في غزة، لم تعد رحلة البحث عن مأوى تبدأ من محال مواد البناء، بل من تحت ركام المنازل المدمرة. هناك، حيث تتناثر كتل الإسمنت والحجارة، تمتد أيادٍ متعبة نحو سياخ الحديد المدفونة بين الأنقاض، في محاولة لانتشال ما يمكن استخدامه من جديد. حديدٌ كان يومًا جزءًا من أعمدة البيوت وأسقفها، بات اليوم مادةً أساسية في بناء خيام النازحين، في مشهدٍ تختصر فيه غزة حكاية مدينة تحاول أن تصنع من أنقاضها مأوى لأهلها.
بأدوات يدوية بسيطة، يبدأ العمال مهمتهم الشاقة؛ قضبان حديدية تُسحب من بين كتل الإسمنت، وأخرى تحتاج إلى ساعات من العمل حتى يمكن تحريرها من الركام. لا معدات ثقيلة، ولا إمكانيات كافية، بل أدوات محدودة وجهد بدني مضاعف، في ظل الدمار الواسع الذي طال المباني والبنية التحتية في القطاع.
ومع كل سيخ حديد يُنتشل من بين الأنقاض، تتجدد فرصة الاستفادة منه. فالحديد الذي كان يُستخدم في تشييد المنازل، يُعاد توظيفه اليوم في إقامة هياكل الخيام وتثبيتها، ليصبح جزءًا من مأوى مؤقت لعائلات فقدت منازلها، ولم يعد أمامها سوى البحث عن بدائل تقيها قسوة النزوح.
رحلة الحديد من تحت الركام..
ولا تنتهي رحلة الحديد عند استخراجه من الركام، إذ تبدأ مرحلة أخرى من العمل، تتمثل في تجميع السياخ ونقلها إلى أماكن إقامة الخيام. هناك، تُستخدم في إعداد الهياكل التي تحمل أغطية الخيام، وتساعد في تثبيتها، في محاولة لتوفير مأوى للعائلات التي تعيش في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.
يقول محمود القرم صاحب محل لبيع أسياخ الحديد أننا "نعمل بإمكانيات محدودة وأدوات يدوية بسيطة، ونبذل جهدًا كبيرًا في انتشال سياخ الحديد من تحت الركام إذ يستغرق تحرير السيخ الواحد من كتل الإسمنت وقتًا طويلًا".
وأضاف القرم لـ"فلسطين الآن"، أنه "في ظل غياب المعدات اللازمة، نعتمد على العمل اليدوي، محاولين استعادة ما يمكن استخدامه من الحديد وإعادة توظيفه في بناء خيام النازحين، بدلًا من بقائه مدفونًا تحت الأنقاض".
ويختم حديثه أن "الصعوبة تتمثل الأكبر في استخراج الحديد يدويًا من تحت الركام، إذ تكون السياخ عالقة بين كتل الإسمنت والحجارة، ما يتطلب جهدًا ووقتًا كبيرين لتحريرها. ورغم مشقة العمل ومخاطره، نواصل هذه المهمة في ظل حاجة النازحين إلى الحديد لإقامة خيامهم، محاولين تقديم ما نستطيع لمساعدتهم في توفير مأوى لهم ولعائلاتهم".
ومع شحّ مواد البناء وارتفاع كلفة توفيرها، يجد النازحون في الحديد المستخرج من الركام بديلًا متاحًا، وإن لم يكن كافيًا لتوفير مأوى متكامل. فكل قطعة حديد يمكن إعادة استخدامها تعني توفير جزء من الاحتياجات، وتخفيف عبءٍ جديد عن عائلات أنهكتها الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل.
من الركام إلى الخيام..
في ظل الظروف التي يعيشها النازحون، لا تقتصر أهمية إعادة استخدام الحديد على توفير مواد البناء، بل تمتد إلى محاولة استعادة شيء من القدرة على الاعتماد على الذات. فالعائلات التي فقدت منازلها وممتلكاتها تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن حلول بديلة، مستفيدةً من كل ما يمكن إنقاذه من بين الأنقاض.
وفي حديث مع مواطن قيد إنشاء خيمته يقول مع "شحّ الحديد الجديد وارتفاع أسعاره، نضطر إلى الاستعانة بالسياخ المستخرجة من تحت الركام، ونحاول إعادة استخدامها في إنشاء هياكل الخيام وتثبيتها. فالإمكانيات محدودة والبدائل شبه معدومة، وكل ما نبحث عنه هو توفير مأوى بسيط يحمينا ويحمي أطفالنا من قسوة الظروف".
ويضيف أن "هذا الحديد كان من بيتنا، واليوم بنستخدمه عشان نعمل خيمة تاوينا من مطر الشتاء يعني حتى من تحت الركام بنحاول نطلع إشي يساعدنا نعيش، إحنا بدنا نرجع على بيوتنا، لكن لحد ما نرجع، بدنا مكان يحمينا ويحمي أولادنا".
غير أن هذه العملية لا تخلو من المخاطر؛ فالعمل وسط الركام يتطلب الحذر، خاصة في ظل وجود كتل إسمنتية غير مستقرة، وأجزاء حديدية حادة، واحتمالات انهيار ما تبقى من المباني. كما أن غياب المعدات اللازمة يجعل استخراج السياخ مهمة أكثر صعوبة، ويضاعف الجهد المبذول للوصول إلى الحديد القابل لإعادة الاستخدام.
من تحت الركام، تُنتشل سياخ الحديد لتُقام بها هياكل الخيام، في مشهدٍ تختصر فيه غزة حكاية البقاء بأبسط الإمكانيات. فما كان يومًا جزءًا من بيتٍ يأوي عائلة، أصبح اليوم وسيلةً لتوفير مأوى مؤقت لها. وبين مشقة استخراج الحديد وشحّ مواد البناء، يواصل الغزيون محاولاتهم لترميم ما تبقى من مقومات الحياة، متمسكين بأمل العودة إلى منازلهم، حيث لا يكون المأوى خيمةً فوق الركام، بل بيتًا يعيد إليهم ما سلبته الحرب من أمان.
