23.99°القدس
23.73°رام الله
22.86°الخليل
26.62°غزة
23.99° القدس
رام الله23.73°
الخليل22.86°
غزة26.62°
الإثنين 26 أكتوبر 2026
4.15جنيه إسترليني
4.38دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.48يورو
3.11دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.15
دينار أردني4.38
جنيه مصري0.06
يورو3.48
دولار أمريكي3.11

خنق الضفة الغربية... إغلاقات تتجاوز موسم الانتخابات الإسرائيلية

3Wb4Q.jpg
3Wb4Q.jpg

قبل أن يغادر الفلسطيني منزله إلى عمله أو جامعته في مدينة أخرى، بات عليه أن يتفقد هاتفه لمعرفة أحوال الطرق.
ففي تطبيق تليغرام، توجد مجموعات إخبارية مختصة بأحوال الطرق، يتبادل فيها السائقون والمواطنون معلومات عن الحواجز المفتوحة والمغلقة، وأماكن الازدحام والطرق البديلة، إذ تتغير حالة الحاجز الواحد أكثر من مرة خلال دقائق معدودة.
وأصبحت متابعة هذه المجموعات أو التطبيقات عبر الهواتف الذكية جزءاً من السلوك اليومي للفلسطينيين، في ظل اتساع رقعة الإغلاقات الإسرائيلية التي تقطع الطرق بين مدن الضفة الغربية المحتلة وقراها، خصوصاً منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وجاء إعلان جيش الاحتلال إغلاق المعابر مع الضفة الغربية، يوم غد الثلاثاء في يوم انتخابات الكنيست، ليعيد مسألة قيود التنقل إلى الواجهة.
إذ دأبت إسرائيل على اتخاذ إجراءات مماثلة خلال الأعياد والمناسبات والانتخابات، لكنها كانت تتعلق أساساً بإغلاق المعابر وتقييد دخول الفلسطينيين إلى الأراضي المحتلة عام 1948، من دون أن تعني بالضرورة إغلاق الطرق بين المدن والقرى الفلسطينية.
أما الإغلاقات الداخلية، فقد توسعت بصورة كبيرة منذ السابع من أكتوبر 2023، بصرف النظر عن المناسبات التي تتذرع بها إسرائيل.

ربط المستوطنات في الضفة الغربية
تكشف معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، الصادرة في 25 سبتمبر/أيلول الماضي، حجم التوسع في منظومة الإغلاق، إذ بلغ عدد الحواجز ونقاط الإغلاق والعوائق في الضفة الغربية 942، منها 824 حاجزاً ونقطة إغلاق ثابتة، إضافة إلى 118 عائقاً خطياً تشمل السواتر والخنادق وإغلاقات الطرق، تمتد على نحو 107.7 كيلومترات. وتتصدر محافظة الخليل القائمة بواقع 221 حاجزاً ونقطة إغلاق ثابتة، تليها رام الله والبيرة بـ160، ونابلس بـ120، وبيت لحم بـ78، والقدس المحتلة بـ62. كما رصدت الهيئة إضافة 13 بوابة وحاجزاً ثابتاً خلال الشهرين السابقين لتقريرها، بينها عشر بوابات حديدية في محافظة جنين. 

وتسمح هذه المنظومة لجيش الاحتلال بالتحكم بحركة السكان بين التجمعات الفلسطينية، إذ قد يؤدي إغلاق بوابة واحدة إلى تعطيل الوصول إلى مدينة أو قرية، وإجبار المواطنين على استخدام طرق بديلة تستغرق وقتاً أطول. ووثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أيضاً إقامة مستوطنين بوابات حديدية على طرق فلسطينية، منها بوابتان قرب كفر نعمة وأم صفا بمحافظة رام الله والبيرة. 

ويرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة بيرزيت إبراهيم ربايعة، أن إسرائيل راكمت خلال العقود الماضية منظومة معقدة ومتعددة المستويات للسيطرة على حركة الفلسطينيين، تبدأ بإغلاق المعابر التي تربط الضفة بالأراضي المحتلة عام 1948 أمام الأفراد والبضائع، وتمتد إلى تقييد التنقل بين المدن والبلدات.
ويوضح أن إسرائيل تشدد هذه الإجراءات خلال المناسبات والانتخابات والأعياد، أو لأسباب تصفها بالأمنية، وكذلك لخدمة مشاريع استيطانية تتطلب تقييد حركة الفلسطينيين.  
ويعتبر ربايعة أن الإجراءات المتزامنة مع الانتخابات الإسرائيلية الحالية ليست جديدة أو استثنائية، لكنها تترافق هذه المرة مع الحملة العسكرية الإسرائيلية في الخليل ومناطق أخرى في الضفة الغربية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين.

وفي رأيه فإن إسرائيل قطعت شوطاً كبيراً في تفتيت الضفة وتحويلها إلى معازل فلسطينية منفصلة، وفق ترتيبات جغرافية وأمنية وإدارية معقدة، مقابل تعزيز الترابط الجغرافي بين المستوطنات وتوسيع شبكات الاتصال بينها، مستفيدة من الظروف الدولية والإقليمية والمحلية والفلسطينية لاستكمال هذا المشروع. 

