لطالما روى الشهداء أرض فلسطين بدمائهم الغالية كي تتحرر، لكن شهداء الإعداد كانوا يروون باطن الأرض بالعرق المتصبب من أجسادهم الطاهرة، وهم يكابدون الليل مع النهار في حفر الأنفاق، وأخيراً وعندما يحين موعد الجنة، يخضبون باطن الأرض بدمائهم الزكية، التي ستكون نوراً تضيء للفاتحين الطريق للقدس وباقي الأراضي المحتلة.
الشهيد القسامي أنور فرج الغلبان، نزل إلى رحم الأرض منقباً عن ثغرة لتحرير بلاده المسلوبة, وخرج منها شهيداً، فالتحق عصر يوم السبت الموافق 29-08-2015م، بركب شهداء الإعداد والتجهيز، ولم يمض على زواجه سوى شهر وبضعة أيام.
تقول والدة الشهيد أم وسام في حديثها لـ"فلسطين الآن" : "ولد أنور وكان ضعيف البنية، فتنقلت به بين الأطباء حتى شفاه الله وتحسنت صحته".
وتتذكره وعبارات الشكر والحمد على استشهاده لم تفارق شفتيها: "لم يغضب أحد، كان يريد رضا الله والناس عليه، كل أطفال الحي يحبونه وخاصة الأيتام منهم، وكان يبحث عن رضا والديه".
وتؤكد والدة الشهيد أن أولادها جميعاً مشاريع شهادة، قدمتهم في سبيل الله، وتقبل الله منها أنور، مضيفة "لم نمنعه أن يمشي في هذا الطريق، فعلى الرغم أن الفراق صعب نسأل الله أن يربط على قلوبنا، ليس خسارة في ربه, هو غالي لكن رضا الله أغلى".
مناقب الشهيد
وعن حنانه بأمه وأهل بيته ومنطقته تروي أمه فتقول: "قبيل استشهاده بأيام، أحضر وجبة من الطعام له ولزوجته، وقال لي أنه أكل حتى آخذها منه، مع أنه لم يأكل، يحرم نفسه لأجلي".
وفي ثاني يوم من عرسه (يوم الصباحية) طلب منه أطفال الحي أن يأخذهم للبحر عصراً، فأخذهم لأن من بين الأطفال أبناء لشهداء سبقوه.
أما زوجة الشهيد أنور الغلبان فوصفت نبأ استشهاده بـ"القاسي", مبينة أنها كانت تتوقع الخبر دوماً؛ لأنها تعرف نهاية الطريق التي يسلكها زوجها، سائلة الله عز وجل أن يجمعها به في الفردوس الأعلى.
ويشير وسام الأخ الأكبر للشهيد في حديثه لـ"فلسطين الآن" إلى أنه على الرغم من التعب والإرهاق الذي كان يصيب الشهيد أنور من جراء العمل في الأنفاق، إلا أن ذلك لم يمنعه من الذهاب لمدينة غزة كل أسبوع ليقوم بإراحة والده الذي يعمل في حراسة أحد الأبراج بمدينة غزة.
وينوّه وسام إلى أن أخيه الشهيد كان مطيعا لإخوانه، لم يرفض لأحد طلباً، كانت علاقته جيدة مع الجميع، موضحاً أنه رآه في صلاة الجمعة في المسجد وكان وجهه يشع نورًا.
أما "أنسام" أخت الشهيد الوحيدة، التي أعياها فقدان أكثر إنسان يطرق باب منزلها سائلاً عن أحوالها مطمئناً عليها فتقول: "أنور أحن أخ لي، يحب الخير للجميع بدرجة كبيرة، اسأل الله أن يصبرنا على فراقه".
مثال الالتزام
وعن أعماله الجهادية؛ فقد التحق أنور في صفوف القسام مع بدايات العام 2010م ، بعد أن كان متطوعاً، وحسب أحد من أشرفوا عليه، فقد كان أنور مثالاً للجندي المطيع الملتزم بالقرارات، وكان دائم الجهوزية، بشوش الوجه مع إخوانه.
ويضيف أحد أصدقائه إنه كان دائم الحديث عن الشهداء حتى قبيل استشهاده بدقائق، تحدث عن الشهيد القسامي خالد الغلبان الذي قضى قبله في مسيرة الإعداد والتجهيز، حتى أثناء استشهاده كانت الابتسامة ترتسم على وجهه.
يرحل الشهداء ولسان حالهم يقول "من أراد اللحاق بنا فوجب عليه تتبع طريق الجهاد وبين الشهداء لا مكان للقاعدين".
هؤلاء الشباب الشهداء ومن سبقوهم بمسيرة الإعداد، يكفيهم فخراً أن بطون الأرض وأخاديدها تعرفهم، لأن جنباتها ستضمهم إذا جاء أجلهم، فطوبى لمن أعلم الأرض بموعد قدومه، لتهيئ نفسها لاستقباله.