20.41°القدس
19.88°رام الله
19.06°الخليل
25.07°غزة
20.41° القدس
رام الله19.88°
الخليل19.06°
غزة25.07°
الثلاثاء 06 أكتوبر 2026
4.04جنيه إسترليني
4.31دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.42يورو
3.05دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.04
دينار أردني4.31
جنيه مصري0.06
يورو3.42
دولار أمريكي3.05
د. علاء فريحات

د. علاء فريحات

المجلس التشريعي القادم... ليس مقعدا بل استعادة لسلطة غابت طويلا

منذ أن بدأ الحديث عن الانتخابات التشريعية، لفت انتباهي حجم الاندفاع نحو الترشح، وكثرة الأسماء والقوائم والطموحات التي بدأت تظهر في المشهد الفلسطيني.

ولا أكتب هنا اعتراضًا على حق أحد في الترشح، فهذا حق سياسي وقانوني، ولا أكتب انتقاصًا من أي شخص أو تنظيم سياسي. لكنني أكتب من زاوية أخرى تمامًا؛ من زاوية مواطن ورجل قانون يرى في المجلس التشريعي القادم أملًا حقيقيًا لفلسطين بعد سنوات طويلة عشنا فيها دون حياة تشريعية منتظمة ودون ممارسة برلمانية فاعلة للدور الذي يفترض أن تؤديه السلطة التشريعية.

وهنا تحديدًا تكمن المسألة.

نحن لا ننتخب مجلسًا محليًا، ولا نختار وجاهات اجتماعية، ولا نتنافس على ألقاب أو مقاعد. نحن نتحدث عن إعادة إحدى السلطات الأساسية في النظام السياسي الفلسطيني إلى ممارسة دورها.

المجلس التشريعي ليس مجرد مجموعة من النواب. وظيفته في جوهر النظام القانوني والسياسي أعمق من ذلك بكثير؛ فهو مؤسسة للتشريع والرقابة والمساءلة، ومساحة دستورية لمناقشة السياسات العامة، ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، ومناقشة التشريعات وإقرارها ضمن الأطر القانونية المقررة.

ولذلك، فإن الانتخابات التشريعية المقبلة – متى أجريت – يجب ألا ينظر إليها باعتبارها مجرد استحقاق انتخابي أو مناسبة جديدة للمنافسة بين القوى والتنظيمات.

إنها فرصة لإعادة بناء التوازن المؤسسي الذي افتقدناه سنوات طويلة.

لقد عانت الحالة الفلسطينية طويلًا من غياب مجلس تشريعي منتخب وفاعل، ومن تركّز ممارسة جانب كبير من الشأن العام دون وجود المؤسسة التشريعية والرقابية بالصورة الطبيعية التي تقوم عليها الأنظمة القانونية السليمة.

وهذا الواقع يجعل مسؤولية المجلس القادم أكبر بكثير من مسؤولية أي مجلس في ظروف عادية.

فالمطلوب لن يكون فقط سن قوانين جديدة، وإنما مراجعة مرحلة تشريعية كاملة، والنظر في منظومة واسعة من القرارات بقوانين والتشريعات التي صدرت خلال سنوات غياب المجلس، وممارسة الرقابة البرلمانية، وإعادة الاعتبار لمبدأ الفصل بين السلطات والتوازن بينها، وتعزيز سيادة القانون والمساءلة المؤسسية.

ومن هنا يأتي قلقي من الطريقة التي بدأ يُتعامل بها مع موضوع الترشح.

فالمشهد، في بعض جوانبه، يوحي وكأن السؤال أصبح: من سيحصل على عدد أكبر من المقاعد؟ ومن سيثبت حضوره؟ ومن يستطيع تشكيل قائمة؟ وكم سيكون نصيب كل تنظيم أو تيار؟

بينما السؤال الذي أراه أكثر أهمية هو: من يستطيع أن يعيد للمجلس التشريعي مكانته ودوره؟

التنظيمات السياسية جزء أصيل من الحياة السياسية، والمنافسة بينها أمر طبيعي في أي انتخابات تعددية. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الانتخابات من وسيلة لبناء مؤسسة دستورية إلى مجرد ساحة لإثبات الحضور التنظيمي أو قياس الأحجام السياسية.

