اعتُبرت هولندا لعقود كثيرة من أقرب حلفاء الاحتلال في أوروبا؛ يتساءل الإسرائيليون: كيف تدهورت العلاقات، وماذا ينتظرهم بعد أن يصلون إلى مطاراتها، وما الذي تغيّر في الرأي العام والسياسة في لاهاي، وهل ستنضم دول أخرى إلى قائمة الدول الضاغطة على الاحتلال.
ذكر إيتمار آيخنر، المراسل السياسي لصحيفة يديعوت أحرونوت، أن "أي إسرائيلي وصل مؤخرًا إلى مطار أمستردام قادمًا من مطار بن غوريون واجه سؤالًا لم يُطرح من قبل: هل توجد منتجات من مستوطنات الضفة الغربية أو شرقي القدس أو هضبة الجولان في حقيبته، وهذا السؤال يحمل تجاوزًا للخطوط الحمراء في العلاقات مع دولة كانت تُعتبر من أقرب حلفاء إسرائيل في أوروبا لعقود طويلة".
مؤشرات التغيير
وأضاف أن "المواجهة الحالية بشأن الحقائب ليست سوى أحدث مؤشر على تغيير أعمق بكثير، ففي أقل من ثلاث سنوات، تحوّلت هولندا من دولة حافظت، حتى في ظل الانتقادات، على موقف مؤيد لإسرائيل نسبيًا، إلى واحدة من أبرز الدول في أوروبا في دعم الخطوات العملية ضد سياستها في الأراضي المحتلة، وقد نشأ هذا التغيير نتيجةً لتضافر عدة عوامل، منها الحرب في غزة، وتزايد الانتقادات في الرأي العام، ونفوذ النخبة المهنية في وزارة الخارجية الهولندية، والنظام السياسي الجديد في لاهاي".
وأشار أن "ما حدث يتعلق بما حصل في 22 أيلول / سبتمبر ، حين دخل حيز التنفيذ في هولندا أمرٌ يحظر استيراد وشراء وبيع وتسويق المنتجات القادمة مما تُعرّفه بـ"المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية" في الضفة الغربية وشرقي القدس وهضبة الجولان، ويسري هذا الأمر حاليًا لمدة ثلاث سنوات، ويُعتبر انتهاكه جريمة جنائية، وقررت هولندا التحرك منفردةً بعد فشلها بالتوصل لتوافق في الآراء داخل الاتحاد الأوروبي بشأن خطة عمل مشتركة، لأن القرارات الهامة في مجال السياسة الخارجية تتطلب دعمًا واسعًا من الدول الأعضاء الـ27".
وأكد أنه "عندما لم يتحقق ذلك، قررت لاهاي اللجوء للمسار المحلي، لأن الجانب غير المألوف أن التفتيش لا يقتصر على الشركات والمستوردين فقط، فوفقًا لتوجيهات الجمارك الهولندية، يسري الحظر أيضًا على المنتجات الموجودة في الأمتعة الشخصية للمسافرين، بما فيها الهدايا والتذكارات والمنتجات للاستخدام الشخصي، وبعد أيام قليلة من دخول القرار حيز التنفيذ، أفاد مسافرون وصلوا مطار سخيبول قادمين من تل أبيب أنهم سُئلوا خلال عمليات التفتيش الجمركي عما إذا كانوا يحملون منتجات من الأراضي الفلسطينية المحتلة".
وأضاف أن "إسرائيل ردّت سريعًا، حيث أعلن وزير الخارجية جدعون ساعر أن الدبلوماسيين الهولنديين العاملين لدى السلطة الفلسطينية في رام الله، وبعضهم يقيم فعليًا في إسرائيل، سيُطلب منهم إعادة الوثائق الدبلوماسية الصادرة لهم في إسرائيل، وبنهاية هذه المدة، ستنتهي الحصانات والحقوق الممنوحة لهم، وإذا رغبت هولندا بمواصلة تمثيل مصالحها لدى الفلسطينيين، فيمكنها القيام بذلك من أراضيهم، وليس من داخل إسرائيل".
إهانة الدبلوماسيين
ونقل عن "وزير الخارجية الهولندي توم بريندسن أنه يأسف للقرار الإسرائيلي، لأنه غير ضروري، ووفقًا له، فإن حظر منتجات المستوطنات ليس موجهًا ضد إسرائيل، بل ينبع من التزام هولندا بعدم المساهمة في وضع يتعارض مع القانون الدولي".
وأكد أن "الصدام الدبلوماسي لم يتوقف عند هذا الحد، فقد تلقى السفير الإسرائيلي لدى هولندا، تسيفي فافيني، إشعارًا باستدعائه للمثول أمام وزارة الخارجية الهولندية للتوبيخ، على خلفية الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل ردًا على هذه الخطوة، وتمثلت إلغاء الوثائق الدبلوماسية للبعثة الهولندية في رام الله، كما تعتزم لاهاي الاحتجاج على الخطوة الإسرائيلية السابقة بإخراج ممثليها من مركز التنسيق الدولي لغزة في كريات جات".
وأوضح أن "هولندا كانت من أقرب حلفاء إسرائيل موثوقية في أوروبا الغربية، وخلال حرب أكتوبر 1973، كانت من الدول التي ساعدتها، وسمحت باستخدام أراضيها لتلبية احتياجات الجسر الجوي الأمريكي، وبعد أن قطع الاتحاد السوفيتي علاقاته بإسرائيل في أعقاب حرب 1967، مثّلت هولندا المصالح الإسرائيلية في موسكو لسنوات، حتى عام 1980، احتفظت بسفارة في القدس".
