22.75°القدس
22.48°رام الله
21.46°الخليل
25.77°غزة
22.75° القدس
رام الله22.48°
الخليل21.46°
غزة25.77°
الإثنين 26 أكتوبر 2026
4.15جنيه إسترليني
4.38دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.48يورو
3.11دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.15
دينار أردني4.38
جنيه مصري0.06
يورو3.48
دولار أمريكي3.11

تأجيل الانتخابات أو إقامتها... عندما تتصادم "شرعية الصناديق" مع وجع الشارع الفلسطيني

full_2018101403.jpg
full_2018101403.jpg

يهيم المواطنون على وجوههم في شوارع قطاع غزّة وأزقّته المنهكة، باحثين عن أمانٍ أو سكنٍ يلملم شتات حياتهم بعد استهداف أحيائهم ومنازلهم، ويخيّم الحزن على من فُجعوا بأحبتهم، ويصارع آخرون لتأمين أدنى مقوّمات البقاء في خيامٍ تهالكت من المطر، بين طوابير الماء والتكايا والبحث عن قبس ضوءٍ في العتمة.

وفي وادٍ آخر، يمرّ الخطاب السياسي، إذ أعلن مرسومٌ رئاسيٌّ في التاسع من يوليو/تموز الماضي إجراء انتخاباتٍ تشريعيةٍ في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، قبل أن يصدر مرسومٌ آخر يؤجّلها إلى 11 سبتمبر/أيلول 2027، في تكرارٍ لسابقة التأجيل في أبريل/نيسان 2021، وما بين القرارين، بدا التفاعل الشعبي ضعيفاً، وكأنّ الشارع لم يسمع لا بالانتخابات ولا بتأجيلها.

يكشف هذا التقرير عن الفجوة بين أجندات السلطة والفصائل ومنظّمة التحرير من جهةٍ، وأولويات الشارع من جهةٍ أخرى، وهو شارعٌ بات يقيس جدوى العملية الديمقراطية بأسئلةٍ وجوديةٍ تمسّ معيشته وأمنه وحماية أطفاله.

نبض الشارع
كشفت حوارات مع مواطنين ومواطناتٍ عن حالةٍ عميقةٍ من الانفصال، والإحباط، واللامبالاة السياسية، تحت وطأة الموت والإنهاك المعيشي، فمن قلب مخيّم الكرامة، تعبّر المواطنة أمّ محمّد حمّاد بصوتٍ يختزل القهر والخذلان والواقع الميداني القاسي" عن أي انتخابات تتحدثون ونحن نعيش الموت كلّ يومٍ ألف مرةٍ؟ فمع ساعات الفجر الأولى تبدأ الروافع وآليات الاحتلال ودبّاباته وبوارجه الحربية بإطلاق النار العشوائي والمباشر صوبنا، وعلى الرغم من أنّنا نبعد عن حدود ما يُسمى "الخطّ الأصفر" زهاء أربعة كيلومترات، إلّا أنّ رصاص الاحتلال يستهدف مخيّمنا يومياً، ويصطاد المواطنين واحداً تلو الآخر، نعيش تحت خطر القتل المباشر من دون أن يشعر بنا أحدٌ، لا صاحب قرار، ولا سياسي، ولا مراهن على انتخابات، ولا غيرهم".

وتساءلت عمّار "كيف يمكن لأي جهةٍ أن تفي بوعودها والوضع برمّته رهن إرادة الاحتلال في إدخال المساعدات أو منعها؟

أما المواطنة ميسرة عمر فتسلّط الضوء على المعضلة المعيشية الّتي تحول دون تفكير الشارع في أي استحقاقٍ سياسي "برأيي، كلّ أبناء الشعب الفلسطيني يرغبون في التغيير نحو الأفضل، ويتشوقون لممارستهم حقّهم الانتخابي للتغيير، لكنّ للانتخابات وقتها وزمانها المناسبَين، اليوم وما إن يُفتح نقاشٌ حول الانتخابات أو تأجيلها، حتّى يقاطعك الآخرون بصرخةٍ واضحة: نحن في ماذا وأنتم في ماذا؟ هل هذا وقت الحديث عن انتخابات والبلد يعيش تحت وطأة الإخلاءات والإنذارات والخوف والرعب الدائم؟".

