مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وإعلان تشكيل اللجنة الإدارية ومجلس السلام المسئول عن القطاع، يرصد الاسرائيليون نمطا ثابتا من تصرفات الرئيس دونالد ترامب، ويتمثل في بذل المزيد من الجهود الدبلوماسية، وتليها تحركات حازمة بما يخدم المصالح الأمريكية الواسعة، ولو على حساب مصالح الاحتلال.
يوني ريني، المؤرخ والباحث والأكاديمي، ومؤلف كتاب "هل غزة محتلة حقًا، وهل هي محاصرة؟"، الذي تنبأ بهجوم السابع من أكتوبر، ذكر أن "الإسرائيليين في هذه الأيام، تُسمع تفسيرات عديدة بشأن إنشاء إدارة تكنوقراطية في قطاع غزة، لكن معظمها يستند لمعلومات جزئية فقط، وبصفتي مؤرخًا أود أن أقدم منظورًا تحليليًا أوسع، يتتبع أنماط عمل ترامب، في محاولة للتنبؤ بالنتائج المحتملة".
وأضاف ريني في مقال نشرته صحيفة معاريف، أن "المصالح الاستراتيجية الأمريكية من التطورات الجارية في المنطقة والعالم، ومنها غزة، تتمثل في الموانئ والنفط والجغرافيا السياسية، حيث يولي ترامب أهمية قصوى لسيطرة الولايات المتحدة على ميناء غزة، من بين أمور أخرى، من أجل منافسة ميناء حيفا الذي تديره الصين، كما يهتم بإقامة نظام موالٍ لأمريكا في إيران لكي تبيع نفطها للولايات المتحدة بدلاً من منافسيها: الصين وروسيا".
وأشار الكاتب إلى أن "إعلان ترامب عن خطته للسيطرة على غرينلاند لمنع روسيا من السيطرة عليها، ومحاصرة الولايات المتحدة من الجبهة الشرقية يأتي منسجماً مع هذه المصالح، وكذلك فعل فيما يتعلق بتطلعاته لضمّ كندا، المتاخمة لولاية ألاسكا، انطلاقا من مخاوفه المزعومة بشأن تحركات روسيا، مما يعني أن سلوك ترامب قد يكون له ما يبرره".
وأكد ريني أنه "خلال فترة رئاسة الرئيس السابق جو بايدن، ألغى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين معاهدة ألاسكا لعام 1867، ونتيجة لذلك، اعترفت روسيا بها كأرض روسية، وقبل عام من الغزو الروسي لأوكرانيا، نشر مقالاً ذكر فيه أنها كانت دائماً جزءاً من بلاده، مما يجعل من استراتيجية ترامب الطريق "السهل الصعب"، لأنه على خلفية انتخابات الكونغرس ومجلس الشيوخ المقرر إجراؤها بعد عام، يسعى ترامب لتهدئة الجناح الانفصالي في الحزب الجمهوري".
وأوضح أن "ترامب يسعى لأن يُظهِر نفسه كشخص يحاول حل الأزمات بالطريق السهل الدبلوماسي، ولن يلجأ للطريق الصعب إلا إذا لم تُحل بهذه الطريقة، وقد اتسم سلوكه منذ يناير 2025 بالثبات، فمنذ انتخابه، حاول التوصل لاتفاق بين حماس وإسرائيل بالطريق السهل، وسمح اتفاق النقاط الـ21 للجيش الإسرائيلي بالسيطرة على 53% من أراضي قطاع غزة، مع مراعاة مطالب حماس في الوقت نفسه، كما طُبِّق نهجه "السهل" و"الصعب" قبل شهرين من عملية الهجوم على إيران في يونيو 2025".
وأردف كاتب المقال، أن "الانخراط الأمريكي في الحرب على إيران جاء بعد فشل المحادثات الدبلوماسية الأمريكية معها، ووصفها بالطريق "السهل"، مما أعطى الضوء الأخضر للعمل الإسرائيلي، ثم الأمريكي لاحقًا، ضدها، كما أمر باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حليف خصوم الولايات المتحدة: روسيا والصين وإيران، والذي كان يزودهم بالنفط، ويمول أيضاً المخدرات، بعد أن وجه تحذيراً له".
وبين ريني أنه "في إطار الاتفاق مع حماس، حاول ترامب إنشاء قوة دولية بموافقة إسرائيل، وهي خطوة باءت بالفشل، ثم انتقل لمحاولة أخرى لتشكيل لجنة تكنوقراطية في غزة، مع أن أي لجنة من هذا القبيل ستعتمد على السياسة في قراراتها، ومن المعروف أن الترتيب المؤقت قد يتحول في نهاية المطاف إلى ترتيب دائم، وبالتالي قد تعود غزة لسيطرة السلطة الفلسطينية، وهي خطوة قد تُحاصر الإسرائيليين، لأن غالبية الفلسطينيين يدعمون حركة حماس، التي قد تُحكم سيطرتها على مسافة كيلومترات قليلة من المستوطنات الإسرائيلية".
وأكد أنه "يُمكن الافتراض أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على دراية بالخطوات الاستراتيجية التي يتخذها الرئيس ترامب، وتنطوي على مكاسب اقتصادية، وفيما يتعلق بمستقبل الإدارة التكنوقراطية أو أي ترتيب آخر يُقترح نتيجة استبعاد حماس، حيث يتفقان ترامب ونتنياهو على التطورات المتوقعة، وفي نهاية المطاف، ولأسباب استراتيجية وجيوسياسية واقتصادية، سيجد ترامب فرصة سانحة لتحقيق رؤيته، المتمثلة بترسيخ موطئ قدم أمريكي حقيقي في البحر المتوسط".
تشير هذه السطور الإسرائيلية أن مساعي ترامب في المنطقة عموما، وغزة خصوصا، تدفعه للادعاء أمام خصومه في الولايات المتحدة وخارجها بأنه استنفد جميع المساعي الدبلوماسية، قبل إعطاء الضوء الأخضر للاحتلال لاستئناف القتال في غزة وغيرها، في محاولة مزعومة لمنع تهديد المصالح الأمريكية.
