لم يعد السجال الدائر في الساحة الفلسطينية مجرد خلاف على الموقف من المقاومة أو على طريقة إدارة الصراع مع الاحتلال، بل أصبح صراعًا على الشرعية نفسها، وعلى من يملك حق قيادة المرحلة المقبلة، ومن يملك القدرة على التأثير في خيارات الشعب الفلسطيني.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، تبدو الساحة الفلسطينية أمام مرحلة سياسية شديدة الحساسية، خصوصًا أن السلطة الفلسطينية وحركة فتح تواجهان أسئلة صعبة حول أدائهما السياسي خلال السنوات الماضية، وحول إدارة العلاقة مع قطاع غزة، وحول مواقفهما أثناء الحرب، إضافة إلى ملفات الفساد والشفافية وأداء مؤسسات السلطة.
ومن هنا، يرى منتقدو السلطة أن تصاعد الحملات الإعلامية التي تستهدف المقاومة، والتي يقولون إنها تأتي من منصات وأصوات محسوبة على حركة فتح، ليس منفصلًا عن توقيت الانتخابات، فبحسب هذه القراءة، تخشى السلطة أن يتحول صندوق الاقتراع إلى لحظة محاسبة سياسية، وأن يعبّر الفلسطينيون عن موقفهم من سياساتها، ومن أدائها خلال حرب غزة، ومن حالة الفساد استشرت في مفاصل مختلفة من مؤسساتها.
وفي هذا السياق، تصبح «شيطنة المقاومة» ـ كما يسميها خصوم السلطة ـ جزءًا من معركة انتخابية وسياسية أوسع، فبدل أن يكون النقاش منصبًا على أداء السلطة وبرامجها ونتائج سياساتها، يجري نقل المعركة إلى مساحة أخرى: تحميل المقاومة مسؤولية ما جرى، والتركيز على أخطائها وقراراتها، في محاولة لإعادة تشكيل المزاج الشعبي قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.
وهنا لا يتعلق الأمر بالدفاع عن المقاومة ومنع انتقادها؛ فمن حق الشعب الفلسطيني أن يناقش قرارات الفصائل، وأن يسأل عن نتائج الخيارات السياسية والعسكرية، وأن يطالب جميع القوى بالمساءلة ، والسلطة وحركة فتح ليست خارج المساءلة ، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد السياسي إلى حملة منظمة لنزع الشرعية عن اي طرف فلسطيني، بينما يجري في الوقت نفسه تجنب الأسئلة الصعبة التي تواجه السلطة نفسها.
فالسلطة مطالبة هي الأخرى بأن تجيب أمام الشعب: ماذا قدمت خلال سنوات وجودها؟ ماذا حققت من مشروعها السياسي؟ ولماذا استمر الانقسام؟ ولماذا لم تُجرَ الانتخابات في مواعيدها؟ وما حقيقة الاتهامات المتكررة بالفساد والمحسوبية وسوء الإدارة؟ وكيف تعاملت مع حرب غزة وتداعياتها؟ وهل استطاعت حماية الفلسطينيين امنيا وسياسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها القضية الفلسطينية؟
هذه الأسئلة لا يمكن إسكاتها بوضع المقاومة في قفص الاتهام.
فإذا كانت الانتخابات هي الطريق لإعادة تجديد الشرعية، فإنها يجب أن تكون أيضًا لحظة للمحاسبة، والصندوق لا ينبغي أن يكون مجرد وسيلة لإعادة إنتاج السلطة القائمة، وإنما مساحة يختار فيها الفلسطينيون من يمثلهم، ويحاسبون من أخفق، ويمنحون الثقة لمن يقدم برنامجًا مقنعًا.
ولهذا، فإن اقتراب الانتخابات يرفع مستوى التوتر السياسي داخل الساحة الفلسطينية، فكل طرف يدرك أن الرأي العام سيكون لاعبًا أساسيًا، وأن السنوات الماضية ستتحول إلى سجل سياسي مفتوح أمام الناخبين.
