26.68°القدس
26.44°رام الله
25.16°الخليل
28.39°غزة
26.68° القدس
رام الله26.44°
الخليل25.16°
غزة28.39°
الأحد 20 سبتمبر 2026
4.07جنيه إسترليني
4.28دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.49يورو
3.04دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.07
دينار أردني4.28
جنيه مصري0.06
يورو3.49
دولار أمريكي3.04

تقارير "فلسطين الآن"..

التعليم في غزة.. عودة من بين الركام بين قهر "العصر الحجري" وتحدي الصمود

خاص-فلسطين الآن

هكذا يبدو التعليم في قطاع غزة اليوم، بلا مدارس أو فصول دراسية، بلا حتى مقاعد دراسية، حيث يجلس الطلاب على الأرض وكأنهم عادوا للعصر الحجري في زمن الذكاء الاصطناعي. يبدأ العام الدراسي الجديد بمأساة متفاقمة وسط انهيار كامل لمنظومة التعليم بعد تعمد الاحتلال تدمير المدارس والبنى التحتية بشكل ممنهج، في محاولة واضحة لجهل الجيل ومحو مستقبله.

وعلى الرغم من وطأة هذه الكارثة الإنسانية، أطلقت الجهات التعليمية مبادرات لاستئناف التعليم الوجاهي في الخيام والنقاط التعليمية والمدارس المتضررة. تأتي هذه الخطوة كجزء من معركة إثبات الوجود ومواجهة سياسة التجهيل التي يفرضها الاحتلال، حيث يسعى المعلمون والطلبة لانتزاع حقهم في التعلم من بين الركام وفي أصعب الظروف.

إن المشهد اليوم في قطاع غزة يختزل حكاية صمود أسطورية؛ فالفصول الدراسية باتت عبارة عن خيام قماشية مهترئة تفتقر لأبسط المقومات، والألواح خُطت فوق جدران متصدعة. هذا الواقع الاستثنائي يحمل في طياته تحديات بالغة التعقيد، تتراوح بين الأضرار النفسية العميقة للطلبة، وبين شح الإمكانيات والمستلزمات الدراسية الأساسية الغائبة تماماً عن الأسواق

وتتحرك الطواقم التعليمية اليوم مدفوعة بواجبها الوطني والديني لحماية عقول مئات الآلاف من الأطفال من ضياع محقق. وتؤكد التقارير الميدانية أن الإصرار الفلسطيني على إعادة إطلاق المسيرة التعليمية يمثل جبهة مقاومة بحد ذاتها، تفشل مخططات إبادة الوعي والهوية الوطنية.

تحدياً هائلاً للمنظومة الدولية والمحلية..

 

ويوضح الدكتور وجدي جودة، المسؤول في وكالة الغوث الدولية (الأونروا)، أن بدء التعليم الوجاهي في هذه الظروف الاستثنائية يمثل تحدياً هائلاً للمنظومة الدولية والمحلية على حد سواء، فالوكالة تضطر اليوم لتشغيل عشرات المدارس والنقاط التعليمية والخيام البديلة لاستيعاب آلاف الطلبة الذين حُرموا من حقهم التعليمي لسنوات، وذلك في ظل تدمير الغالبية العظمى من المنشآت المدرسية التابعة للوكالة وتحول بعضها الآخر لمراكز إيواء مكتظة بالنازحين.

وأكد جودة في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن الأونروا تواجه نقصاً حاداً وشحيحاً في الأثاث والمستلزمات التعليمية والكتب الدراسية نتيجة الحصار وإغلاق المعابر الممنهج من قبل الاحتلال. كما تعاني الطواقم التعليمية من ضغوط هائلة لمحاولة دمج الطلبة وتعويض الفاقد التعليمي الكبير ومعالجة آثار الانقطاع الطويل، توازياً مع تقديم الدعم النفسي والاجتماعي الأساسي لمساعدتهم على تخطي صدمات الحرب المستمرة.

وناشد المسؤول في وكالة الغوث المجتمع الدولي والدول المانحة بضرورة التدخل الفوري لإنقاذ المسيرة التعليمية في غزة، والضغط على الاحتلال لإدخال القرطاسية والخيام التعليمية والمقاعد.

