انتقد الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي قرار المغرب و"إسرائيل" رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، معتبراً أن الخطوة جاءت في توقيت "معيب ومدان أخلاقياً"، في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والتصعيد في الأراضي الفلسطينية والمنطقة.
وقال المرزوقي، في تدوينة نشرها الجمعة، إنه يجدد محبته للمغرب الذي يعتبره "وطنه الثاني"، كما جدد دعمه لما وصفه بحق المملكة في "وحدة أراضيها" والسيادة على الصحراء، مؤكداً أن انتقاده للقرار ينطلق، بحسب قوله، من "منطلقات ثابتة وصادقة".
وأشاد الرئيس التونسي الأسبق بمواقف الملك محمد السادس تجاه تونس خلال الثورة التونسية واحتجاجات عام 2011، كما عبر عن اعتزازه بما وصفه بموقف الشعب المغربي الداعم للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
وقال المرزوقي إن هذه المواقف هي التي دفعته، وفق تعبيره، إلى إبداء رأيه في قرار رفع العلاقات مع "إسرائيل"، معتبراً أن توقيته يثير إشكالات سياسية وأخلاقية، في وقت تتواصل فيه الحرب الإسرائيلية على غزة، والتصعيد في الضفة الغربية، والانتهاكات المرتبطة بالمسجد الأقصى، فضلاً عن العمليات الإسرائيلية في لبنان وسوريا والتوترات المرتبطة بالأردن.
المرزوقي: القرار "هدية" لنتنياهو وحلفائه
وربط المرزوقي توقيت القرار بالاستحقاقات السياسية داخل "إسرائيل"، معتبراً أن رفع مستوى العلاقات المغربية الإسرائيلية في هذه المرحلة قد يمثل، من وجهة نظره، "هدية" لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزيري الأمن القومي والمالية إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
كما أشار إلى أن الخطوة تأتي في وقت شهدت فيه علاقات بعض الدول العربية والإسلامية مع إسرائيل، والتي كانت قد أقامت علاقات دبلوماسية معها في ظروف مختلفة، تراجعاً أو فتوراً، معتبراً أن السياق الإقليمي الحالي مختلف عن الظروف التي جرى فيها تبادل السفراء سابقاً.
ووصف المرزوقي القرار بأنه "مضر سياسياً بصورة ومصلحة النظام المغربي"، معتبراً أنه يمثل، بحسب تعبيره، "طعنة في ظهر شعب ينحر كل يوم أمام العالم".
وحذر كذلك من أن تعميق العلاقات مع إسرائيل قد يؤدي، وفق رؤيته، إلى زيادة الاستقطاب في المنطقة، داعياً إلى التهدئة وعدم توسيع الحضور الإسرائيلي في المنطقة المغاربية.
الرباط وتل أبيب ترفعان التمثيل إلى مستوى السفارات
وجاء موقف المرزوقي بعد إعلان المغرب وإسرائيل، في 16 أيلول/سبتمبر الجاري، اتفاقهما على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين من مكاتب اتصال إلى سفارات كاملة الصلاحيات، مع تعيين وتبادل السفراء.
وأُعلن الاتفاق عقب اجتماع ثلاثي في نيويورك جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، بحضور السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز.
وبحسب الإعلان الإسرائيلي، شملت التفاهمات أيضاً العمل على توسيع الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين واستكمال اتفاقيات اقتصادية قبل نهاية العام الجاري.
ويمثل القرار مرحلة جديدة في مسار العلاقات المغربية الإسرائيلية التي استؤنفت في كانون الأول/ديسمبر 2020، ضمن مسار "اتفاقات أبراهام" التي رعتها الولايات المتحدة.
وكانت العلاقات بين الرباط وتل أبيب قد عادت إلى الواجهة بعد سنوات من القطيعة، لتتطور لاحقاً عبر التعاون في مجالات متعددة، من بينها الاقتصاد والسياحة والأمن والدفاع، بينما ظلت البعثات الدبلوماسية في مستوى مكاتب الاتصال.
القرار يأتي رغم استمرار الحرب في غزة
ويأتي رفع مستوى العلاقات في وقت لا تزال فيه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تلقي بظلالها على العلاقات الإسرائيلية مع عدد من الدول العربية.
ومنذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، شهد المغرب احتجاجات وتظاهرات تطالب بوقف الحرب وبإنهاء العلاقات مع إسرائيل، في حين حافظت الرباط على علاقاتها الدبلوماسية مع تل أبيب، مع استمرارها في إعلان مواقف داعمة للقضية الفلسطينية والدعوة إلى وقف الحرب.
وكان المغرب قد أكد في مواقف رسمية دعمه لحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، كما يترأس الملك محمد السادس لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي.
وفي المقابل، يرى منتقدو التطبيع أن استمرار العلاقات وتوسيعها، ولا سيما في ظل الحرب على غزة، يتعارض مع الموقف الشعبي المغربي المؤيد للفلسطينيين.
خطوة تتجاوز البعد الدبلوماسي
ولا يقتصر الاتفاق المغربي الإسرائيلي الجديد على تبادل السفراء، إذ يتضمن مساراً لتوسيع التعاون الاقتصادي والنقل الجوي والزيارات الرسمية بين البلدين.
وبحسب الإعلان المتعلق بالاتفاق، يعمل الطرفان على استكمال اتفاقيات بشأن حماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي، إلى جانب توسيع الرحلات الجوية المباشرة.
ويعني ذلك أن الخطوة تمثل انتقالاً بالعلاقات من مرحلة الاتصالات الدبلوماسية إلى مستوى أكثر رسوخاً، بعد نحو ست سنوات من استئناف العلاقات.
وفي المقابل، يركز المرزوقي في اعتراضه على توقيت الخطوة وسياقها الإقليمي، ولا سيما استمرار الحرب في غزة والتصعيد الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، معتبراً أن تعميق العلاقات في هذه المرحلة يحمل تداعيات سياسية وأخلاقية على المغرب والمنطقة.
وبينما لم يغيّر القرار حتى الآن طبيعة الموقف المغربي المعلن من القضية الفلسطينية، فإنه يفتح مرحلة جديدة في العلاقات مع إسرائيل، في وقت يبقى فيه التطبيع موضوعاً حساساً داخل المغرب وعلى المستوى الإقليمي، خصوصاً مع استمرار الحرب في غزة وتداعياتها السياسية والشعبية.
