تتجه أجزاء من المنظومة الصحية والإنسانية في قطاع غزة إلى مزيد من التراجع المتسارع، مع اضطرار مؤسسات دولية وإنسانية إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتقليص بعض خدماتها تحت ضغط نقص التمويل الحاد وشح الإمدادات.
ويأتي هذا التدهور الخطير في وقت لم يعد فيه القطاع المنهك أساساً قادراً على تحمل خسارة أي مرفق صحي أو خدمة إغاثية إضافية، وسط تفاقم الأزمات الإنسانية وتفشي الأمراض والأوبئة بين مئات الآلاف من النازحين.
وفي هذا السياق الكارثي، تلقى عدد من المراكز الصحية والطبية غير الحكومية والأهلية في قطاع غزة إشعارات رسمية تفيد بتوقف إمدادات الوقود التي توفرها منظمة الصحة العالمية لها بعد تاريخ 19 سبتمبر الجاري، ويشكل هذا القرار ضربة قاضية لما تبقى من الملاذات الطبية التي تكافح لإنقاذ حياة الجرحى والمرضى، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الشلل التام الذي يهدد مئات الآلاف من المواطنين بحرمانهم من أدنى مقومات الرعاية الصحية المنقذة للحياة.
إن انقطاع السولار عن هذه المنشآت لا يعني مجرد انطفاء المصابيح أو توقف المصاعد، بل يترجم فوراً إلى توقف غرف العمليات الجراحية، وإغلاق وحدات العناية المركزة، وانقطاع الأكسجين عن الأطفال الخدج في الحواضن، فضلاً عن توقف محطات توليد الأكسجين وتوقف خدمات غسيل الكلى وسيارات الإسعاف. هذا الواقع المستجد يتزامن مع نقص فادح في زيوت المولدات الكهربائية وقطع الغيار اللازمة للصيانة، مما يحكم بالإعدام الفعلي على المنظومة الطبية بأكملها.
وأمام هذا التراجع الإنساني المخيف، ترفع الطواقم الأهلية والحكومية صرختها الأخيرة قبل فوات الأوان. وبحسب متابعة ميدانية فإن تعليق الإمدادات سيلقي بظلاله السوداء على أكثر من 20 مستشفى ومركزاً صحياً أهلياً، مما يضع المجتمع الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية وتاريخية مباشرة لوقف هذه الكارثة المروعة ومنع الانهيار الكامل.
حكماً بالإعدام المباشر..
ويؤكد الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي، أن قرار منظمة الصحة العالمية بوقف إمدادات السولار عن أكثر من 20 مستشفى ومركزاً صحياً تابعاً للقطاع الأهلي والخيري اعتباراً من 19 سبتمبر الجاري، يمثل حكماً بالإعدام المباشر على آلاف المرضى والجرحى، موضحاً أن الأزمة تأتي في وقت تعاني فيه كافة المرافق من شح حاد في الوقود والزيوت والمستهلكات الطبية، فضلاً عن القيود المشددة التي يفرضها الاحتلال على المعابر لمنع إدخال قطع غيار المولدات والإطارات لسيارات الإسعاف.
وأشار أبو سليمة في حديثه لـ"فلسطين الآن"، إلى أن الكميات المحدودة جداً التي كانت تدخل عبر المؤسسات الدولية بالكاد تبقي الحد الأدنى من الأقسام الحيوية على قيد الحياة، ومع توقف هذا الإمداد الشرياني، ستتوقف فوراً خدمات غسيل الكلى، وحواضن الأطفال، ومحطات الأكسجين، إضافة إلى غرف العمليات والعنايات المركزة، مما ينذر بكارثة صحية وإنسانية غير مسبوقة وتصاعد متسارع في أعداد الوفيات بين الحالات الحرجة والمصابين.
ويوجه أبو سلمية نداء استغاثة عاجل ومباشر إلى منظمة الصحة العالمية ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بضرورة التراجع الفوري عن هذا القرار الخطير وعدم التذرع بنقص التمويل، مشدداً على أن تخلّي المنظمات الدولية عن مسؤولياتها الإنسانية في هذا التوقيت الحرج يعد تساوقاً غير مباشر مع سياسة الاحتلال الرامية لإبادة القطاع الصحي وإخراج ما تبقى من مستشفيات غزة عن الخدمة بشكل نهائي.
انهياراً شاملاً..
بدوره أوضح الدكتور محمد أبو عفش، رئيس جمعية الإغاثة الطبية في قطاع غزة، أن المراكز الطبية والمستشفيات الأهلية تلقت إشعارات رسمية وصادمة من منظمة الصحة العالمية تبلغها بقطع إمدادات وقود الديزل، مشيراً إلى أن هذا الإجراء سيعطل بشكل مباشر العمل في 13 مستشفى و7 مراكز صحية حيوية تقدم خدمات تخصصية وطارئة لآلاف المواطنين والنازحين يومياً، والذين يعتمدون بشكل كلي على المولدات الكهربائية بعد تدمير الاحتلال الكامل لشبكات الكهرباء ومنظومات الطاقة الشمسية.
وأضاف الدكتور أبو عفش في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن جمعية الإغاثة الطبية والمؤسسات الشريكة تكافح في ظروف بالغة القسوة والتعقيد لتأمين بدائل، إلا أن الأسواق المحلية تفتقر تماماً للوقود والزيوت جراء إغلاق المعابر والحصار المشدد المستمر، محذراً من أن توقف مولدات هذه المراكز يعني حرمان الفئات الهشة، وخاصة أصحاب الأمراض المزمنة، والنساء الحوامل، ومبتوري الأطراف، من المتابعة الطبية والعلاجات الأساسية، مما سيؤدي إلى تفاقم حالتهم المرضية وتهديد حياتهم بشكل مباشر.
وطالب رئيس جمعية الإغاثة الطبية كافة الجهات المانحة والمجتمع الدولي بالتدخل الفوري والضغط لإعادة ترتيب أولويات التمويل الإنساني وتوجيهه نحو دعم القطاع الصحي الأهلـي.
وأكد أن التراجع عن قرار وقف الوقود يجب أن يكون على رأس أولويات المنظمات الأممية، فالمراكز الأهلية تمثل خط الدفاع الأخير في المنظومة الطبية المتهالكة، وخسارتها تعني انهياراً شاملاً لكل ما يقدم من خدمات إغاثية وعلاجية في غزة المنكوبة.
