تتخذ الحملات الانتخابية في كيان الاحتلال الإسرائيلي مساراً تصعيدياً دموياً، حيث يتحول قطاع غزة المحاصر وأشلاء أبنائه إلى الوقود الأساسي المشتعل في منظومة الدعاية الحزبية الصهيونية، وفي هذا السياق، يعمد رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، برفقة أقطاب ائتلافه الحاكم من اليمين الفاشي المتطرف، إلى توظيف استمرار العمليات العسكرية وفرض السيطرة الميدانية الغاشمة كأوراق ضغط سياسية رابحة، مستعرضين صور "الحسم العسكري والنصر الموهوم" لاستقطاب أصوات الناخبين المتعطشين للدم وضمان رضا الشركاء المتطرفين في الحكومة، مما يعكس مدى عمق الجريمة الإنسانية المرتكبة بأيديولوجية صهيونية قائمة على الإبادة.
وفي المقابل، لم تكن أحزاب المعارضة الصهيونية ببدعٍ من هذا التطرف، بل انخرطت آلتها الإعلامية والدعائية في ذات المستنقع الدموي عبر تبني خطابات أكثر فاشية وتشدداً تجاه قطاع غزة المنهك، متهمةً حكومة نتنياهو بالفشل والعجز عن تحقيق أهداف الحرب كاملة.
وتسعى المعارضة عبر هذا التباري الإجرامي إلى المزايدة علناً على حجم الدمار والحصار المفروض على المدنيين العزل، متخذةً من الدعوات لتشديد الخناق وشن عمليات أكثر فتكاً وسيلة لكسب مقاعد إضافية في "الكنيست"، مما يؤكد تفشي عقلية القتل الجماعي في كافة مفاصل المجتمع والسياسة الإسرائيلية دون استثناء.
هذا الواقع السياسي المعقد يضع قطاع غزة والملف الإنساني في صلب التنافس الحزبي الداخلي في إسرائيل، حيث تتأثر مسارات التهدئة وفرص استقرار المنطقة بشكل مباشر بطبيعة التحالفات والتوجهات السياسية للأطراف المتنافسة.
وتوضح القراءات السياسية أن إدارة الملفات الأمنية والعسكرية باتت ترتبط بشكل وثيق بالمواعيد الانتخابية واستطلاعات الرأي العام، مما يجعل من الصعب فصل التطورات الميدانية عن المشهد السياسي الحزبي داخل إسرائيل.
وفي إطار متابعة هذه القضية وتفكيك أبعادها المختلفة، يركز هذا التقرير على رصد وتحليل التأثيرات المباشرة للحملات الانتخابية على الوضع الراهن ومستقبل الجهود الدبلوماسية، مستنداً إلى قراءات تحليلية يقدمها خبراء ومختصون في الشأن الإسرائيلي لتوضيح السيناريوهات المتوقعة وانعكاساتها على المنطقة.
منظومة الدعاية الحزبية..
ويرى الباحث والمختص في الشأن الإسرائيلي، الأستاذ محمد البحيصي، أن الساحة السياسية الإسرائيلية تشهد توظيفاً مكثفاً للملفات الأمنية والعسكرية لخدمة الأهداف الانتخابية للأحزاب المختلفة، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يسعى من خلال التركيز على السيطرة الميدانية واستمرار العمليات العسكرية إلى تقديم صورة حازمة للناخب اليميني، تضمن الحفاظ على تماسك الائتلاف الحاكم وضمان دعمه في مواجهة التحديات السياسية والقانونية التي تحيط به.
وأوضح البحيصي في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن الائتلاف الحكومي الحالي يعتمد على إبراز العمليات العسكرية كإنجازات إستراتيجية تهدف إلى تحقيق الأمن الكامل، وهو خطاب يلقى قبولاً لدى أوساط واسعة من الشارع الإسرائيلي الذي يميل نحو الطروحات اليمينية، هذا التوجه يجعل من الصعب اتخاذ قرارات بتقديم تنازلات في مفاوضات التهدئة، نظراً لأن أي تراجع قد يُفسر من قبل الشركاء المتطرفين في الحكومة كضعف، مما قد يهدد استقرار الحكومة برمتها.
وأشار المختص في الشأن الإسرائيلي إلى أن أحزاب المعارضة، بدلاً من تقديم بدائل سياسية مختلفة تماماً، تتبنى في كثير من الأحيان خطابات تتسم بالتشدد الأمني لانتقاد أداء الحكومة الحالية، ويهدف هذا السلوك إلى سحب البساط من تحت أقدام الائتلاف الحاكم عبر إظهار الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، ومحاولة كسب أصوات الناخبين من وسط ويمين الخريطة السياسية عبر المطالبة بقرارات أكثر حزماً.
ويخلص البحيصي في قراءته إلى أن هذا التنافس الحزبي يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة الإنسانية والأمنية في قطاع غزة، حيث تصبح القرارات المتعلقة بالمعابر والمساعدات والتهدئة مرتبطة بالحسابات السياسية الداخلية، ويؤكد أن الفترات التي تسبق الانتخابات عادة ما تشهد تصعيداً في المواقف الرسمية والحزبية، مما يقلل من فرص الوصول إلى حلول دبلوماسية قريبة.
ملف غزة أداة رئيسية في الدعاية الانتخابية..
بدوره أكد الخبير في الشؤون الإسرائيلية، الأستاذ محمد أحمد، أن البنية الحزبية والسياسية في إسرائيل تعتمد بشكل تقليدي على الملف الأمني كأداة رئيسية في الدعاية الانتخابية وكسب ثقة الناخبين، مبيناً أن المشهد الميداني الحالي في قطاع غزة يتم استغلاله بشكل واسع في المقاطع الدعائية والخطابات السياسية للأحزاب، حيث يسعى كل طرف لإثبات قدرته على إدارة الصراع وتحقيق الردع الأمني.
ويضيف أحمد في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن الإستراتيجية الإعلامية للائتلاف الحكومي تركز على ربط وقف إطلاق النار بتحقيق شروط محددة تضمن عدم تكرار التهديدات الأمنية، وهو ما يضع ضغوطاً كبيرة على المعارضة، مبيناً أن هذا الوضع يدفع قادة المعارضة إلى اتخاذ مواقف متشددة لتجنب اتهامهم بالتهاون في القضايا الأمنية، مما يؤدي في النهاية إلى وجود إجماع عام داخل المنظومة السياسية الإسرائيلية على استمرار الضغط العسكري.
وأشار الخبير في الشؤون الإسرائيلية، إلى أن الإجراءات المتعلقة بالحصار وتشديد القيود الاقتصادية والإنسانية على قطاع غزة تتحول في مواسم الانتخابات إلى برامج معلنة تتباهى الأحزاب بتطبيقها، وترى هذه القوى السياسية أن إظهار الصرامة في التعامل مع الملف الإنساني يمثل وسيلة فعالة لاستقطاب الأصوات، مما يؤثر سلباً على الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى تحسين الأوضاع المعيشية للسكان.
وينبه أحمد في ختام حديثه إلى أن الاعتماد على حدوث تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية تجاه قطاع غزة في حال تغيرت الحكومة قد يكون غيراً دقيق، نظراً لأن الخطوط العريضة للسياسة الأمنية تحظى بتوافق واسع بين مختلف التيارات السياسية الكبرى، مشدداً على أن التنافس السياسي الداخلي سيظل عاملاً مؤثراً في استمرار التصعيد، طالما ظل الملف الأمني هو المعيار الأساسي للنجاح الانتخابي في إسرائيل.