وتضيف عمر موضحةً حجم المأساة "أين يذهب الناس عندما يُشَرَّدون من دون ما يسترهم في ساعات الفجر أو في هزيع الليل؟ كلّ تفكير المواطن محصورٌ في الحصول على المأوى والشعور بالأمان، فكيف يُنتظر من عقولٍ مشوّشة بالبحث عن الحماية وأبسط مقوّمات بقاء أطفالهم صامدين أمام الشظايا أن تُشغل نفسها بفكرة الانتخابات وجدواها؟".

ويقف المواطن محمد السيقلي موقفاً صريحاً من فكرة المشاركة في الانتخابات التشريعية، مؤكّداً أنّ الرغبة في التوجه إلى صناديق الاقتراع تتطلّب ابتداءً وجود بيئةٍ حرّة، وهو ما تفتقده الساحة الفلسطينية في الوقت الراهن. ويرى أنّ الانتخابات الفلسطينية تفقد جوهرها في ظلّ هيمنة الاحتلال الإسرائيلي على مفاصل الحياة كافّة، "الانتخابات الحرّة تحتاج بالضرورة إلى بيئةٍ سياسية وميدانية حرّة، والواقع الفلسطيني بعيدٌ كلّ البعد عن ذلك، فالاحتلال يتحكّم بالحدود والحركة والأموال والمعابر، بل وحتّى في قدرة المرشّح على الإيفاء بعهوده، تجربة 2006 ما تزال حيةً في ذاكرتنا، اخترنا حينها بإرادتنا فرفض العالم النتيجة وحوصرنا وعوقبنا على خيارنا الديمقراطي، وحين يُعاقَب الناخب على صوته يفقد الصندوق معناه التغييري، والمشاركة تحت شروط الاحتلال لا تمنح هذا الواقع سوى شرعيةٍ لا يستحقّها من دون إحداث تغييرٍ ملموس"، مشيراً إلى أنّ أولويّته الآن تكمن في إيقاف حرب الإبادة وإغاثة المواطنين "فمن يلهث اليوم خلف لقمة العيش وقطرة الماء والمأوى والأمان لأسرته، لا يفكّر في الصناديق بل يفكّر فيمن ينقذه وينقذ عائلته".

أولوياتٌ وجوديةٌ غائبة
بدورها، تؤكّد المواطنة دعاء عمار غياب الجدّية السياسية لدى أطراف السلطة لإجراء العملية الديمقراطية "الإعلان عن التأجيل يعكس غياب الإرادة والجدّية الحقيقية لدى القوى السياسية، وحتى لو أُجريت فإنّ العملية تفقد أهمّيتها وجدواها لدى المواطن لغياب أي برنامجٍ انتخابي واقعي يلامس الهموم الحقيقية، أو يمكن القياس عليه للمفاضلة بين المرشحين، فالمشهد السياسي اليوم محصورٌ في استقطابٍ بين فريقٍ يرفع شعار المقاومة وآخر يراهن على المسار السياسي والتطبيع، فيما يقف المواطن في مكانٍ آخر، يريد بيتاً وماء وكهرباء وإعادة إعمار ومدارس لأبنائه".

وتساءلت عمّار "كيف يمكن لأي جهةٍ أن تفي بوعودها والوضع برمّته رهن إرادة الاحتلال في إدخال المساعدات أو منعها؟ حتّى الهياكل الدولية وفي مقدمتها ما يُسمى بـ(مجلس السلام) لم يمارسوا أي ضغطٍ حقيقيٍّ لإيقاف حرب الإبادة والدمار، فكيف سيحقّق المرشّحون هذه الوعود؟".