ففلسطين اليوم لا تحتاج مجلسًا يكون انعكاسًا جديدًا للصراع على النفوذ بقدر حاجتها إلى مجلس قادر على ممارسة التشريع والرقابة والمساءلة بكفاءة واستقلال ومسؤولية.

وهذا يفرض أيضًا إعادة التفكير في مفهوم المرشح نفسه.

عضو المجلس التشريعي ليس مجرد ممثل لمنطقته أو عائلته أو تنظيمه، ولا يفترض أن تكون العضوية مكافأة لمسيرة تنظيمية أو اجتماعية. النائب سيتعامل مع موازنات وتشريعات واتفاقيات وسياسات عامة وحقوق وحريات، وسيمارس – ضمن صلاحيات المجلس – رقابة على السلطة التنفيذية.

ومن يتقدم لهذه المسؤولية يجب أن يعرف حجمها قبل أن يبحث عن مقعدها.

لا يعني ذلك أن يكون جميع النواب قانونيين أو اقتصاديين أو أكاديميين؛ فالمجلس بطبيعته يجب أن يعكس تنوع المجتمع. لكن من حق المواطن أن يتوقع ممن يطلب ثقته حدًا حقيقيًا من الكفاءة والوعي والاستقلالية والقدرة على تحمل المسؤولية العامة.

أما التنظيمات والفصائل والقوى السياسية، فأعتقد أن مسؤوليتها في هذه المرحلة مضاعفة.

المطلوب منها ألا تنظر إلى المجلس القادم باعتباره اختبارًا لحجمها فقط، وإنما باعتباره فرصة ربما تكون من أهم الفرص المتاحة لإعادة الحياة إلى مؤسسة فلسطينية أساسية غابت طويلًا.

نحن بحاجة إلى قوائم تبحث عن الكفاءة قبل الولاء، وعن القدرة على العمل التشريعي والرقابي قبل الحسابات الداخلية، وعن الشخص القادر على قول «لا» عندما تتطلب المصلحة العامة ذلك، حتى لو كانت هذه الـ«لا» في مواجهة الجهة التي رشحته.

لأن النائب، منذ لحظة انتخابه، يجب أن يدرك أن مسؤوليته الأولى أمام الشعب والقانون، لا أمام القائمة التي حملت اسمه إلى المجلس.

قد تجري الانتخابات في موعدها، وقد تطرأ تطورات تؤثر في مسارها. وليس هدفي هنا التنبؤ بما سيحدث.

لكن مجرد عودة الحديث الجدي عن المجلس التشريعي يجب أن تكون مناسبة لإعادة التفكير في معنى هذه المؤسسة.

بعد كل هذه السنوات، لا ينبغي أن يكون طموحنا مجرد أن نقول إن لدينا مجلسًا تشريعيًا مرة أخرى.

الطموح الحقيقي أن يعود لدينا مجلس يمارس فعلًا وظيفة السلطة التشريعية؛ يشرّع، ويراقب، ويسائل، ويناقش، ويعيد التوازن إلى النظام السياسي، ويحمي الحقوق والحريات، ويجعل القانون والمؤسسة فوق الأشخاص والتنظيمات.

ولهذا كتبت.

كتبت لأنني، رغم كل ما مررنا به، أرى في عودة المجلس التشريعي فرصة وأملًا لفلسطين.

وأخشى أن نستهلك هذه الفرصة في منافسة على المقاعد، بدل أن نجعلها بداية لاستعادة مؤسسة همّشت وغابت سنوات طويلة.

فلسطين لا تحتاج إلى مجلس تشريعي جديد بالاسم فقط.

فلسطين تحتاج إلى سلطة تشريعية حقيقية.

وهذه المرة، يجب أن ندرك جميعًا – مرشحين وتنظيمات وناخبين – أن المسألة أكبر بكثير من مقعد.

إنها مسؤولية إعادة بناء مؤسسة من مؤسسات الدولة، والأمانة أثقل بكثير مما قد يظنه البعض.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن