20.55°القدس
20.31°رام الله
19.36°الخليل
25.79°غزة
20.55° القدس
رام الله20.31°
الخليل19.36°
غزة25.79°
الإثنين 12 أكتوبر 2026
4.06جنيه إسترليني
4.32دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.43يورو
3.06دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.06
دينار أردني4.32
جنيه مصري0.06
يورو3.43
دولار أمريكي3.06

ثلاث سنوات غيّرت جغرافيا الضفة الغربية

63104794974_n.jpg
63104794974_n.jpg

لا تتجاوز المسافة بين قرية فقوعة ومدينة جنين 10 كيلومترات، وكانت الرحلة بينهما، قبل ثلاث سنوات، تستغرق نحو 10 دقائق. أما اليوم، فقد يحتاج المواطن إلى 45 دقيقة أو ساعة للوصول إلى المكان ذاته. لم تتحرك جنين، ولم تنتقل فقوعة إلى مكان آخر، لكن الطريق بينهما تغيّر.

بوابات حديدية أغلقت مداخل القرى الشرقية لمحافظة جنين، وحواجز قطعت الطرق، وشوارع أُغلقت أو أصبحت خاضعة للمراقبة العسكرية، فيما أطالت الطرق الالتفافية المسافات ورفعت كلفة التنقل.

وفي المقابل، شُقت طرق جديدة لخدمة المستعمرات والمعسكرات، وامتدت البنية التحتية الاستعمارية إلى مناطق كانت، قبل سنوات، جزءًا من المجال الحيوي للقرى والبلدات الفلسطينية.

في قرية فقوعة، لم يعد الوصول إلى جنين مجرد رحلة قصيرة إلى مركز المدينة؛ فالطريق قد يمر اليوم عبر دير أبو ضعيف وأم التوت وجلقموس والجامعة العربية الأميركية والزبابدة وقباطية، وقد يتوقف بالكامل عندما تغلق البوابات أو تنتشر قوات الاحتلال على الشوارع.

والأهم أن التغيير لم يطل الطرق وحدها؛ فالأرض التي كان المزارع يصل إليها بسهولة أصبحت خلف بوابة أو داخل منطقة عسكرية مغلقة، والمستعمرة التي كانت بعيدة باتت محاطة بطريق ومعسكر وبنية تحتية، والقرية التي كانت مرتبطة بالمدينة بطريق مباشر أصبحت تعتمد على طرق التفافية.

هنا تبدأ قصة ثلاث سنوات غيّرت جغرافيا الضفة الغربية؛ ليس لأن المدن والقرى تحركت من مواقعها، وإنما لأن المسارات التي تصل الفلسطينيين ببعضهم، وبأراضيهم وخدماتهم وأعمالهم، تغيرت بفعل إجراءات متسارعة.

ومن فقوعة شرق جنين، يمكن رؤية هذا التحول في تفاصيل الحياة اليومية: رحلة أصبحت أطول، وأرض أصبحت أبعد، وموسم زيتون بات محفوفًا بالمخاطر، وقرى أصبحت مداخلها تتحكم فيها بوابات يمكن أن تُفتح أو تغلق في أي لحظة.

لكن ما يبدو في فقوعة كإغلاق لطريق، يظهر في بقية محافظة جنين جزءا من صورة أكبر: شبكة من البوابات والحواجز والطرق العسكرية، تتزامن مع الاستيلاء على الأراضي، والتجريف، واقتلاع الأشجار، وإقامة المعسكرات والمستعمرات، وإعادة إحياء مستعمرات أخليت عام 2005.

ومن جنين، تتسع الصورة إلى الضفة الغربية بأكملها، حيث تتقاطع هذه الإجراءات مع التوسع الاستعماري والهدم والاستيلاء على الأراضي والاعتداءات على المزارعين، لتعيد تشكيل الجغرافيا التي يتحرك ويعيش فيها الفلسطينيون.

فقوعة.. طريق تضاعف زمنه وأراضٍ سُرقت

يقول رئيس المجلس القروي في فقوعة بركات العمري لمراسل "وفا" إن القرية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 5 آلاف نسمة، تقع في محيط تجمعات وبلدات شرقي جنين يبلغ مجموع سكانها نحو 30 ألف نسمة، وإن إجراءات الاحتلال منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 غيّرت تفاصيل الحياة اليومية بصورة كبيرة.

