25.01°القدس
24.77°رام الله
23.96°الخليل
28.86°غزة
25.01° القدس
رام الله24.77°
الخليل23.96°
غزة28.86°
الثلاثاء 22 سبتمبر 2026
4.03جنيه إسترليني
4.25دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.46يورو
3.01دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.03
دينار أردني4.25
جنيه مصري0.06
يورو3.46
دولار أمريكي3.01

تقارير "فلسطين الآن"..

غزة تحت مقصلة الجوع.. قرارات التقليص الدولية تُعمّق الكارثة الإنسانية

خاص-فلسطين الآن

تتجه أجزاء واسعة من المنظومة الإنسانية والإغاثية في قطاع غزة إلى مزيد من التراجع الحاد والخطير بنسبة فاقت النصف، مع اضطرار مؤسسات دولية وأممية وعلى رأسها برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية إلى تقليص خدماتها وقطع شريان الإمدادات الإنسانية تحت ذريعة نقص التمويل والضغوط السياسية.

يأتي هذا التخلي الدولي المريب في وقت لم يعد فيه القطاع المنهك قادراً على تحمل خسارة أي حصة غذائية أو طرد إغاثي إضافي، وسط مجاعة صامتة تنهش أجساد النازحين وتفاقم معاناتهم اليومية بشكل لا يمكن للغة وصفه.

وتتفاقم المأساة الكارثية مع تراجع تدفق شاحنات الإغاثة الرسمية، مما خلق مفارقة قاسية وصادمة داخل الأسواق؛ فالسلع التجارية المعروضة بأسعار خيالية وجنونية تظل بعيدة المنال لعائلات فقدت مصادر دخلها بالكامل، حيث يعجز السواد الأعظم من أهل قطاع غزة عن شراء أدنى مقومات الغذاء والدواء، بعد أن بلغت نسبة الذين يفتقدون القدرة الشرائية تماماً أكثر من 90% من السكان، ما جعل ملايين المواطنين الرازحين تحت وطأة الحرب والحصار يعتمدون بشكل كلي وحصري على ما تجود به المنظمات الدولية والمطابخ المجتمعية للبقاء على قيد الحياة.

إن هذا الإجراء الأممي القاضي بخفض الحصص الغذائية والمساعدات النقدية إلى النصف، وحرمان نحو 400 ألف إنسان دفعة واحدة من حقهم الأساسي في الطعام، يمثل حكماً بالإعدام الجماعي البطيء على مجتمع نازح يفتقر للمأوى الآمن.

وتتزامن هذه المقتلة الإنسانية مع دخول فصل جديد من المعاناة مع تهالك أكثر من 60% من خيام النازحين التي أصبحت بالية وغير صالحة للاستخدام، مما ينذر بكارثة مضاعفة تجمع بين فكي كماشة الجوع القاتل والبرد القارس الغائب عن اهتمام الضمير العالمي.

وأمام هذا الانحدار السريع نحو قاع الكارثة البشرية، ترصد "فلسطين الآن"، صرخات استغاثة متواصلة تطلقها العائلات المنكوبة داخل الخيام ومراكز الإيواء المتصدعة.

وفي هذا التقرير المميز والمعمق، نسلط الضوء على أبعاد هذه المؤامرة الإنسانية التي تستهدف كسر إرادة الصمود الفلسطيني عبر سلاح التجويع المنظم، مستمعين لشهادات حية من الميدان الحكومي والأهلي والشعبي لتفكيك تفاصيل الأزمة المروعة.

إبادة شعب بأكمله جوعاً..

وأوضح رئيس إحدى الجمعيات المجتمعية بغزة، والمتخصصة في تقديم المساعدات والوجبات الساخنة بغزة، أن الجمعيات المحلية والمطابخ المجتمعية تلقت بصدمة بالغة قرارات التقليص الدولية التي اتخذتها وكالات الأمم المتحدة وعلى رأسها برنامج الأغذية العالمي.

وأكد (م.ع)، في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن الجمعيات الأهلية كانت تعتمد بشكل أساسي على الشراكات الدولية لتأمين المواد الخام والدقيق والمستهلكات اللازمة لتشغيل التكايا ومراكز التوزيع اليومية، مما أدى فوراً إلى تراجع قدرة هذه الجمعيات على تلبية حد الكفاف لآلاف الأسر النازحة التي تصطف في طوابير طويلة بحثاً عن لقمة عيش.

ويشير المسؤول الأهلي إلى أن حجم الاحتياج في مراكز النزوح والمخيمات المكتظة يتضاعف بشكل مرعب يومياً، في حين تراجعت الحصص المستلمة من المؤسسات الدولية إلى أقل من نصف الكمية السابقة، مبيناً أن هذا النقص الحاد أجبر المؤسسات الأهلية على اتخاذ قرارات مؤلمة، مثل تقليص عدد الوجبات الساخنة وتوزيع الطرود الغذائية على فترات متباعدة جداً، واستهداف الحالات الأكثر هشاشة كالأطفال المصابين بسوء التغذية والنساء الحوامل فقط، مما يترك مئات الآلاف من العائلات دون أي سند غذائي حقيقي.

