وكأنه يريد أن يبقى في دائرة الضوء، بعدما وجد نفسه ما بين ليلة وضحاها، خارج دائرة صنع القرار السياسية والإعلامية تحديدا.. فجعل من بعض موظفي وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" - الذين اتخذت الإدارة الجديدة للوكالة قرارا بوقف رواتبهم إلى حين تصحيح أوضاعهم-، اتخذه حجة ليرد بعضا من كرامته المهدورة.
إنه رياض الحسن، الذي شغل لأكثر من عقد من الزمان منصب المشرف العام على الإعلام الحكومي الفلسطيني.
وبشكل فجائي، نشر الحسن مقالاً مطولاً تحت عنوان "المسكوت عنه في غزة"، اتهم فيه إدارة وكالة وفا الجديدة - التي هي إحدى مؤسسات الاعلام الحكومي- بقيادة أحمد عساف باتخاذ قرار جائر بحق بعض موظفيها في غزة، بحجة أنهم غادروها للإقامة في مصر أو في بلدان أخرى، فأوقفت صرف رواتبهم مشترطة عودتهم لإعادة صرف الراتب أو فصلهم أن لم يعودوا.
يقول الحسن "لا أعرف، ما إذا كان هناك نص في قانون أو نظام أو لائحة يمنع الموظف في غزة من المغادرة للإقامة خارجها.. ما أعرفه أن العلاقة بين السلطة وموظفيها علاقة شرطية: العمل مقابل الراتب.. وقد نشأ وضع خاص لموظفي غزة، بما ألغى العلاقة الشرطية تلك بل ذهب بها في اتجاه معاكس، إذ طلبت السلطة من موظفيها الامتناع عن العمل مقابل صرف الراتب، واستجاب الموظفون لطلب سلطتهم وامتنعوا عن العمل كي يضمنوا استمرار صرف رواتبهم".
ويتساءل الحسن قائلاً: "طالما أننا لا نريد من هؤلاء الموظفين عملا ولا صلة لنا بهم، فلماذا نطلب منهم العودة؟ ما هي الرسالة التي نوجهها لهم في ميزان العقل والمنطق؟ أليست: عودوا إلى غزة لكي لا تفعلوا شيئا!!.
نماذج من الواقع
وسرد الحسن تفاصيل بعض الحالات الخاصة.. "فأحد هؤلاء تسلل خلسة خوفا من حماس إلى مصر عبر الانفاق، حيث رتب أوضاعه واستقدم زوجته لتعيش معه في القاهرة براتبه المتواضع"، متسائلاً: "هل يجوز ارغامه على العودة إلى غزة لكي لا يفعل شيئا هناك؟ وإذا جاز ذلك بشأنه فلماذا نجد المئات من موظفي غزة يعيشون في القاهرة وتصلهم رواتبهم بانتظام؟"..
ونموذج ثان طرح الحسن، يدور حول إحدى موظفات "وفا" في غزة، وهي متزوجة من ضابط في الأمن الوقائي، وقد اضطر عام 2007 للمغادرة.. ولحقت به لتحافظ على أسرتها وتربي أولادها، وها نحن ننذرها: ضحي بأسرتك وعودي إلى غزة لكي لا تفعلي شيئا!.
ورأى الحسن أن "الإجراء الذي اتخذته وفا، وسواه من الإجراءات التي المشابهة التي تتخذها وزارات ومؤسسات السلطة الفلسطينية، تنكأ جرحا عميقا في العلاقة بين السلطة وموظفيها في غزة، ولا يمكن اختصار الموضوع برواتب موظفين غادروا القطاع، فهو يطال كل ما يتعلق بموظفي غزة من حقوق وواجبات، بل أكثر من ذلك إذ هو يشمل الفجوة الخطيرة الناشئة بين الطرفين بفعل الإهمال والتجاهل والتقصير الذي اشاع اسما جديدا للسلطة الفلسطينية بين موظفي غزة هو "سلطة رام الله "!.
وتابع "لقد نال بعضهم ترقية مستحقة إلى درجة أعلى، ووصله إشعار من ديوان الموظفين العام بذلك لكن وزارة المالية أوقفت تنفيذ تلك الترقيات سنوات دون سبب واضح، وينطبق الشيء نفسه على العلاوات والبدلات والمواصلات وغيرها. وأسوأ ما في الأمر أن وزارة المالية لا تجد نفسها مضطرة للتوضيح أو التفسير".