وبحسب العمري، كان الطريق المباشر بين فقوعة وجنين يستغرق، في الظروف الطبيعية، نحو 10 إلى 12 دقيقة، بينما أصبحت الرحلة اليوم تستغرق بين 45 دقيقة وساعة، خصوصًا عند إغلاق الطرق أو البوابات.

ويقول إن الطريق البديل يمر عبر دير أبو ضعيف، وأم التوت، وجلقموس، والجامعة العربية الأمريكية، والزبابدة، وقباطية، قبل الوصول إلى مدينة جنين.

ولا تقتصر المشكلة على زيادة زمن الرحلة؛ فزيادة المسافة تعني ارتفاع تكاليف النقل، إذ ارتفعت كلفة التنقل في بعض الحالات من نحو 7 أو 7.5 شواقل إلى قرابة 15 شيقلًا، وفق العمري.

ويشير إلى أن الإغلاقات تتكرر بصورة مستمرة، وأحيانًا مرة أو مرتين أسبوعيًا، فيما ترتبط بعض الإغلاقات بتحركات المستعمرين أو مناسبات تقام في المستعمرات.

ويقول العمري: "المنطقة تغيرت 180 درجة"، مشيرًا إلى أن التغيير طال الوضع الاقتصادي والأمني والاجتماعي والنفسي للمواطنين.

وفي فقوعة، لم تعد المشكلة في الطريق إلى المدينة فقط، بل في الطريق إلى الأرض أيضًا.

ويشير العمري إلى أن أوامر جيش الاحتلال تمنع الاقتراب من منطقة جدار الفصل والتوسع العنصري لمسافة تمتد، في بعض المناطق، بين 200 و500 متر، على طول نحو 5 آلاف متر من أراضي القرية.

وبحسب تقديراته، فإن المساحات التي أصبح الوصول إليها صعبًا أو متعذرًا تتراوح بين نحو 3,500 و4,000 دونم، من أصل نحو 8,500 دونم هي مساحة أراضي فقوعة.

وتضم هذه الأراضي مناطق زراعية ومراعي وحقول زيتون، فيما أدى منع الوصول إليها لفترات طويلة إلى تضرر المحاصيل واندلاع حرائق في بعض المناطق، بسبب عدم القدرة على الوصول إليها.

ويضيف العمري أن المستعمرين أقاموا بؤرة جديدة بين فقوعة وعربونة، واستولوا على مساحات واسعة من الأراضي، يقدّرها بنحو ألفي دونم، فيما أصبح الوصول إلى هذه الأراضي متعذرًا حتى بالنسبة إلى أصحابها.

كما أصدر الاحتلال أوامر بالاستيلاء على نحو 750 دونمًا من أراضي فقوعة في منطقة جبل أبو قيس بين عربونة وفقوعة، وقد جرى تقديم اعتراضات وملفات قانونية بشأنها.

ومع موسم الزيتون، أصبحت المشكلة أكثر وضوحًا؛ إذ لم يتمكن المواطنون من الوصول إلى كامل أراضيهم، فيما تعرضت ثمار الزيتون للسرقة من المستعمرين في أراضٍ عدة، بينها أراضٍ مسجلة رسميًا بأسماء أصحابها.

ويحذر العمري من أن استمرار هذه الإجراءات قد يؤدي إلى عزل قرى شرق جنين عن المدينة وعن بعضها، خصوصًا في ظل وجود نحو عشر بوابات، وإغلاقات على مداخل القرى والطرق في المنطقة.

وتزداد خطورة الأمر بالنسبة إلى الخدمات الصحية، إذ لا يوجد في شرق جنين مستشفى أو مركز صحي كبير، فيما يطالب المواطنون بتشغيل مركز صحي للطوارئ جرى إنشاؤه بجهود محلية.

وفي عرابة، التي تقع إلى الجنوب الغربي من جنين، تتداخل الإجراءات العسكرية والاستعمارية بصورة متسارعة.

ويشير رئيس بلدية عرابة أحمد العارضة إلى أن نحو 1,500 دونم قرب "مابو دوتان" أصبحت غير متاحة لأصحابها منذ بداية الحرب، فيما طالت إجراءات أخرى نحو 1,400 دونم قرب "عيمك دوتان".

