لا زال صلاح يونس خضيري، يلم بالتفاصيل الصغيرة لامتحان شهادة الثانوية العامة، رغم مرور أكثر من نصف قرن على تأديته لها.
وسرد خضيري، الذي أبصر النور في طوباس أوائل شباط 1947، الأيام الأولى من التحاقه بالمدرسة الأهلية للشيخ فايز مساعيد عام 1952، حين سبق أبناء جيله إلى الصف الأول الابتدائي، ودرس لصفين بمعلم وحيد كان يتناوب على الغرفتين.
يسرد:" حين أنهيت الصف الثاني، نقلوني إلى مدرسة الحكومة، أجرى لي مديرها الشيخ عبد الفتاح أبو محسن امتحان قبول، فطلب مني أن أقف على السبورة، ولأني كنت قصير القامة، أحضروا لي كرسي خشبية، ولما وصلت اللوح، أمرني أن أكتب عبارة (أكتبوا دروسكم، رتبوا كتبكم)، ولما وضعت ألف الجماعة للفعلين، ابتسم وقال لي: "يُرفع إلى الصف الثالث الابتدائي".
تفاصيل وذكريات
ومما لا ينساه خضيري، كيف أن الصفين الأول والثاني كان يمتدان طوال 12 شهرًا، فيما يحصل المساعيد على 10 قروش بدل كل شهر، ويحظى برمضان وعيد الفطر بصاعين من القمح، وبخاصة مع حلول سنة القحط أوائل الخمسينيات.
يقول: "كانت المدرسة بعيدة عن بيتنا، ولم أكن أعرف طريقها، فحضر الفتى منصور أبو سليم وصار يرشدني إليها مقابل (تعريفة) كل يوم، إلى أن حفظت الدرب في حارة عائلة الدراغمة. ولبست في الصف الأول البنطال لأول مرة، وكان الزي الشائع في الصفوف التالية دشداشة مقلمة بالأبيض والأحمر، نسميها (خَلقة) وتُكلّف بقماشها وأجرة الخياط 10 قروش، والغريب أن بعض أبناء صفي الثالث كانوا في الخامسة عشرة من عمرهم."
مُربون وإضراب
واصل خضيري دراسته ببلدته طوباس حتى الصف الأول الثانوي، ولا يغفل عن مدير مدرسته موسى فضة من عصيرة الشمالية، وبعده حسن إسماعيل من القرية ذاتها، وتعيش معه حكايات المربين: إسماعيل الخطيب، ومحمود الحافظ (مدرس الإنجليزية)، ومصطفى دغلس، وأحمد عبد الرحيم، ويحيى توفيق، وبشير مقبول.
يتابع: انتقلت لدراسة الثانوية العامة بفرعها العلمي إلى نابلس عام 1962، والتحقت بالمدرسة الصلاحية، وكان مديرها المربي المقدسي أحمد عبد اللطيف، وسكرتيرها أحمد الحافظ من طوباس، وتناوب المربيان نوري وكردي على تدريس الإنجليزية، وأكرم فضة للأحياء، فيما حدثت قصة لمعلم الفيزياء برهان المصري، الذي كان شديد الذكاء، فدرّسنا عدة أيام ثم رقته الوزارة إلى مفتش، وأحضروا لنا معلمًا من عمان يحمل الماجستير، لكن لم يستطع تدريسنا، فقررنا الدخول في إضراب لحين تعيين أستاذ فيزياء بديل، وزارنا وزير التربية والتعليم بشير الصباغ، فقرر إعادة المصري لكنه رفض، وقدم استقالته وانتقل إلى كلية النجاح (الجامعة اليوم)، ودرسنا السنة كلها دون معلم، وكنا نستعين بسلسلة (الواضح) و(الممتاز) المصرية، واستطعنا تدريس أنفسنا بأنفسنا.
لم تمر سنة امتحان "التوجيهي" للخضيري بهدوء، فقد حمل عام 1963 مظاهرات مؤيدة للاتفاقية الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق ( لم تدم غير ثلاثة أشهر، ثم تصدعت)، وشارك طلاب مدارس: الصلاحية، والعائشية، والجاحظ وسواها في المسيرات المساندة للوحدة.
مظاهرات ووحدة
يروي: "كنت في مقدمة الطابور الصباحي، وشاهدت طالباً بجانبي اسمه "رأفت الغبيش" يخرج علم فلسطين من ملابسه ويرفعه لتبدأ مسيرة حاشدة من المدرسة، ونردد هتافات تدعو الحكومة للانضمام إلى الوحدة. وسمعنا عن مظاهرات مماثلة قرب منزل عبد القادر صالح الحاج محمد (الذي تقلد منصب وزير الدفاع، ووزير الدولة لشؤون رئاسة الوزراء في حكومة الشريف حسين بن ناصر المُشكَّلة عام 1963، ثم أصبح وزيرًا للأشغال العامة، وللإنشاء والتعمير في حكومة الرئيس وصفي التل عام 1966)، ووصل متصرف القدس عبد الرحيم الشريف إلى نابلس، وقرروا إدخالنا بالقوة إلى الصفوف، فدخلنا لوقت قصير، ثم خرجت مسيرات عارمة يقودها "قدري طوقان" تطالب بالوحدة أيضًا، ولم تقف الشرطة في وجهها.
ومما يلتصق بذاكرة خضيري، البذلة البيضاء التي كان يلبسها طوقان، فقد حمل على أكتاف العمال في صيانة السيارات، فتحول لون البذلة إلى الأسود، ثم صعد إلى تلة مقابل دائرة السير وراح يخطب تأييدًا للوحدة.
يوالي: خفت التظاهرات ثم اختفت بالتدريج، بعدما ما تلاشت الوحدة بين الدول المُوّقعة عليها، وتقدّمنا إلى الثانوية العامة، في حزيران، وبحكم صعوبة الوصول إلى طوباس أقمنا خلال الامتحانات في فندق بنابلس عشرة أيام، وشاركني في الغرفة سعيد وأحمد الحامد وفايز أحمد عبد، ودفعنا 3 دنانير بدل الإقامة الفندقية.
