20.06°القدس
19.83°رام الله
18.96°الخليل
25.65°غزة
20.06° القدس
رام الله19.83°
الخليل18.96°
غزة25.65°
الإثنين 12 أكتوبر 2026
4.06جنيه إسترليني
4.32دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.43يورو
3.06دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.06
دينار أردني4.32
جنيه مصري0.06
يورو3.43
دولار أمريكي3.06

تقارير "فلسطين الآن"..

انقلاب المقاطعة.. عباس يغلق النوافذ الديمقراطية ويُدخل النظام السياسي في نفق الحكم الفردي

الضفة الغربية-فلسطين الآن

فجّر قرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس القاضي بتأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في الثامن والعشرين من نوفمبر المقبل ترحيلاً كاملاً وصادماً، موجة غضب وتنديد واسعة في الشارع الفلسطيني وبين مختلف الفصائل والقوى الوطنية.

واعتبرت الأوساط السياسية أن هذه الخطوة تمثل انتكاسة خطيرة للمسار الديمقراطي، وهدماً لكل التوافقات والتفاهمات الوطنية الشاملة التي تم التوصل إليها مؤخراً في حوارات القاهرة، مما يعيد النظام السياسي الفلسطيني إلى مربع الجمود والانقسام الدستوري والمؤسساتي من جديد.

وجاء هذا المرسوم الرئاسي المثير للجدل ليؤكد مخاوف الشارع من تعنت متنفذي المقاطعة في رام الله؛ إذ لم تتأخر ردود الفعل الوطنية التي وصفت المبررات المذكورة حول "العراقيل الاحتلالية" ورفض التصويت في القدس وغزة بأنها محض ذريعة واهية ومكشوفة للتغطية على الخوف من الهزيمة السياسية.

ويرى مراقبون أن الإلغاء يهدف بشكل مباشر لإنقاذ قيادة السلطة وحركة فتح الرسمية من تصويت عقابي حتمي كان سينبثق عن صناديق الاقتراع، لاسيما في ظل الانهيار الحاد في شعبيتها وعجزها عن تقديم نموذج قيادي يلبي تطلعات الشعب الفلسطيني تحت وطأة حرب الإبادة والحصار والتجويع المستمر لثلاثة أعوام متواصلة.

وأشعل قرار عباس فتيل معركة شرعية طاحنة داخل الأروقة السياسية، حيث توالت البيانات المنددة من حركتي حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، والتي أجمعت على أن تأجيل الاستحقاق الانتخابي يمثل "انقلاباً على الإرادة الشعبية" ومصادرة متعمدة لحق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم وتجديد دماء مؤسسات منظمة التحرير.

وأكدت القوى الوطنية أن هذا السلوك الفردي يعمق أزمة "فقدان الشرعية" الدستورية والأخلاقية التي تعاني منها رئاسة السلطة منذ انتهاء ولايتها القانونية، ويضع مصير العمل المشترك ومشاريع الإصلاح الداخلي في مهب الريح خدمة لأجندات فئوية ضيقة لا تخدم سوى بقاء شخوص السلطة في مناصبهم.

طعنة غادرة في خاصرة الإجماع الوطني..

 

وأدان التيار الإصلاحي الديمقراطي في حركة فتح بأشد العبارات وأقساها خطوة رئيس السلطة محمود عباس بتأجيل الانتخابات التشريعية، واصفاً القرار بأنه "طعنة غادرة في خاصرة الإجماع الوطني" ومحاولة بائسة لترسيخ الديكتاتورية والاستفراد بالقرار الفتحاوي والفلسطيني على حد سواء .

وأكد التيار في بيانه الرسمي أن عباس اختار مرة أخرى الهروب إلى الأمام ومصادرة حق الشعب الدستوري، مفضلاً حماية مصالحه ومصالح دائرته المقربة على حساب مقتضيات الوحدة الوطنية ومواجهة التحديات المصيرية التي تعصف بالقضية الفلسطينية جراء الحصار والعدوان المتواصل.

واعتبر التيار الإصلاحي أن التذرع بالمعوقات الإسرائيلية في القدس وغزة هو "استسلام مهين وعجز سياسي" يمنح الاحتلال الصهيوني حق الفيتو لتعطيل الحياة السياسية الفلسطينية، بينما كان الواجب الوطني يفرض تحويل معركة الانتخابات في العاصمة المقدسة والقطاع المكلوم إلى اشتباك سياسي وميداني مفتوح مع العدو لفرض السيادة الفلسطينية بقوة القانون والإرادة الشعبية.

وشدد البيان على أن هذه الحجج لا تنطلي على أحد، وهي محاولة واضحة للتهرب من مواجهة الكتل البرلمانية القوية التي شكلتها المعارضة والتيار الإصلاحي والتي كانت قادرة على إحداث تغيير جذري في بنية النظام السياسي.