وتختصر المواطنة شيماء أبو سعدة موقف اللامبالاة الناجم عن الحرب والعيش اليومي بالتالي: "في الوقت الحالي لا أجد في نفسي رغبةً بالمشاركة في الانتخابات طالما أنّ مخرجاتها لا تنعكس بأسلوبٍ ملموسٍ على الأرض، فوسط الإبادة الّتي نعيشها منذ سنواتٍ لا تشكل الانتخابات أولويةً بالنسبة لي، وصراحةً لا يفرق عندي إن أُجريت الانتخابات أو تأجّلت، فالأمران بالنسبة لي سيّان، ما يهمّني ويشغل بالي الآن هو أن تتحسّن الظروف المعيشية، وأن يلمس الناس تغييراً حقيقياً وملموساً في تفاصيل حياتهم اليومية".

يعكس رأي الشاب العشريني محمّد سعدي، حالة اليأس المتنامية في أوساط الجيل الشابّ تجاه جدوى العملية الديمقراطية والتداول السياسي، إذ يشدّد على أنّ أولويات الشارع اليوم باتت في وادٍ، وأجندات الطبقة السياسية في وادٍ آخر، ويقول سعدي: "الأمل الوحيد المتبقي لدينا اليوم هو وقف حرب الإبادة أولاً، ومن ثمّ الذهاب نحو بناء مؤسسات الدولة على قواعد صحيحة".

ومن هذا الواقع المرير، يختصر سعدي حالة الاستنزاف الشعبي بتهكّم يسقط على العملية السياسية برمتها، مضيفاً: "كما يُقال في المثل الشعبي (كأنّك يا أبو زيد ما غزيت) فلم يعد لدينا اهتمامٌ سواءً أُجريت الانتخابات أو تأجّلت، فالنتيجة في كلا الحالتين واحدةٌ ولن تتغير".

الثقة باتت متآكلةً ومتفاوتةً بالرغم من احتفاظ حركتي فتح وحماس بقواعد تأييدٍ واضحة، ويقول: "نحن أمام أزمة تمثيلٍ واسعة، لكنّها لا تعني بالضرورة تحوّلاً نحو قوىً جديدة

حسابات الشرعية وتوافقات التأجيل
تتأرجح القيادة الرسمية ومؤسسات السلطة الفلسطينية ومنظّمة التحرير بين الضغوط الدولية والمحلية لإنتاج شرعيةٍ متجددةٍ عبر صندوق الاقتراع، وبين التعقيدات الميدانية والسياسية المعطَّلة، وتؤكّد الرئاسة الفلسطينية أنّ إجراء الانتخابات يهدف إلى تثبيت السيادة الوطنية ومنع مخططات فصل قطاع غزّة عن الضفّة الغربية والقدس الشرقية، إلّا أنّها ترهن تنظيم الاقتراع بموافقة الاحتلال الإسرائيلي على إجرائه شمولياً في القدس وغزّة والضفّة، مشيرةً إلى أنّ رفض الاحتلال الشمولية وإعاقته طواقمَ الانتخابات هو السبب المباشر لإصدار مرسوم التأجيل تجنُّباً لانتخاباتٍ تكرّس التقسيم الجغرافي.

ويأتي القرار الرئاسي متزامناً مع لقاءاتٍ فصائلية عُقدت في القاهرة في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول، وضمّت ممثلين عن حركتي فتح وحماس وبقية القوى الوطنية، إذ ساد التوافق حول صعوبة إجراء أي انتخاباتٍ تشريعية أو رئاسية في ظلّ استمرار الحرب وتواصل القصف وإعادة انتشار قوّات الاحتلال الإسرائيلي وشلل البنية التحتية، ما جعل التأجيل خياراً اضطرارياً توافقت عليه أغلب الفصائل الرئيسية.

وفي حين ترى حركة فتح أنّ الانتخابات ضرورةٌ لإصلاح المؤسسات، صرح حازم قاسم؛ الناطق باسم حركة حماس، أن استمرار قيادة السلطة في مصادرة إرادة الشعب الفلسطيني، ومنعه من ممارسة حقّه في الانتخابات على مدار أكثر من عشرين عاماً، يُضعف الحالة الفلسطينية وينهش شرعية مؤسسات السلطة الفلسطينية ومنظّمة التحرير.

