12.23°القدس
11.99°رام الله
11.08°الخليل
16.74°غزة
12.23° القدس
رام الله11.99°
الخليل11.08°
غزة16.74°
الخميس 22 يناير 2026
4.23جنيه إسترليني
4.45دينار أردني
0.07جنيه مصري
3.68يورو
3.15دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.23
دينار أردني4.45
جنيه مصري0.07
يورو3.68
دولار أمريكي3.15

شاهدٌ على تفاصيلها..

ذكرى "النكسة" تفتح أوجاع الثمانيني "صوافطة"

عزت محمد صوافطة
عزت محمد صوافطة
نابلس - فلسطين الآن

تعود الذاكرة بالثمانيني عزت محمد صوافطة للخامس من حزيران عام 1967، ذكرة النكسة واحتلال الضفة الغربية وغزة والجولان وشبه جزيرة سيناء.

حينها كان الرجل عريفاً في الجيش الأردني وكان يخدم في القدس، وقرر عدم النزوح إلى الضفة الشرقية، والعودة إلى عائلته في طوباس مهما حدث، وسار على قدميه، وعاش عشرات المشاهد المحزنة.

يروي: خلت القدس من أهلها  يوم  احتلالها في السادس من حزيران، وأتذكر ما حدث حوالي الساعة الخامسة مساء، حين شنت القوات الإسرائيلية هجومًا على المدينة، ولا أنسى مهاجمة مركزنا في قرية بدو، فقد كانت لحظات عصيبة.

ووفق صوافطة، الذي أبصر النور عام 1930، فقد سلكت دوريات جيش "إسرائيل" طريق قطنّة- أبو غوش، نحو الساعة السادسة والنصف مساءً، بعد الدخول من منطقة "الرادار"، فيما وقعت أعمال مقاومة في منطقة التي تعلو بدو فوق قرية القبيبة، في حين فتح الجيش الأردني النار من داخل المعسكر، وبحكم تفوق أسلحة الاحتلال، لم تدم المقاومة في محيط المعسكر غير ساعة وربع.

يروي: في الصباح، شاهدت اليهود وهم يحتلون قطنة والقبيبة، وأدركت أن البلاد سقطت، وقررت أن أخرج من المعسكر بمنطقة (خراب اللحم) ورافقني الشاويش سليمان تركي من بيتنا قضاء نابلس، وأبو مجاهد من بورين (استشهد في اليوم نفسه). وحين وصلنا منطقة قريبة من بدو، كان يحتمي شبان من الخليل بين الأشجار، ويريدون التوجه إلى رام الله، ولا يستطيعون قطع الشارع؛ لوجود دورية للاحتلال على بعد نصف كيلو متر منهم في الجبل المقابل. وعندها التقيت بالجندي محمد عطوة من الكرك، ارتدينا الزي المدني، حتى لا نكون صيدًا سهلاً لجيش للعدو.

قتل بدم بارد

وبحسب صوافطة، فإن أحد الشبان قطع الشارع، ونجا من الموت المحقق، ولم تتمكن منه الرصاصات الإسرائيلية، فتبعه زميله أبو مجاهد، لكن الرصاص أصابه في البطن واستشهد على الفور، وصار يسبح في دمه.

 يتابع: قررت أن أمشى نحو الجنود بشكل مباشر، ولما وصلتهم شاهدت اثنين منهم عند المصفحة، وبدت من ملامح وجه أحدهم ولسانه أنه بدوي، وما أن وصلته إلا واتهمني بأنني جندي عراقي، وطلبا مني أن أقف جانباً، فظننت أنه سيطلق عليّ النار، كما حدث لرفيقي.

واستنادًا لصوافطة، فبعد وقت قصير راح الجندي البدوي يحاوره، ويتفحص رقبته، ويفتش ملابسه، ويسأله عن مهنته، وعلاقته بالجيش العراقي والأردني، إلا أنه أجاب بعمله في تنظيف بيوت المغتربين في شعفاط، ويود الذهاب لعائلته في رام الله  بسبب الحرب، فسمح له بالمغادرة، ثم ردد سؤال: هل ستطلق عليّ النار كما فعلت بالرجل قبل قليل؟ فرد بالعربية: لا، سندعك تذهب؛ لأنك لست من الجنود الذين نبحث عنهم.

