محاولته الابتعاد عن الجنود الذين اقتحموا المكان فجر الثلاثاء.

لم تكن تلك البناية وجهته، ولم تكن طولكرم المكان الذي اختاره ليستقر فيه. فمليحة واحد من العمال الغزيين الذين تقطعت بهم السبل في الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتحولت حياتهم من رحلة عمل إلى سنوات من المطاردة والاختباء والتنقل بين أماكن مؤقتة.

وعُثر على جثمان مليحة عقب انسحاب قوات الاحتلال من المقر الفرعي للجنة زكاة طولكرم في ضاحية ارتاح جنوب المدينة، بعد عملية اقتحام واسعة اعتقلت خلالها القوات عدداً من العمال الغزيين المقيمين في المكان، وأخضعتهم للتحقيق قبل الإفراج عن بعضهم.

يقول رئيس اتحاد نقابات عمال فلسطين، شاهر سعد، لـ«فلسطين الآن»، إن عشرة عمال من قطاع غزة كانوا يقيمون في مبنى منفصل يتبع لجنة زكاة طولكرم، موضحاً أنهم يمثلون مجموعة صغيرة من العمال الغزيين الذين ما زالوا موجودين في الضفة الغربية.

ويشير سعد إلى أن آلاف العمال الغزيين كانوا يعملون في الضفة الغربية والداخل المحتل قبل اندلاع الحرب، لكن الاحتلال لاحقهم بعد السابع من أكتوبر، واعتقل أعداداً كبيرة منهم، فيما أعاد آخرين إلى قطاع غزة، لتبقى مجموعات محدودة عالقة في الضفة الغربية، من دون استقرار أو ضمانات أو مكان دائم للإقامة.

ومع وصول قوات الاحتلال إلى مقر اللجنة، وجد العمال أنفسهم أمام مشهد اعتادوا الخوف منه: جنود، اقتحام، اعتقالات، ومكان لم يعد آمناً. حاول بعضهم الخروج والابتعاد عن القوات، بينما اختار آخرون البحث عن أماكن للاختباء.

في تلك اللحظات، سقط مليحة في حفرة المصعد.

ويقول شاهر سعد إن ما جرى يلخص الثمن الذي بات العمال الفلسطينيون يدفعونه من أجل البقاء والعمل، مضيفاً: «لقد أصبحت لقمة العيش مغمسة بالدم. زميلنا الشهيد دفع حياته ثمناً لذلك».

لكن مليحة لم يكن الوحيد الذي واجه الخوف في ذلك الصباح. أحد العمال الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال خلال الاقتحام قبل أن تفرج عنه لاحقاً، يقول لـ«فلسطين الآن» إن حياته وزملاءه منذ بدء الحرب تحولت إلى حالة دائمة من الهروب.

ويرفض العامل ذكر اسمه، لكنه يقول: «نحن لا نعيش حياة طبيعية. نشعر دائماً بأننا مطلوبون أو مطاردون. ننتقل من مكان إلى آخر، وكلما اعتقدنا أننا وجدنا مكاناً آمناً، يأتي الاحتلال ويلاحقنا».

ويضيف أن الاعتقال لم يعد تجربة استثنائية بالنسبة إليه، قائلاً إن هذه هي المرة الرابعة التي يقع فيها في قبضة قوات الاحتلال.

«هذه المرة الرابعة التي يتم اعتقالي فيها. في كل مرة نتعرض للضرب والتنكيل والتهديد بالسجن»، يقول العامل، مضيفاً أن المحققين هددوه باحتجازه في «بركسات» تضم أسرى من قطاع غزة.

ويتابع أن الحديث عن تلك الأماكن وحده كان كافياً لإثارة الخوف بين المعتقلين، في ظل ما يسمعونه عن تعرض الأسرى الغزيين فيها للتعذيب والمعاملة القاسية.

ولأن العمال الغزيين العالقين في الضفة لا يملكون غالباً مكاناً ثابتاً، فإن حياتهم اليومية تبدأ بسؤال بسيط: أين سننام الليلة؟

يقول العامل: «أحياناً نجد مكاناً في أحد المراكز العامة، وأحياناً ننام تحت درج بناية أو في مكان مفتوح. نبحث عن أي مكان نضع فيه رؤوسنا حتى الصباح».

ومع استمرار ملاحقة الاحتلال، أصبح العثور على عمل أقل صعوبة من العثور على مأوى آمن. بعض العمال يلتحقون بأعمال مؤقتة في ورش البناء أو النظافة، بينما يعيش آخرون على مساعدات محدودة، أو يتنقلون بين المؤسسات والأماكن التي تسمح لهم بالمبيت لفترة قصيرة.

وبحسب اتحاد نقابات عمال فلسطين، فقد دفع العمال الفلسطينيون ثمناً كبيراً منذ بداية الحرب، إذ فقد نحو 55 عاملاً حياتهم نتيجة إجراءات الاحتلال.

وتتنوع ظروف مقتل العمال، بين إطلاق النار المباشر، والسقوط أثناء محاولة عبور جدار الفصل، أو التعرض للملاحقة خلال التوجه إلى العمل والعودة منه.

كما سجلت النقابات العمالية نحو 38 ألف حالة اعتقال لعمال فلسطينيين منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بينهم عمال اعتقلوا من مواقع عملهم، وآخرون خلال محاولتهم الوصول إليها.

بالنسبة إلى العمال الغزيين الذين بقوا عالقين في الضفة، لم تعد المطاردة مرتبطة بمحاولة الوصول إلى العمل فقط، بل أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.

فهم يحملون معهم خوفاً من الاعتقال، وقلقاً من الترحيل، وغياباً طويلاً عن العائلات التي تركوها خلفهم في قطاع غزة، بينما يواصلون التنقل بحثاً عن مكان يقيهم الليل.

أما سعدي مليحة، فقد انتهت رحلته في لحظة هروب.

خرج بحثاً عن النجاة من اقتحام جديد، لكنه لم يتمكن من الوصول إلى مكان آمن. وبين بناية لم يكتمل بناؤها ومقر مؤقت احتمى فيه العمال، انتهت حياة رجل جاء إلى الضفة بحثاً عن العمل.

وبقي زملاؤه بعده يواصلون حياتهم على نحو يشبه الهروب المستمر؛ ينتقلون من مكان إلى آخر، ويبحثون عن مأوى جديد كلما فقدوا المكان السابق، فيما يتحول العمل، بالنسبة إليهم، من وسيلة لتأمين الحياة إلى رحلة محفوفة باحتمال ألا يعودوا منها.

المصدر: فلسطين الآن