غيرت معالم وادي "بيت عور التحتا" غربي رام الله، في السنوات الأخيرة، إذ تتدفق فيه المياه العادمة طوال العام، يصحبها غزو للحشرات وانتشار أنواع جديدة منها كالبعوض الأسيوي المرقط، وكتغيير طرأ على طبيعة المنطقة نمت أعشاب طفيلية دخيلة وذبلت الكثير من الأشجار التي امتدت على ضفاف الوادي كالتين والزيتون.
كما انتشرت الخنازير والكلاب الضالة والأفاعي والقوارض، ما منع الناس من الوصول إلى أراضيها لجد الزيتون، عدا عن أن سيل المجاري أضر بالأراضي الخصبة القريبة وحال دون أن تستغل زراعياً، محولاً المنطقة إلى مكرهة صحية.
ويقع الوادي في الجهة الغربية من مدينة رام الله، تحيط بها أراضي قرى: دير ابزيع، بيت عور الفوقا، كفر نعمة، وصفا وخربثا المصباح. مساحتها العمرانية 640 دونم، والكلية 4600 دونم، فيما تبلغ مساحة الأراضي المزروعة وغالباً بـ "الزيتون والتين" 1400 دونم.
جيران الوادي
ويشير عايد عمران "أبو شابي" القاطن على بعد عشرات الأمتار عن الواد إلى لسعات بعوض مؤلمة تجعل من جلوسهم في بستان المنزل المحاط بدوالي العنب وشجر التين أمراً غير مريح، كما أن انتشار الكلاب الضالة بالعشرات في شوارع القرية يجعل التنقل الليلي محفوفاً بالمخاطر، عدا أن الخنازير تجعل من موسم قطاف الزيتون رعباً وقلقلاً.
"أفتقد أصوات الأطفال وهم يلهون بمياه الوادي مع عوائلهم". يقول أبو شابي الذي عاش طفولته في بيته الحالي حيث كانت الطبيعة جميلة بنقاء مياه الوادي.
ويضيف: "كنا نزرع الفول والبصل والفقوس. أما الآن فغير الزيتون وبعض التين لا يمكن أن يصمد بالقرب من تلك المكرهة وخنازيرها".
فيما اتفقت المهندسة ميرفت الخضور، وهي أم لخمسة أبناء وعضوة في المجلس من واقع السكن بالقرب من الواد بقولها: "أقراص طارد البعوض "فيب" نشعلها ليل نهار في المنزل، وإلا فاللسعات ستملأ أجساد أطفالي، أما الخروج من المنزل فمخاطرة مع انتشار الكلاب الضالة والروائح التي تفوح من فترة لأخرى".
شكاوي المجلس
ومن داخل مجلس قروي بيت عور التحتا، أشار نائب الرئيس وجيه عثمان إلى أن موضوع الوادي يؤرق القرية في السنوات الأخيرة وقد وُضع على طاولة المجلس الجديد منذ استلم مهامه قبل أربع سنوات، مشيراً إلى أنهم توجهوا إلى وزارة الحكم المحلي التي وجهتهم للمحافظة، ومن ثم لبلدية رام الله التي أكدت من خلال مهندس الصرف الصحي أن جزءاً من المياه العادمة هي فعلاً من مدينة رام الله ولكن بتحويل إسرائيلي أحادي الجانب من شركة "جيحون" وليس بعلم أو مشاورة من الأولى.
وأضاف عثمان أنهم التقوا ببلدية رام الله والزراعة ودائرة مياه الضفة الغربية وسلطة البيئة. وبناء عليه حضر أكثر من 35 ممثلاً عن تلك المؤسسات الرسمية واطّلعوا على الموقع واعدين بحلِّ المشكلة من خلال مشروع محطة تنقية بتمويل ألماني في منطقة "عين جريوت" ستكرر المياه التي تصل الوادي وتقضي على المكرهة نهائياً.. "مرت أربع سنوات وما زلنا ننتظر إقامة المشروع". يختم عثمان.