وتجد أولوية حركة المستوطنين تعبيراً واضحاً في تصريحات مسؤولين إسرائيليين. ففي أغسطس/آب 2023، قال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إن حقه وحق زوجته وأطفاله في التنقل على طرق الضفة الغربية أهم من حرية حركة الفلسطينيين، مبرراً ذلك بالاعتبارات الأمنية.
وبعد اندلاع الحرب، طالب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بإقامة مناطق عازلة حول المستوطنات والطرق التي يستخدمها المستوطنون ومنع الفلسطينيين من دخولها حتى لأغراض قطف الزيتون. 

ولا تقتصر نتائج الإغلاقات على تقييد التنقل، إذ تفرض تكاليف اقتصادية متزايدة على الفلسطينيين؛ فقد قدرت دراسة لمعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس"، في مارس/آذار 2025، تناولت شمال الضفة ووسطها، خسارة نحو 191 ألف ساعة عمل يومياً نتيجة التأخير على الحواجز، بكلفة تقارب 764.6 ألف دولار يومياً، أو 16.8 مليون دولار شهرياً، إضافة إلى نحو ستة ملايين دولار سنوياً من تكاليف الوقود الإضافية. وتتزامن هذه الخسائر مع ارتفاع البطالة في الضفة إلى 27.9% خلال الربع الثاني من عام 2026، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، الذي أحصى نحو 284 ألف عاطل عن العمل في ظل تراجع فرص العمل والنشاط الاقتصادي وتداعيات الحرب. 

من السيطرة على الحركة إلى التهجير 
يرتبط جزء من الإغلاقات الإسرائيلية في الضفة الغربية باعتبارات استعمارية تهدف إلى إحكام السيطرة على حركة الفلسطينيين وتقليص تنقلاتهم، لكن تحت مبرر منع تنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية. غير أن هذه الاعتبارات لا تفسر وحدها طبيعة الإجراءات التي تتخذها سلطات الاحتلال، إذ يرى المختص في الشأن الإسرائيلي عادل شديد أنها تندرج أيضاً ضمن سياسة العقاب الجماعي والانتقام التي تنتهجها القوى اليمينية الاستيطانية المشاركة في الحكومة الإسرائيلية، وفي مقدمتها بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير و(النائبة) أوريت ستروك و(النائب) آفي ماعوز. 

ويستدل شديد على ذلك بتباهي سموتريتش بهدم المباني الفلسطينية ومصادرة الأراضي، وتصريحات بن غفير بشأن الإجراءات العقابية بحق الأسرى الفلسطينيين. ويرى أن البعد السياسي هو الأهم، إذ تسعى الحكومة الإسرائيلية، بحسب تقديره، إلى تكييف الفلسطينيين مع واقع طويل الأمد من القيود والسيطرة، بما ينسجم مع المشروع العقائدي للصهيونية الدينية و"خطة الحسم" (ضم الضفة) التي طرحها سموتريتش (2017). ويضيف أن الإغلاقات تستهدف أيضاً زيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية ودفع الفلسطينيين إلى مراجعة خياراتهم السياسية وإثارة خلافات داخلية بشأن المسؤولية عن تدهور أوضاعهم المعيشية. 

ما المختص في الشأن الإسرائيلي معاوية موسى، فيستبعد وجود علاقة مباشرة بين الإغلاقات والانتخابات، ويعيد جذورها إلى سياسة بدأت تتبلور خلال الانتفاضة الثانية عام 2000. ويميز بين ما يسميه "إسرائيل الأولى"، التي تمثل التيار الإسرائيلي التقليدي وتسعى، وفق تقديره، إلى تحويل الإغلاقات إلى حدود فعلية للوجود الفلسطيني وحصره في المنطقتين "أ" و"ب" (وفق اتفاقية أوسلو، والتي تشمل أيضاً المنطقة "ج")، وبين "إسرائيل الثانية" التي يمثلها اليمين الاستيطاني والصهيونية الدينية وتطرح بصورة علنية خطط الفصل التام وتهجير الفلسطينيين من الضفة.

وتتقاطع قراءات المختصين في اعتبار الإغلاقات الإسرائيلية سياسة تتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة، رغم اختلافهم في تفسير أهدافها. فالتفتيت الجغرافي والضغوط الاقتصادية والاجتماعية يشكلان، وفق هذه القراءات، أدوات متداخلة لإحكام السيطرة على الفلسطينيين وتقليص قدرتهم على الحركة والعمل والاستقرار.  
وتكتسب هذه السياسة دلالات إضافية في ظل تصاعد الدعوات الإسرائيلية العلنية إلى التهجير، إذ أعلن سموتريتش في فبراير/شباط الماضي اعتزامه العمل على "تشجيع الهجرة" من الضفة الغربية وقطاع غزة، وربط ذلك بإلغاء اتفاقيات أوسلو وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة. 

وعليه، فإن خنق الضفة الغربية لا يرتبط بظرف أمني عابر أو بموسم انتخابي، وإنما يعكس مساراً تراكمياً من القيود والسياسات الاستيطانية التي تسارعت منذ الحرب على غزة، وتسهم في تحويل الضفة تدريجياً إلى بيئة طاردة للفلسطينيين؛ عبر تضييق المجال الجغرافي المتاح لهم وتقويض مقومات حياتهم الاقتصادية والاجتماعية. ومع استمرار توسيع الحواجز والبوابات والتحكم بالطرق والأراضي، تتزايد الضغوط التي تهدد قدرة السكان على البقاء، في وقت بات فيه تهجير الفلسطينيين جزءاً معلناً من التصورات السياسية التي يتبناها اليمين في إسرائيل. 

المصدر: فلسطين الآن، العربي الجديد