وشدد على أن حرمان أطفال غزة من التعليم يمثل جريمة مستمرة تخالف كافة القوانين والمواثيق الدولية، مشيراً إلى أن الوكالة لن تتخلى عن دورها الإنساني والتعليمي تجاه اللاجئين رغم كل محاولات التضييق والتقليص.

غصات القهر ومشاعر الفخر.. 

 

ويعبر المواطن أبو محمد، وهو والد لثلاثة أطفال في المراحل التعليمية المختلفة، عن مزيج من غصات القهر ومشاعر الفخر وهو يرى أطفاله يمشون نحو خيام التعليم، مؤكداً أن إرسال الأبناء للدراسة لا يشبه أي عام مضى، فالطرقات وعرة ومليئة بالركام والمخاطر، والأطفال يذهبون بلا حقائب ممتلئة أو دفاتر جديدة، بل يحملون في قلوبهم خوفاً كبيراً وأحلاماً مكسورة يحاولون ترميمها.

ويشير الوالد النازح في المحافظة الوسطى بحديثه لـ"فلسطين الآن"، إلى الصعوبات البالغة التي تواجه العائلات لتوفير ثمن المواصلات أو حتى بضع أوراق يكتب عليها الأبناء، خاصة في ظل انعدام مصادر الدخل وانتشار المجاعة وسوء التغذية، مضيفاً إلى أن جلوس الأطفال على الحصائر والرمال داخل خيام حارة جداً في الصيف وباردة في الشتاء يدمي القلوب، لكن البديل وهو الجهل والتجهيل يعد أكثر مرارة وقسوة على مستقبلهم.

ويرى أبو محمد أن عودة التعليم الوجاهي، رغم بؤس المشهد وتواضع الإمكانيات، هي صرخة تحدٍ في وجه الاحتلال الذي أراد تحويل غزة إلى بقعة غير قابلة للحياة، مؤكداً على أن العائلات الفلسطينية مستعدة للتضحية بكل ما تملك لضمان عدم ضياع مستقبل أبنائها، معتبراً أن الدفتر والقلم هما سلاح آخر يرفعه الفلسطيني للحفاظ على هويته ووجوده فوق هذه الأرض. 

فرحة ناقصة..

 

وتتحدث الطالبة لانا بملامح طفولية نضجت قبل أوانها بفعل الحرب، واصفةً شعورها في اليوم الأول لعودتها إلى الدراسة الوجاهية بأنه يحمل فرحة ناقصة، وتقول إنها اشتاقت كثيراً لصديقاتها ولفصلها الدراسي القديم ومقعدها الخشبي، لكنها صدمت عندما التقت بزميلاتها داخل خيمة ضيقة، حيث يجلسن جميعاً على الأرض بلا طاولات وبلا كتب دراسية مطبوعة.

وتصف لانا في حديثها لـ"فلسطين الآن"، الصعوبة الكبيرة التي تواجهها في التركيز أثناء الحصص الدراسية نتيجة الاكتظاظ الشديد والأصوات المرتفعة المحيطة بالخيمة التعليمية، بالإضافة إلى حرارة الجو المرتفعة.

وتبين أن انقطاعها عن التعليم لعدة سنوات جعلها تشعر بصعوبة في استذكار الدروس الأساسية، مما يتطلب منها ومن معلماتها جهداً مضاعفاً لتعويض ما فاتها من مواد تعليمية مهمة.

وتختتم الطالبة حديثها بالإعراب عن أملها في أن تنتهي هذه المعاناة قريباً، وتتحقق أمنيتها البسيطة بالعودة إلى مدرسة حقيقية لها جدران وسقف يحميها، مؤكدة أنها ورغم كل التدمير المحيط بها، مصممة على مواصلة تعليمها والنجاح لتصبح طبيبة في المستقبل تداوي جراح أبناء شعبها، مشددة على أن الخيمة لن تمنعها من الحلم ومن تحقيق طموحها.

 
المصدر: فلسطين الآن