الواد وموسم الزيتون
كحل مؤقت لتسهيل تنقل أصحاب أراضي الزيتون، شيدت بلدية رام الله العام الماضي ستة جسور إسمنتية طول كل واحد "متران ونصف" وعرض "متر" يصل بين طرفي الوادي من عدة جهات مختلفة ليمكن أهالي القرية من جد محصولهم. مع العلم أن هناك جسراً قديماً لتنقل المركبات تم بناءه عام 1999.
عبد الله سليمان أحد أعضاء المجلس البلدي للقرية، أشار إلى الخارطة الهيكلية للقرية، واضعاً إصبعه على ما تبقى من مساحات مسموح البناء فيها ضمن المخطط الهيكلي للقرية، موضحاً أنها تتركز في المنطقة الشمالية الشرقية المحاذية للوادي، ما أثر كثيراً على سعر الأراضي في تلك المنطقة لنفور الناس من الشراء قرب مكرهة بلا حلول لها تلوح بالأفق.
"من سيرضى أن يسكن قرب مكرهة صحية تجذب الحشرات والخنازير والكلاب الضالة وتكون ملاصقة لسور منزله!!". يتساءل سليمان متهكماً.
مشكلة قديمة .. جديدة
أما رئيس قسم الصرف الصحي في بلدية رام الله المهندس خالد غزال، أكد أن موضوع مجاري بيت عور هو من تخصص سلطة المياه ولم يعد للبلديات شأن فيه لأنه خارج حدودها، مشيراً في الوقت ذاته إلى اهتمام البلدية بتحمل جزءٍ من المسؤولية والاستفسار عن سبب تحويل الخط من مياه رام الله إلى "جيحون" باتجاه بيت عور وذلك عبر زيارة الواد ومعاينة طبيعة المياه، والتواصل الهاتفي مع الارتباط الإسرائيلي في "بيت ايل" الذي لم ينفِ أن تكون مياه المستوطنات القريبة وعوفر توجه إلى الواد، ولكن بخصوص تحويل الخط من رام الله فلم يتجاوبوا مع طلب البلدية أو سلطة المياه بزيارة معسكر عوفر وفحص صمامات المياه بحجة أن المنطقة أمنية.
وبالتوثيق الزماني، يشير غزال إلى أن المشكلة عمرها ست سنوات، فمن خلال عمله في البلدية، لاحظ التالي: الأعوام ما بين 1996-2000 لم تشهد تدفق أي مياه في الوادي إلا ماء المطر شتاءً، منذ أعوام 2000-2010 تدفقت مياه لكنها كانت مقبولة وليست عادمة. من 2010-2016 تدفقت مياه عادمة.
ولفت إلى وجود محطتين تنقية في مدينة رام الله حالياً، محطة قديمة في بيتونيا أقيمت عام 1973 وهي التي كانت توجه مياه المجاري إلى جيحون، الأخيرة التي حولتها منذ ست سنوات إلى بيت عور. ومحطة جديدة في الطيرة بجودة عالية.
يؤكد غزال: "محطة مجارينا القديمة ليست بجدوى الجديدة ولكن ليست مجاري 100%، كما في بيت عور، وهذا دليل أن مياهاً عادمة دخيلة من المستوطنات (حورون، جفعات زئيف، معسكر عوفر) تخلط مع مياه رام الله فتزيد الطين بلّة".
الخبر الجيد وفق غزال، هو نية بلدية رام الله القوية إنشاء محطة معالجة ثالثة في منطقة بطن الهوا ستحوُل دون وصول مياه رام الله إلى خارج حدود المدينة، والتمويل ذاتي ومتوفر من البلدية، وقد نزل عطاء المشروع أواخر آب ويحتاج سنتين لينفذ بشكل مبدئي.
وختم أن مشكلة المجاري أخطر من مشكلة المياه والكهرباء وهي مشكلة وطنية قومية تحتاج إلى إنشاء نظام صرف صحي وفق المعايير العالمية بقيمة 2,8مليار دولار في الضفة الغربية، ولكن توفر التمويل يبقى العائق الأكبر.
