في غزة المدمرة والمكلومة منذ سنوات ووسط خيام النزوح وعلى أرضٍ أنهكتها الحرب، يحاول الغزيون انتزاع لحظات من الحياة والفرح. بعدما دُمّرت الملاعب وغابت أبسط مقومات الحياة، تجمع مئات الفلسطينيين مساء الجمعة لمتابعة مباراة كرة قدم جمعت نجوم غزة ونجوم رفح، في ساحة شعبية ترابية بمخيم خان يونس جنوبي قطاع غزة، في مشهد استثنائي تختصره كرة قدم؛ فرغم الدمار والنزوح، ما زالت غزة تبحث عن الحياة بكل ما أوتيت من إصرار وثبات.
غابت المدرجات الإسمنتية المعهودة، وغابت معها الأضواء الكاشفة والمستطيلات الخضراء التي سحقتها مجنزرات الاحتلال، لكن الغبار المتصاعد من الأرض الترابية حمل رائحة التحدي، احتشد الصغار والكبار، واعتلى الفتية أسطح المنازل المهدمة المجاورة ليرقبوا الساحرة المستديرة وهي تتدحرج بين أقدام اللاعبين، محولين المساحة الضيقة المحاطة بقماش الخيام النايلون إلى مسرح يعج بالهتاف والتصفيق الذي غيّب لبرهة هدير طائرات الاستطلاع الصهيونية.
هذه الظاهرة الرياضية الشعبية لا تمثل مجرد تسلية عابرة، بل هي صرخة فلسطينية بليغة في وجه سياسة الإبادة والتجهيل الممنهج، إنها "كلاسيكو الأمل" الذي يثبت فيه أبناء غزة أن كسر الروح أشد استعصاءً على المحتل من هدم البيوت؛ فالكرة التي ركلها نجوم الأندية المهجرين طارت فوق حواجز اليأس، لترسم لوحة سريالية يمتزج فيها الشفق الأحمر الساحر في السماء مع سواد الركام المحيط بالملعب الشعبي، معلنةً ميلاد فجر جديد للإرادة الوطنية.
وأمام هذه التجمعات الكبرى التي غصّ بها "ملعب الاعتصام" المؤقت، رصدت "فلسطين الآن" التفافاً جماهيرياً منقطع النظير يعيد الاعتبار للحركة الرياضية في القطاع رغم استشهاد مئات اللاعبين.
وفي هذا التقرير الميداني، نسلط الضوء على عمق هذه الظاهرة من خلال مقابلات حصرية ومباشرة مع مهندسي هذا الحدث وأبطاله وجماهيره، لتفكيك رسالة غزة للعالم عبر بوابات الرياضة واللجوء.
تحديات معقدة..
وأكد الكابتن شادي موسى، المنظم والمشرف على هذه الفعالية الجماهيرية، أن فكرة إقامة مباراة تجمع نجوم غزة ونجوم رفح ولدت من رحم المعاناة والحاجة الماسة للتفريغ النفسي عن آلاف النازحين الذين أثقلتهم سنوات الحرب وفقدان الأحبة، مبيناً أن الإعداد للمباراة واجه تحديات لوجستية معقدة، بدءاً من تسوية الأرض الترابية بين الخيام ومراكز الإيواء وتنظيفها من الشظايا والركام، وصولاً إلى تأمين كرة قدم صالحة وقمصان رياضية للاعبين في ظل شح المستلزمات بالأسواق بسبب الحصار.
وأشار موسى بشغف في حديثه لـ"فلسطين الآن"، إلى أن الحشد الجماهيري الضخم الذي تابع اللقاء أكد صوابية الفكرة؛ فالناس في غزة متعطشون للفرح وتبحث عيونهم عن أي بارقة أمل تعيدهم إلى تفاصيل حياتهم الطبيعية السابقة، مؤكداً أن هذه المباريات، التي تقام برعاية وإشراف رياضي شعبي، تثبت للاحتلال وللعالم أجمع أن غزة لا تموت، وأن الرياضة الفلسطينية قادرة على النهوض من وسط الأنقاض والدمار لتوحد القلوب وتجمع أبناء الشعب الواحد من الشمال والجنوب.
وطالب المنظم الرياضي الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم والمؤسسات الدولية بضرورة الالتفات إلى رياضيي قطاع غزة الذين دمرت ملاعقهم واستشهد رفقاؤهم، مؤكداً أن الاستمرار في تنظيم هذه المحافل الشعبية هو واجب وطني وأخلاقي.