وأشار أنه "خلال فترة مارك روته الطويلة رئيسا للوزراء، وامتدت 14 عامًا، حافظت الدولتان على علاقات وثيقة، لكن التغيير لم يبدأ بعد السابع من أكتوبر 2023 فقط، فمنذ 15 عامًا، ظهر اتجاه حرج متزايد داخل وزارة الخارجية الهولندية، بتحذير الشركات من ممارسة أنشطة اقتصادية في المستوطنات، مما دفع إسرائيل لمتابعة هذا التوجه الذي بات أكثر حدة، فلسنوات، برزت فجوة بين النظام السياسي الذي حافظ على علاقات وثيقة نسبيًا مع إسرائيل، والأوساط المهنية التي أولت أهمية أكبر لقضايا القانون الدولي وحقوق الإنسان".
وأكد أنه "في الأشهر الأولى التي أعقبت السابع من أكتوبر، ظهر تأييد واسع نسبيًا في هولندا لحق إسرائيل في قتال حماس بنسبة 68 بالمئة، ولكن مع مرور الوقت، اعتقد 48 بالمئة أن الرد الإسرائيلي غير متناسب، وتزايدت الانتقادات للطريقة التي أدارتها إسرائيل الحرب، ومع استمرارها، مالت الكفة نحو الانتقادات، ففي أبريل 2025، أعرب أكثر من نصف المشاركين في الاستطلاع عن رغبتهم بأن تكون هولندا أكثر انتقادًا لإسرائيل".
تأثير حرب غزة
وأشار أن "الحرب في غزة غيّرت بيئة صنع القرار في هولندا، يضاف إليها توسع المستوطنات، والترويج لخطة E1، وتزايد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، مما زاد الضغط السياسي للتحرك، وباتت حادثة واحدة في الضفة الغربية تُنظر إليها الآن في أوروبا في سياق أوسع بكثير، وقد شارك موظفو وزارة الخارجية الهولندية ودبلوماسيون سابقون في احتجاجات ضد سياسة الحكومة، لأنها لا تمارس ضغطًا كافيًا على إسرائيل".
واعتبر أن "وزير الخارجية السابق كاسبار فيلدكامب يعتبر رمزًا للانتقال من السخط إلى الإجراءات الدبلوماسية، وحثّ الاتحاد الأوروبي على دراسة ما إذا كانت إسرائيل تنتهك بند حقوق الإنسان في اتفاقية الشراكة معها، وروّج لحظر دخول الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش لهولندا، وتوسيع نطاق الإجراءات ضد إسرائيل، لكنه استقال بعد فشله في الحصول على دعم الحكومة لفرض عقوبات إضافية".
وأكد أن "الذي تغير في الحكومة الجديدة جاء في فبراير 2026، حيث أدت حكومة الأقلية برئاسة روب إيتان، زعيم حزب D66 الليبرالي التقدمي، اليمين الدستورية، ويضم الائتلاف الحاكم بجانبها حزب VVD من يمين الوسط، الحزب السابق لمارك روته، وحزب CDA الديمقراطي المسيحي، الذي ينتمي إليه وزير الخارجية توم بريندان، ولأن الحكومة لا تتمتع بالأغلبية، فإنها تضطر لحشد دعم المعارضة لتمرير القرارات".
واعتبر أن "هذا الاعتماد يدفع الحكومة الهولندية لمراعاة التيار اليساري، لأن حزب D66 يدرس إمكانية تشكيل ائتلاف أكثر ميلًا لليسار مستقبلًا، ولذا فهو حريص على عدم النأي بنفسه عن الأحزاب التقدمية في القضايا التي تمارس عليها ضغوطًا، وإسرائيل من أبرزها، لاسيما وأن لاهاي تضم مقر محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وهما مؤسستان تعززان مكانة القانون الدولي في الخطاب العام والسياسي للبلاد".
صعود اليسار
وأكد أن "هولندا لم تتحول بين عشية وضحاها من دولة مؤيدة لإسرائيل إلى معادية لها، بل إن ما تغير هو استعداد الحكومة لتحويل انتقادات السياسة الإسرائيلية إلى خطوات ملموسة، ويرتبط بهذا ضغط داخلي، ففيها جالية مسلمة كبيرة، وتيار يساري تقدمي قوي جعل في السنوات الأخيرة الحرب في غزة، والأحداث الجارية في الضفة الغربية قضايا محورية في الخطاب العام، فضلا عن انقسام اليمين الهولندي".
ونقل عن "رئيس الوزراء السابق ديك سكوبف بأن الضغط الشعبي في هولندا يُضيّق نطاق تحرك الحكومة بشأن إسرائيل، مما قد يعني أن الهولنديين حقًا ضد إسرائيل، رغم أن لديهم جاليات مسيحية كبيرة مؤيدة ومنظمات صداقة، وجماعات سياسية تدعم علاقات وثيقة معها، مع وجود منظمات حقوق الإنسان، وقطاعات من الأوساط الأكاديمية والإعلامية، وأحزاب يسارية، وجالية مسلمة كبيرة، تمارس ضغوطًا في الاتجاه المعاكس".