لحظات عصيبة

يسترد: وصلت قرية عين عريك ليلاً، وشاهدت الناس يقفون بجانب مقبرة، وسألت عن شاب أعرفه ليرشدني إلى طريق لنابلس، والتقيت ثانية بالجندي الكركي الذي كان معي من قبل، فأرشدانا الأهالي إلى رجل يعمل بإحدى الكسارات القريبة من القرية واسمه أبو فهمي، ولم يكن الرجل الذي نبحث عنه، ورغم ذلك استقبلنا وقام بواجبنا.

 يكمل صوافطة: بتنا تلك الليلة، ودعانا إلى العشاء، وفي الصباح التالي، سمعت من الإذاعة الأردنية سقوط البلاد، وشعرت بغصة في قلبي، ثم سألني المضيف عن مهنتي، فقلت إني عامل، فرد عليّ بأنه يعرف الناس من وجوههم، وقال: أنت لست بعامل، وطلب مني الحقيقة، فقلت: أنا عريف في الجيش الأردني، وأقصد العودة لأهلي في طوباس.

تناول صوافطة وصاحبه فطورهما، وطلب أن يهدي مضيفه شيئًا، وهو قلم بحبر باركر ذهبي نوع (51) إضافة إلى 25 ديناراًّ تبقت من راتبه، وهي كل ما في جيبه، لكن أبو فهمي رفض، وبكى؛ لأنه لم يساعده لأجل المال.

يوالي: سرنا نحو قرية عين قينيا، ثم قصدنا المزرعة الغربية، وحذرنا الأهالي من المرور عبر الطريق العريض، وحين وصل البلدة استضافنا رجل اسمه أبو عطا، كان يعمل آذن مدرسة، وأمضينا عنده حتى الصبح. وقصدنا قرية عارورة، ووصلنا بالخطأ إلى قرية النبي صالح.

مشاهد مرة

يزيد: عندما وصلت عين الفارعة استرحت قليلاً، ومرت عدة حافلات لجنود الاحتلال، وتقابلت مع جندي من جيش التحرير، ونصحني أن أغير وجهتي وألحق بأهلي إلى الأردن، فرفضت، ووصلت طوباس، ولم أجد في منزلنا غير والدي  الذي كان رئيس البلدية، فقرر هو وبقيىة الأعضاء أن لا يخرجوا من طوباس، فطلب مني أن أبدل ملابسي، وأجلس في البيت، وشاهدت الجنود وهم يحملون العتاد والوقود من عراق صوان ( الكهف الكبير الموجود  قرب منزلنا والذي استخدمه الجيش الأردني مخزناً) وبعد وقت قصير دخل  جنود إسرائيليون إلى المنزل وفتشوه، ثم اقتادوا الناس إلى ساحة المدرسة، وصاروا يحققون معنا، وحين جاء دوري، سألني الجنود: ماذا تعمل؟ فقلت: في الزراعة، فلم يقتنعوا لأني  يدي ليست خشنة. وسألوني عن مخازن الجيش، فأخبرتهم بأني أعرف أحدها، وقصدت المكان ذاته الذي سبق أن شاهدتهم فيه، فردوا: هذا نعرفه. نريد أمكنة أخرى. فأجبت: هذا فقط ما أعرفه.

وبحسب صوافطة، فقد اعتقل جنود الاحتلال والده، واقتادوه إلى معسكر الزبابدة، وأخبروه في الطريق نيتهم تصفيته هو وأعضاء البلدية الآخرين، وغطوا عيونهم، وأخبروهم بعد يوم من الاحتجاز  داخل اسطبلات الخيول، أن المكلف بإطلاق النار عليهم لم يأت بعد لقتلهم!

ينهي: حين عاد والدي من المعسكر، طلب مني أن أركب الفرس وألحق بعائلتي، فتوجهت وابن عمي إلى مخاضة أبو السوس، وقبل أن أقطع النهر أقنعته أن يعود للبلد؛ لأنه لا يمكن أن يعمل شيئا في الضفة الشرقية، وسألتحق أنا بوظيفتي، فوافق، وأخبرني لاحقًا أن الجنود سرقوا حصاني وأبقوا على فرسه.