رد مطول
الإدارة الجديدة للوكالة، لم تصمت، بل سارعت على الفور لتصدير بيان مطول ردت فيه بالتفصيل على كل ما ورد في مقال الحسن.
وأبدت الوكالة استغرابها من "هكذا اتهامات"، التي تصدر عن شخص كان ولغاية أشهر قليلة في موقع المسؤولية في السلطة الوطنية، وفي النظام السياسي الفلسطيني (وزير)، بل كان من المسؤولين عن تسويق سياسة السلطة التي اتهمها اليوم بما اتهمها به من تفرقه وتميز بين جناحي الوطن في غزة والضفة، وهنا نتساءل لماذا؟! ولمصلحة من؟.
وادعت أنه "منذ استلام الإدارة الجديدة بدأت بخطوات استنهاض في الوكالة (...)، وجزء من هذه الخطوات التصحيحية يتعلق بتصويب أوضاع العاملين فيها، سواء في ااضفة أو غزة أو في الخارج؛ إذ تبين لرئاسة الوكالة وجود خلل إداري كبير، وهذا تم توثيقه في تقارير رسمية من الجهات المختصة، وجرى الحديث عنه في وسائل إعلام هي ذاتها التي نشرت اليوم مقالة رياض الحسن".
في المقابل أن الخلل الذي تحدثت عنه إدارة "وفا" يتعلق بدوام الموظفين والمنتدبين في الخارج الذين يتقاضون مبالغ طائلة ولا يقدمون شيئا، وهنا يأتي التساؤل المشروع ما هو مقياس انتدابهم؟ وما هو المعيار لاختيار بلد ما دون الآخر للابتعاث عليه غير وجود زوجة، أو شقيقة أو قريب او صديق أو !!!.
وحسب البيان: إن "الموظف المتجاوز للقانون تقع عليه المسؤولية كما هو حال المسؤول الذي خرق القانون، ويتستر على المتجاوزين في الوكالة، فهو أيضا يخضع للقانون والمحاسبة، ولأن الولاية القانونية تطال العاملين كافة، أو المحسوبين على كادر الوكالة أينما تواجدوا، ولأن الحق لا يسقط بالتقادم، ولن يسقط، فكيف لمسؤول يتحمل أمانة أن يخونها؟!".
ووجه البيان سؤالاً مباشراً للحسن، عما فعل لموظفي غزة طوال أكثر من 10 سنوات؟؟ طبعا باستثناءات محدودة نعرفها ونعرف أسبابها ويعرفها الجميع، كما ادعى.
ولم يجد البيان مفراً من الإجابة عن الاستفسار الرئيسي حول الأسباب وراء التحفظ على رواتب بعض الموظفين من غزة؛ فأوضح أن عددهم محدود جدا، وقد تواصلوا مع إدارة الوكالة من أجل تصويب أوضاعهم، مبدياً استغرابه من عدم تواصل آخرين لتسوية أمورهم القانونية وإمكانية الاستفادة منهم كصحفيين في تغطية الأحداث من الدول التي يتواجدون فيها.
نقابة السلطة
ولم تجد إدارة الوكالة -المحسوبة على السلطة وحركة فتح- أفضل من نقابة الصحفييين التي تعد محسوبة عليها بشكل كامل- للدفاع عنها، وهو ما ظهر جليا من خلال ما صرح به نائب النقيب تحسين الأسطل، بقوله إن "الجهود التي تُبذل حاليا لإنصاف الكادر الصحفي في قطاع غزة معروفة لدى الجميع"، مشيدا بمستوى التنسيق العالي بين المشرف العام للإعلام الرسمي أحمد عساف والنقابة في هذا الموضوع.
وتابع الأسطل: نطمئن الزملاء الصحفيين في مؤسسات الاعلام الرسمي بالمحافظات الجنوبية وجميع الصحفيين بأن العمل جار لحل القضايا العالقة ومن ضمنها علاوة المخاطرة، والمواصلات المتحركة، وغيرها.