لا ينبغي أن تبقى مؤسسات السلطة رهينةً لبعض القيادات الّتي تتصرف بطريقة فئوية، وتمنع إجراء الانتخابات خوفاً من الخسارة؛ إذ إن الأصل أن يُبنى النظام السياسي الفلسطيني على أساس تعددي وديمقراطي، وضمن توافق وطني حقيقي.

كان من شأن هذه الانتخابات أن تشكل فرصةً لأهلنا في قطاع غزة لإعادة ترتيب الأوضاع الفلسطينية، بما يفتح المجال لإغاثتهم، ومنع التدخلات الخارجية في شؤونهم"، وفي المقابل، تواصل بعض القوى والشخصيات الوطنية تحذيرها من تحوّل مرسوم الانتخابات وتأجيله إلى طقسٍ سياسي متكرر، يضرب ما تبقى من شرعيةٍ للمؤسسات الوطنية ومنظّمة التحرير.

تجاذبات المزاج الشعبي وعبثية القرارات الفوقية
في تحليله لمحددات المزاج الفلسطيني العام والمألات المتوقَّعة للعملية الانتخابية، يرى الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أنّ الشارع يعيش حالةً من التجاذب والتركيب المعقَّد، إذ يجمع بين الرغبة الدفينة في التغيير، والشكّ العميق في قدرة صندوق الاقتراع على تحقيق هذا التغيير في الواقع القائم.

يوضح عفيفة: "يتوق المواطن لأن يُسمع صوتُه، لكنّه يتساءل بمرارةٍ حقيقية، هل ستُجرى الانتخابات فعلاً أم ستؤجَّل؟ وهل سيُحترَم اختياره إذا ما ذهب للصندوق؟"، مؤكّداً أنّ معايير الاقتراع اليوم لم تعد محكومةً بالولاءات الفصائلية الصمّاء، بل بتداخل الانتماء السياسي مع تجارب يوميةٍ مباشرة مثل؛ نزاهة المرشح وقربه من الناس وسلوكه وموقفه أثناء الإبادة، وقدرته العملية على تقديم حلولٍ قابلة للتطبيق.

ويشير الكاتب والمحلل السياسي إلى عدم وجود مزاجٍ شعبي موحَّدٍ في الأراضي الفلسطينية، جرّاء اختلاف قسوة الظروف الميدانية، فيقول: "في قطاع غزّة يضغط سؤال البقاء والإيواء وإيقاف المأساة كأولويةٍ مطلقة، بينما تبرز في الضفّة الغربية ملفّات الأمن الداخلي واعتداءات المستوطنين والضائقة الاقتصادية الخانقة، وبالتالي فإنّ العامل الحاسم في نسب المشاركة وسلوك الناخب سيكون مدى اقتناعه بأنّ صوته قادرٌ على تغيير جزءٍ من تفاصيل حياته".

ويتوقّع عفيفة تراجع جاذبية الشعارات الفضفاضة التي لا تقترن ببرامج عملٍ واضحةٍ مقابل صعود معايير الكفاءة والمحاسبة، أمّا بشأن أزمة التمثيل والثقة بالقوى الفاعلة، فيؤكّد أنّ الثقة باتت متآكلةً ومتفاوتةً بالرغم من احتفاظ حركتي فتح وحماس بقواعد تأييدٍ واضحة، ويقول: "نحن أمام أزمة تمثيلٍ واسعة، لكنّها لا تعني بالضرورة تحوّلاً نحو قوىً جديدة، إذ يجب التمييز بين الانتماء السياسي وتقييم أداء الفصيل والجاهزية للتصويت، قد ينتقد المواطن حركته لكنّه يصوّت لها لغياب البديل، وقد يدعم المقاومة ويحاسب إدارة الحكم في آنٍ واحد، فالغضب وحده لا يخلق بديلاً ما لم يرافقه مشروعٌ وشخصياتٌ موثوقةٌ وتنظيمٌ متماسك".

 

المصدر: فلسطين الآن