وشدد موسى على أن "ملعب الاعتصام" في مواصي خانيونس سيبقى حاضنة للمحافل الرياضية والوطنية، وأن هذه الركلات الشعبية هي جزء لا يتجزأ من مقاومة شعبنا وثباته فوق أرضه المحتلة.
فخر واعتزاز..
بدوره اعتبر أحمد اللولحي، نجم وقائد فريق خدمات رفح المشارك ضمن تشكيلة "نجوم رفح"، عن فخره واعتزازه باللعب أمام هذا الجمهور الأسطوري الذي ملأ جنبات الساحة الترابية بين الخيام، مؤكداً أن اللعب على أرضية رملية ومحاطة بالمنازل المدمرة يختلف تماماً عن الملاعب العشبية الدولية، لكن حرارة الهتافات والشغف البادي في عيون الأطفال والنازحين يمنح اللاعبين طاقة وعزيمة تفوق الوصف، جاعلة من المباراة بطولة عالم حقيقية في عيونهم.
ويستذكر اللولحي بحزن في حديثه لـ"فلسطين الآن"، رفقاء الدرب من اللاعبين والمدربين والرياضيين الذين ارتقوا شهداء خلال حرب الإبادة المستمرة، مؤكداً أن النزول إلى الميدان اليوم هو وفاء لدمائهم وتأكيد على أن الرسالة التي قضوا من أجلها لن تتوقف.
ويشير إلى أن اللاعبين هُجّروا من أنديتهم وملاعبهم التي تحولت إلى ركام، إلا أن إصرارهم على مداعبة الكرة يعكس رغبة أصيلة لدى الرياضي الفلسطيني في الانخراط بالحياة وتحدي سياسات السحق الصهيونية.
وأكد نجم منتخب رفح أن اللقاء الذي اتسم بالإثارة والمتعة الكروية وجه رسالة قوية للاحتلال بأن القمع والحصار لا يمكن أن يقتلعا حب الحياة من قلوب الغزيين.
ويختم اللولحي حديثه بأن تظل الرياضة الفلسطينية راية خفاقة، وأن اللقاءات القادمة ستكون قريباً فوق ملاعب غزة ورفح المحررة والمعاد بناؤها بسواعد أبنائها.
عطلة من الحزن..
بدوره وصف المواطن أبو خليل، وهو نازح من شمال القطاع ويقطن في خيمة مجاورة لـ "ملعب الاعتصام" بخانيونس، الأجواء التي عاشها المخيم خلال المباراة بأنها "عطلة من الحزن" امتدت لبضع ساعات، مشيراً إلى أنه لم يتردد للحظة في اصطحاب أطفاله الثلاثة والوقوف وسط الزحام الشديد لمتابعة اللقاء، مؤكداً أن ضحكات الأطفال وصيحاتهم مع كل هدف كروي كانت تساوي الدنيا بأسرها، بعد أشهر طويلة من البكاء والخوف الملازمين للخيام.
وأشار أبو خليل في حديثه لـ"فلسطين الآن"، إلى أن تجمع آلاف النازحين في بقعة واحدة لمشاهدة نجوم غزة ورفح يتحدى السردية الصهيونية التي أرادت تحويل غزة إلى بقعة يائسة غارقة في الدموع والدم.
وأضاف: "تحول الرمال والساحات الشعبية إلى ملاعب هو ابتكار غزي بامتياز للتفريغ عن النفس والبحث عن الفرحة وسط خراب الفقد وحرارة الصيف وقسوة الطقس، مما يثبت أن هذا الشعب يعشق الحياة الكريمة ويستحق أن يعيش بأمن وحرية كباقي شعوب العالم".
ويرى المواطن النازح أن ركلة الكرة وإصرار الجماهير على تشجيع لاعبيهم المفضلين يمثلان جبهة صمود شعبية واجتماعية لا تقل أهمية عن الجبهات الأخرى.
ويختم حديثه بالقول إن هذه الصورة التي وثقتها الكاميرات من فوق الركام هي الدليل الدامغ على أن غزة لن تركع ولن تسلم أوراق اعتمادها للمحتل، وأن كرامة الفلسطيني المتجذر في أرضه ستنتصر في النهاية على آلة القتل والترهيب، لتبقى كرة القدم رمزاً لأمة ترفض الموت وتصر على صناعة الفرح من عدم.