وفي حالة السلطة، سيكون من الصعب فصل الانتخابات عن ملفات الفساد والإدارة والامتيازات والمحسوبية التي تثار منذ سنوات، كما سيكون من الصعب فصلها عن موقف السلطة من الحرب على غزة، وعن علاقتها بالمقاومة، وعن رؤيتها لمستقبل النظام السياسي الفلسطيني.
أما حركة فتح، فتواجه بدورها اختبارًا سياسيًا أمام جمهورها وأمام بقية الفلسطينيين، فالحركة التي قادت السلطة ومنظمة التحرير لسنوات طويلة ستدخل أي استحقاق انتخابي وهي تحمل إرثًا سياسيًا كبيرًا، بكل ما فيه من إنجازات وإخفاقات، ومن نجاحات وإخفاقات في إدارة المشروع الوطني.
وفي المقابل، فإن القوى المعارضة لا تستطيع أن تعتبر الانتخابات مجرد وسيلة لمعاقبة السلطة، فالناخب الفلسطيني لا يحتاج فقط إلى من ينتقد السلطة، بل يحتاج إلى بدائل وبرامج ورؤية واضحة لمستقبل النظام السياسي، وللعلاقة بين المقاومة والسياسة، ولإدارة الضفة وغزة، ولإعادة بناء منظمة التحرير، وللتعامل مع الاحتلال والمجتمع الدولي.
وهنا تكمن أهمية الانتخابات الحقيقية: أن تتحول من معركة بين الفصائل إلى فرصة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.
فالمطلوب ليس أن تستبدل سلطة بسلطة، أو أن ينتقل التفرد من طرف إلى آخر، وإنما أن تنتهي فكرة احتكار القرار الفلسطيني من أي جهة كانت.
فلا يمكن أن تكون المقاومة فوق المساءلة، كما لا يمكن أن تكون السلطة فوق المحاسبة.
ولا يمكن أن تكون شرعية الماضي كافية إلى الأبد، كما لا يمكن أن تكون شرعية السلاح وحدها بديلًا عن المؤسسات الديمقراطية.
الفلسطينيون بحاجة إلى نظام سياسي يعترف بتعدد خياراتهم، ويمنحهم حق اختيار ممثليهم، ويضمن تداول السلطة، ويضع حدًا للفساد والمحسوبية، ويعيد بناء منظمة التحرير على أساس المشاركة الحقيقية، ويضع الاحتلال في قلب المشروع الوطني بدل أن يتحول الصراع الداخلي إلى المعركة الرئيسية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث قبل الانتخابات هو أن تتحول الساحة الفلسطينية إلى حرب إعلامية بين «شيطنة المقاومة» والتفرد بالسلطة، بينما يبقى المواطن خارج المشهد.
فالشعب الفلسطيني ليس مجرد جمهور تصطف خلفه الفصائل، بل هو صاحب الحق الأول في تحديد من يحكمه ومن يمثله.
ولهذا فإن صناديق الاقتراع، إذا أُجريت انتخابات حقيقية ونزيهة، يمكن أن تكون أكثر من مجرد عملية انتخابية؛ يمكن أن تكون لحظة سياسية تكشف حجم الثقة الشعبية بكل طرف، وتضع حدًا لسنوات من الادعاء بامتلاك الشرعية دون تجديدها.
فالسلطة التي تثق بثقة الشعب بها لا ينبغي أن تخاف من الصندوق، والمقاومة التي تثق بحاضنتها الشعبية لا ينبغي أن تخاف من المساءلة.
وفي النهاية، ليست المشكلة في أن ينتقد الفلسطيني المقاومة، ولا في أن ينتقد السلطة، بل في أن يُمنع الشعب من امتلاك الحكم النهائي بينهما.
فالشرعية لا تُحسم عبر الأبواق الإعلامية، ولا عبر التخوين، ولا عبر الحملات المضادة، وإنما يحسمها الشعب عندما تُفتح أمامه صناديق الاقتراع،
وعندها فقط سيعرف الجميع حجم ما يملكونه من شرعية، وحجم ما فقدوه منها.