وأوضح التيار أن هذا التأجيل العبثي لن يمنح السلطة شرعية مفقودة بل سيعمق عزلتها الوطنية والدولية، ويؤكد صوابية التحذيرات من أن القيادة المتنفذة في رام الله باتت مرتهنة تماماً لمشاريع الإبقاء على الوضع الراهن وتجنب المحاسبة الشعبية عن سنوات الإخفاق والفساد.

وحمل التيار قيادة المقاطعة المسؤولية التاريخية والقانونية عن التداعيات الخطيرة التي قد تترتب على هذا القرار، محذراً من أن استمرار مصادرة الحريات وتغييب المؤسسات التشريعية والرقابية سيقود المنظومة السياسية برمتها نحو انهيار شامل وفوضى لا يستفيد منها سوى الاحتلال وأعوانه.

وختم التيار الإصلاحي تصريحه بدعوة كافة الفصائل والقوى الحية، والكتل والقوائم المرشحة، إلى التداعي الفوري لعقد مؤتمر وطني جامع لبحث آليات الرد القانوني والسياسي على هذا التفرد، والاتفاق على جبهة وطنية عريضة تفرض إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بشكل متزامن وبقوة القانون.

وجدد التيار التزامه المطلق بالدفاع عن المسار الديمقراطي وحق الجماهير في التغيير، مؤكداً أن قطار الإصلاح وتطهير حركة فتح والنظام الفلسطيني من خاطفيه قد انطلق ولن توقفه المراسيم الرئاسية غير الشرعية أو الاتفاقيات الأمنية المشبوهة.

رصاصة الرحمة..

 

ويتحدث الدكتور محمد البحيصي، المختص في الشؤون السياسية والقانونية، معبراً عن قراءته المعمقة لخفايا هذا القرار، مؤكداً أن مرسوم تأجيل الانتخابات يمثل رصاصة الرحمة على ما تبقى من هياكل دستورية وقانونية للسلطة الفلسطينية، حيث تحول النظام السياسي بفعل غياب التجديد منذ عقدين إلى "سلطة الفرد الواحد" التي تدار بموجب مراسيم استثنائية تفتقر لأدنى مقومات المشروعية الشعبية.

وأوضح االبحيصي في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن عباس استشعر خطراً داهماً على نفوذه ومستقبل رجالاته بعد التقارب الفصائلي الكبير وتشكيل تحالفات انتخابية عريضة كانت ستكتسح المجلس التشريعي القادم وتنهي حقبة التفرد بالقرار المالي والسياسي ومنظمة التحرير.

ويشير الخبير إلى أن التوقيت الحالي للتأجيل يكشف عن تنسيق مبطن وغير معلن بين أطراف متعددة؛ إذ يتزامن القرار مع ضغوط إقليمية ودولية لم تكن ترغب في رؤية مشهد سياسي فلسطيني متماسك تتبوأ فيه قوى المقاومة الحية صدارة البرلمان والسلطة التنفيذية.

وأضاف أن تذرع السلطة بـ "الفيتو" الصهيوني في القدس هو قراءة مقلوبة للواقع، فالانتخابات في العرف الوطني هي أداة اشتباك وتحدٍ وليست رهينة بموافقة منسق أعمال حكومة الاحتلال، وبالتالي فإن التراجع تحت هذه الحجة يعبر عن رغبة قيادة رام الله في الحفاظ على امتيازاتها الأمنية والاقتصادية المرتبطة ببقاء الوضع الحالي كما هو.

ويرى المختص في شؤونه التحليلية أن هذا القرار ستكون له ارتدادات كارثية على صعيد السلم الأهلي والتماسك الداخلي؛ فإغلاق النوافذ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة يدفع بالضرورة نحو تعميق حالة اليأس والإحباط في الشارع، ويغلق الباب أمام تطلعات الجيل الشاب الذي لم يمارس حقه الانتخابي طوال حياته.

وأكد أن الفصائل الفلسطينية التي أبدت مرونة عالية في القاهرة ووقعت على رزمة الإصلاحات، تجد نفسها اليوم أمام خديعة سياسية كبرى، مما سيفرض عليها مراجعة استراتيجية شاملة لعلاقتها مع المنظومة المتنفذة وتدشين مسارات بديلة لترتيب البيت الفلسطيني بعيداً عن حسابات المقاطعة.

ويختتم الخبير القانوني والسياسي حديثه بالتأكيد على أن المخرج الوحيد من هذا المأزق التاريخي يكمن في سحب الاعتراف بالفريق الحاكم المستفرد بالقرار، والذهاب نحو عصيان مدني وسياسي وقانوني تنخرط فيه كافة القوى والاتحادات والنقابات والكتل الانتخابية المتضررة، مشدداً على أن ترحيل الاستحقاق لعام كامل هو مجرد مناورة زمنية لشراء الوقت وترتيب خلافة عباس وفق مقاسات أمنية محددة، مما يستدعي يقظة وطنية شاملة تفشل خطة تحويل القضية الفلسطينية إلى مجرد وكالة أمنية وإنسانية معزولة الشرعية والمضمون الوطني.

 

 

 

 

 

المصدر: فلسطين الآن