وبحسب العارضة، فقد نفذت قوات الاحتلال أعمال تجريف واقتلاع على مساحة 223 دونمًا في منطقة عرابة، بالتزامن مع إنشاء موقع "عيمك دوتان" وإدخال عائلات إليه وإقامة بنية تحتية وطرق.

وفي قباطية، لم تعد إجراءات الاستيلاء مقتصرة على المناطق المصنفة "ج"، فقد سجلت المحافظة أوامر طالت أراضي داخل المنطقة "أ"، بينها أمر يتعلق بنحو 7.498 دونم في قباطية مقابل المستعمرة الجديدة "نوعا"، لاستخدامها موقعًا عسكريًا.

عمليات الهدم

إلى جانب الطرق والأراضي، غيّرت عمليات الهدم شكل عدد من البلدات والقرى.

ويشير إغبارية إلى إصدار 105 إخطارات هدم بحق مبانٍ سكنية في مناطق مختلفة من محافظة جنين، إلى جانب منشآت تجارية وزراعية واقتصادية.

كما هُدمت 28 بناية سكنية في برطعة، كانت تؤوي أكثر من 130 شخصًا، وهُدم مبنى تجاري في عرابة مساحته نحو 320 مترًا مربعًا، إضافة إلى مبانٍ في عنزة وعرابة ومناطق أخرى.

وفي عابا، هُدمت عشرات المنشآت التجارية والزراعية خلال آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر، فيما طالت الإخطارات حظائر للخيول والأغنام، وبيوتًا بلاستيكية، ومنشآت زراعية.

وبذلك، لا يقتصر التغيير الجغرافي على الطرق والمساحات المفتوحة، بل يصل إلى النسيج العمراني نفسه، عبر إزالة مبانٍ قائمة ومنع التوسع العمراني الفلسطيني، بالتزامن مع توسيع البنية الاستعمارية والعسكرية.

من جنين إلى الضفة الغربية

ما يحدث في جنين ليس حالة منفصلة؛ فوفق تقرير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الصادر في الرابع من تشرين الأول/ أكتوبر، سجلت الضفة الغربية، بما فيها القدس، 62,916 اعتداءً منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بينها 48,174 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال و14,742 نفذها المستعمرون.

وسجل التقرير استشهاد 66 فلسطينيًا في اعتداءات المستعمرين، و1,182 حريقًا، إضافة إلى تضرر 147,111 شجرة، بينها 100,485 شجرة زيتون. وكان لمحافظة جنين نصيب بلغ 23,658 شجرة متضررة.

كما رصد التقرير 922 حادثة تجريف للأراضي، و2,645 اعتداءً على الأشجار والمحاصيل، و211 محاولة لإقامة بؤر استعمارية جديدة، فيما تعرضت 376 قرية وبلدة وتجمعًا فلسطينيًا على الأقل لاعتداءات المستعمرين.

وفي مجال الهدم، سجل التقرير 1,814 عملية هدم طالت 5,059 منشأة، بينها 1,894 منزلًا مأهولًا، و1,524 منشأة زراعية، و723 منشأة مرتبطة بسبل العيش.

كما رصد 2,133 إخطارًا بالهدم أو وقف العمل، و7,775 اعتداءً على الممتلكات، و1,120 عملية استيلاء، و1,437 حادثة سرقة.

ولا تقتصر إعادة تشكيل الجغرافيا على الاستيلاء المباشر على الأراضي؛ إذ تتعدد الأدوات التي تؤدي إلى النتيجة نفسها: منع الوصول، وإعلان مناطق عسكرية، وشق الطرق، ووضع اليد، وإعلان أراضي دولة، أو إقامة بنى تحتية عسكرية واستعمارية.

وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فقد خضعت نحو 64.2 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية لآليات مختلفة من الاستيلاء أو السيطرة.

وسجلت الهيئة 231 أمرًا أو إجراءً للاستيلاء العسكري على أراضٍ طالت نحو 5,268 دونمًا، بينها 46 أمرًا لإنشاء مناطق عازلة حول المستعمرات، و122 أمرًا مرتبطًا بطرق أمنية وعسكرية.

كما جرى الإعلان عن نحو 29.7 ألف دونم باعتبارها "أراضي دولة"، واتخذت 11 عملية استملاك رسميًا طالت نحو 3,534 دونمًا.
 

المصدر: فلسطين الآن