وحذر رئيس الجمعية الإغاثية من أن تفريغ الساحة الإغاثية من الدعم الدولي بالتزامن مع إغلاق المعابر يمثل تشديداً متعمداً لحلقة التجويع وهندسة الحرمان الصهيونية، مناشداً الأمة العربية والإسلامية والمؤسسات الخيرية الحرة حول العالم بضرورة التدخل الفوري لتمويل وإسناد الجمعيات الأهلية داخل القطاع بشكل مباشر عبر قنوات بديلة، مؤكداً أن خط الدفاع الإنساني الأخير يوشك على الانهيار تماماً، وأن الصمت على هذه الجريمة يعني المشاركة في إبادة شعب بأكمله جوعاً وعطشاً.

جريمة سياسية مغلفة..

بدوره أكد الدكتور إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، أن إعلان المؤسسات الدولية وفي مقدمتها برنامج الأغذية العالمي تقليص المساعدات الإنسانية بنسبة ضخمة يمثل جريمة سياسية مغلفة بأعذار تمويلية واهية، موضحاً أن المعطيات الرسمية المسجلة لدى الطواقم الحكومية تؤكد هبوط أعداد المستفيدين من مساعدات البرنامج من 1.5 مليون إنسان إلى 1.1 مليون فقط، مما يعني حرمان 400 ألف مواطن فلسطيني بشكل مباشر وفوري من حقهم الطبيعي والأساسي في الغذاء.

ويبين الثوابتة في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن هذه التقليصات الحادة طالت أيضاً الوجبات الساخنة التي انخفضت من 250 ألف وجبة يومياً إلى 150 ألف وجبة فقط، إلى جانب خفض منظمة الصحة العالمية لخدماتها ودعم الوقود الموجه للمستشفيات وسيارات النقل الطبي.

ويتهم المدير العام للمكتب الإعلامي أطرافاً دولية صريحة بممارسة الابتزاز والضغوط السياسية القذرة نيابة عن الاحتلال الصهيوني، مستخدمين لقمة عيش الأطفال والنازحين ووقود الحواضن الطبية كأوراق ضغط لفرض إملاءات ومخططات استسلام ترفضها المقاومة والشعب الفلسطيني جملة وتفصيلاً.

ويطالب المسؤول الحكومي المجتمع الدولي والأمم المتحدة بالوقوف عند مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية الملزمة، والوقف الفوري لهذه المهزلة التي تنذر بوقوع كارثة إنسانية غير مسبوقة في التاريخ الحديث.

وشدد الثوابتة على ضرورة فتح جميع المعابر البرية وتدفق قوافل المساعدات الغذائية والصحية ومواد الإيواء والخيام دون قيود أو شروط، مؤكداً أن غزة لن تركع أمام سياسة التجويع، وأن الإصرار الفلسطيني على الحياة سيفشل كل مؤامرات الشطب والتهجير والإبادة الجماعية.

الطرود تأتي فارغة..

من جانبه، يتحدث المواطن أبو أحمد، وهو رب أسرة مكونة من ثمانية أفراد يعيشون داخل خيمة قماشية متهالكة في المحافظة الوسطى، واصفاً واقعهم المعيشي بأنه يقترب من الهلاك الحتمي، ويقول إن العائلة لم تدخل بيتها أو تتناول وجبة طعام طبيعية منذ أشهر طويلة، وكان الاعتماد الكامل طوال الفترة الماضية على الكوبونات الغذائية وبعض المعلبات الموزعة دولياً، إلا أن انقطاع هذه المساعدات وتقليصها إلى النصف جعل الطرود تأتي فارغة أو تتأخر لأسابيع طويلة، مما يدفع الأطفال للنوم بأمعاء خاوية.

ويشير الوالد المكلوم بحسرة في حديثه لـ"فلسطين الآن"، إلى الأسواق القريبة من مكان نزوحه، مؤكداً أن رؤية البضائع والخضراوات المعروضة على البسطات أصبحت تمثل عذاباً نفسياً يومياً له ولأبنائه، مضيفاً أنه فقد عمله ومصدر رزقه بالكامل منذ اليوم الأول للعدوان، ولا يملك شيكلاً واحداً لشراء كيلوغرام واحد من الطماطم أو اللحم التي تباع بأسعار فلكية تفوق قدرة أي عاطل عن العمل، مما يثبت أن وفرة السلع في السوق هي مجرد وهم وخديعة بصرية تخفي خلفها عجزاً تاماً وقصراً شرائياً مطلقاً يفتك بالنازحين.

ويختم أبو أحمد شهادته بالقول إن الخيمة التي تستر عائلته أصبحت بالية وممزقة تحت أشعة الشمس، ومع تقليص برامج الإغاثة والمساعدات النقدية يشعر النازحون بأن العالم بأسره قد تآمر وتخلى عنهم ليترعهم للموت البطيء.

ويؤكد أن كرامة العائلات الفلسطينية تُهدر يومياً في طوابير المياه والتكايا بحثاً عن بضع لقيمات، موجهاً عتبه الحار وصوته المخنوق لكل مسلم وعربي يشاهد بطون أطفال غزة الخاوية وهي تئن تحت وطأة الجوع والحصار الحاقد دون أن يحرك ساكناً لإنقاذهم.

 

المصدر: فلسطين الآن