لعقدين تقريبًا، كانت إيباك أكبر ممول في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي الأمريكي، وبلا أي جهة تنافسها في هذا الملف. ولكن في شباط من هذا العام ظهرت مجموعة جديدة/لوبي حملت اسم "التين والزيتون: أولويات أمريكية"، وهي لجنة عمل سياسي (تسمى بالإنكليزية Super PAC) تأسست في ولاية ديلاوير، تمولها شخصيات فاعلة ورجال أعمال ومقتدرون وعاملون في مجال التكنولوجيا وغيرها، مسلمون وعرب وفلسطينيون. هدفها المعلن (والمنعش!) هو تمويل مرشحين ديمقراطيين يجرؤون على الخروج عن الخط التقليدي لواشنطن الداعم للكيان، وتوفير غطاء مالي لهم يحاول أن يكون ندا لنفوذ إيباك.
المثير أن الخطة والجهد، وبشكل أولي دون التقليل من التحديات الماثلة، نجحا!
خلفية مهمة: ما معنى "السوبر باك"، وهو المفتاح الذي يفسر كيف تدار السياسة في أمريكا؟ هذه الكيانات ظهرت بعد حكم قضائي صدر عام 2010 سمح لأي جهة — أفراد، شركات، نقابات — بجمع مبالغ غير محدودة وإنفاقها لدعم مرشح أو مهاجمة خصمه، ولكن بشرط واحد، وهو تحريم ومنع العمل مباشرة مع حملة هذا المرشح أو ذاك. لا تعطي السوبر باك المال للمرشح نفسه، بل تنفقه بشكل مستقل على إعلانات تلفزيونية ورسائل بريدية وحملات رقمية تخدم موقفه، وبهدف إسقاط خصمه. والنتيجة أن أصحاب الثروات الكبرى، أفرادا أو جماعات أصحاب المصالح المشتركة وفاحشو الغنى من المليارديرات، يستطيعون عمليا شراء نفوذ ضخم في أي سباق انتخابي دون أن يكون اسمهم مطروحا على بطاقة الاقتراع!
وهذا بالضبط ما فعلته إيباك لعقدين: بنت آلة مالية ضخمة عبر ذراعها الانتخابية تدخل بها أي انتخابات تمهيدية يظهر فيها مرشح ينتقد إسرائيل، وتوظف ملايين وعشرات ملايين الدولارات إن تطلب الأمر، وتهاجمه بشراسة شديدة بإعلانات مضادة وحملات تشويه إعلامية حتى يخرج من السباق أو يخسر. ولأن الانتخابات التمهيدية في دوائر الحزب الديمقراطي تحسم عمليا من سيمثل الحزب في مجلسي الشيوخ والنواب، فإن التحكم بنتائجها يعني تحكما مباشرا وغير مباشر بموقف واشنطن من القضية الفلسطينية لسنوات مقبلة. "أولويات أمريكية" وظفت ذات الأداة القانونية نفسها، لكن في الاتجاه المعاكس!
البداية كانت متواضعة: أكثر من مليون دولار لدعم المرشحة الديمقراطية التقدمية ندى علام في ولاية كارولاينا الشمالية، والتي، وإن خسرت بفارق 1200 صوت فقط ضد منافسها المدعوم من إيباك، إلا أن هذا اللوبي الجديد وضع اسمه على الخارطة ووجه رسالة واضحة للمرشحين التقدميين: الدعم الشعبي والقاعدي المتنامي لصالحكم سيرفد من الآن فصاعدا بدعم مالي لمواجهة حملات إيباك المغرضة. بعدها اتسع العمل وبسرعة، وأعلنت مجموعة "التين والزيتون - أولويات أمريكية" [وهو اسم ذو دلالة] عزمها إنفاق 10 ملايين دولار على الأقل خلال دورة 2026. وقد جاءت أبرز رهاناتها عندما دعمت آدم حماوي، وهو طبيب تطوع سابقا في مستشفى بغزة خلال الإبادة، ودخل السباق في نيوجيرسي وهو غير معروف جماهيريا في منطقته، وخرج فائزا بعدما أنفقت المجموعة أكثر من مليون دولار لدعمه، مقابل منافسين دعمهم إيباك بأموال طائلة. وتبعته بعدها انتصارات لمرشحين آخرين في نيويورك وكولورادو وميشيغان.
واقعيا، وبدون أدنى شك، إن الفجوة المالية مقابل إيباك ما زالت هائلة، إذ إنه وحتى نهاية حزيران كان ذراع إيباك الانتخابي قد جمع أكثر من 107 ملايين دولار، وأنفق أكثر من 77 مليون دولار في الدورة نفسها لضمان فوز من يدعمهم بالانتخابات النصفية الحاسمة بعد شهر من الآن. أمام هذا الرقم، تبقى إمكانيات "أولويات أمريكية" المالية متواضعة، ولكنها أثبتت أن التفوق المالي ليس شرطا للفوز. خذوا مثال الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين لمجلس الشيوخ في ميشيغان، حيث أنفقت الجهات المؤيدة لإيباك على هالي ستيفنز قرابة 70 مليون دولار (عشرة أضعاف ما جمعه خصمها الديمقراطي التقدمي عبد الرحمن السيد)، ورغم ذلك فاز عبد الرحمن السيد. بالطبع، لم تكن "أولويات أمريكية" وحدها وراء هذا الفوز، لكن وجود شبكة مستعدة لدخول المعركة كسر معادلة كانت تبدو محسومة سلفا لصالح الجهة صاحبة المال الأكبر. ووراء هذا كله لا يخفى على أحد بأن هناك تحولا مهولا في الرأي العام الأمريكي، والذي سبق تأسيس المجموعة.
استطلاعات حديثة تظهر أن أغلبية الديمقراطيين باتوا ينظرون إلى إسرائيل بسلبية، بعدما كان الوضع معاكسًا قبل سنوات قليلة. لكن استطلاعات الرأي لا تترجم نفسها إلى مقاعد في الكونغرس، لأن ذلك يحتاج مرشحين ومالا وتنظيما قادرا على الصمود أمام حملات الهجوم المضاد. وهذه الفجوة تحديدا جاءت "أولويات أمريكية" لتردمها. اللافت أن هذا النوع من التمويل والجهد السياسي ظل حبيس الحزب الديمقراطي، رغم أن شباب الجمهوريين والناخبين المستقلين يتحركون في الاتجاه نفسه تقريبا. جمهوريون دون الخمسين باتوا أقل تعاطفا بكثير مع إسرائيل من آبائهم، والمستقلون مالوا لأول مرة وبقوة نحو التعاطف مع الفلسطينيين. غير أن قيادة الحزب الجمهوري وكبار مموليه وقاعدته الإنجيلية ما زالوا متمسكين بتأييد الكيان أكثر من قواعده الشابة، ما يجعل أي استثمار مالي إسلامي عربي فلسطيني أمريكي في هذا الاتجاه مبكرا جدا. وأما المستقلون سياسيا (أي غير المسجلين على قوائم أي من الحزبين)، فمعظمهم أصلا لا يصوتون في الانتخابات التمهيدية المغلقة لأي من الحزبين، وتأثير المجموعة عليهم غير مباشر، إذ إنها لا تخاطبهم مباشرة، بل تحدد لهم من سيكون أمامهم كخيار في كانون الأول من هذا العام (موعد الانتخابات النصفية للمجلسين).
وهنا نقطة تستحق تأملا خاصا من القارئ الفلسطيني. لعقود، ظلت الدبلوماسية الفلسطينية تركز جهدها بشكل شبه حصري على البيت الأبيض والإدارات المتعاقبة وكبار الساسة في واشنطن، وهي جهات كانت، وما زالت، منحازة أصلا أو محكومة لتمويل إيباك. ما تكشفه تجربة «أولويات أمريكية» هو مسار مختلف تماما: جهد ميداني ينطلق من القاعدة الانتخابية نفسها، ويعمل على تغيير من يصل أصلا إلى الكونغرس، لا محاولة إقناع من هو موجود فيه بالفعل. هذا مهم للغاية. هذا النوع من العمل — بناء تحالفات محلية، وتمويل مرشحين قبل أن يصلوا إلى مواقع القرار — يفتح بابا لم تراهن عليه الدبلوماسية التقليدية بالقدر الكافي، ويطرح سؤالا يستحق النظر: كيف يمكن الاستفادة فلسطينيا من هذا الزخم الشعبي والمالي المتصاعد، بدل الاكتفاء بانتظار موقف إدارة أمريكية جديدة قد لا يختلف كثيرا عن سابقتها؟
نعم، اللوبي الصهيوني خسر حتى اللحظة معركة الوعي، وسرديته باتت ممجوجة ومرفوضة، ولكنه ما زال مسيطرا على السياسة العامة وصناع القرار الأمريكيين. أي إن نفوذ إيباك لم يتزعزع بشكل جوهري، لأن شبكتها أوسع وتمويلها أضخم بأشواط، وما زال بإمكانها حسم سباقات كثيرة لصالحها. كما أن "أولويات أمريكية" لم تثبت بعد أنها قادرة على تكرار أدائها القوي في أكثر من دورة انتخابية واحدة. ولكن تبقى النقطة الأهم هنا أن أي مرشح يخرج عن الخط التقليدي بشأن إسرائيل لم يعد يدخل السباق اليوم بلا أي غطاء مالي خلفه، وهذا وحده تحول يستحق التوقف عنده.
يا لعقود، بدا نفوذ إيباك أمرا لا ينازع، لا لغياب من يعارضه، بل لغياب أطر وأدوات تنافسية. تلك الأداة باتت قائمة الآن. هي حديثة العهد، لكنها فازت رغم ذلك، والأمل أن تنمو وتتمدد وتمسي ندا يعتد به.
