لم تطاوعه نفسه أن يلتزم بيته يُناظر شاشة التلفاز، ويراقب من بعيد ما يتعرض له المسجد الأقصى المبارك، ولم يرغب أن يكون من الذي ينصرون الأقصى بالدعاء، بل اختار لنفسه أن يكون من الأبطال الذين يقدمون دمائهم قربات من أجل المسجد الأقصى المبارك.
كما مواجهات القدس كانت مواجهات غزة، مواجهات القدس كانت بالالتحام المباشر، بالتحدي والإصرار من أجل حرمة مسجدٍ هو في الأصل لجميع المسلمين، لكن إن تخلى عن نصرته القريب والبعيد، فإن أشبال القدس والضفة وغزة رضعوا حبه منذ الصغر، وحملوا أمانة حمايته جيلا بعد جيل.
الشهيد عبد الرحمن أبو هميسة (16 عاما) من سكان مخيم البريج وسط قطاع غزة، اختلطت دماؤه بدماء شهداء القدس، وعد صديقه بإحضار "مقلاع" له من أجل رشق جنود الاحتلال المتمركزين على موقع بوابة المدرسة شرق البريج.
وعلى عادة كل يوم جمعة، صلى الشهيد أبو هميسة الجمعة بالبريج، ثم دعا عدد من أصدقائه على شبكة التواصل الاجتماعي "فيس بوك" من أجل الالتحام مع الاحتلال شرق مخيم البريج، اعتذر بعضهم، ورافقه عدد منهم حيث بوابة المدرسة شرق البريج، نقطة المواجهة الثابتة مع الاحتلال منذ بداية انتفاضة القدس.
شهيد جمعة الأقصى
لم يكن للشهيد عبد الرحمن أن يتخلى عن نصرة المسجد الأقصى، من خلال التحام سكان القطاع الذين أكدوا وحدة الدم الفلسطيني في الضفة والقدس وغزة، فكان من أوائل الذين وصلوا إلى مكان المواجهة الشعبية مع الاحتلال شرق مخيم البريج.
بمقلاع وعدد من الحجارة وبعض الإطارات التي أشعلها الأشبال والشباب المنتفض، انطلقت مواجهات البريج، وكما هو متعارف لم يتوانى عبد الرحمن في تقدم صفوف المنتفضين من أجل القدس، فقد سبق تجاوزه للخط الفاصل عدة مرات منذ بداية انتفاضة القدس، قبل أن تعتقله قوات الاحتلال وتطلق سراحه.
تقدم أبو هميسة صفوف المنتفضين من أجل القدس، رشق جنود المحتل المدجج بالسلاح بحجارة انتصار القدس والأقصى، فباغته المحتل برصاصة استقرت في جسده، وارتقى على إثرها شهيدا قبيل مغرب الجمعة 28/7/2017، ليختلط دم القطاع المحاصر، بدماء الضفة الثائرة، بدماء وتضحيات القدس المنتفضة، وليتوحد الجميع نصرة لمسجدٍ قامت من أجله كل الانتفاضات.
أمه بأمة
تلقت والدة الشهيد أبو هميسة نبأ استشهاده بثبات خنساوات فلسطين، فكانت كما الثابتات التي سبقنها من أمهات الشهداء، حيث استجمعت قواها، واستنهضت همتها، ووقفت شامخة أمام جثمان ابنها بمستشفى شهداء الأقصى، ترقبه من قريب، وتملأ عينيها بنظرة أخيرة على من وهب حياته من أجل القدس، وتواسي جراح قلبها ببعض الكلمات التي وصلت القلوب قبل الآذان.
وبعبارات وصل صداها إلى أبعد من ثلاجة الشهداء بمستشفى شهداء الأقصى، صدحت والدة الشهيد أبو هميسة بقولها :"الله يرضى عليك يما، الله يجعل مثواك الجنة، دمه عطر، دمه عطر، الله يرحمك يما، حبيبي .. حبيبي"، كلمات خرجت من قلب أم مكلومة فقدت فلذة كبدها، لكنها علمت أن دمه قربانا للمقدسات، وتأكيدا على وحدة الدم الفلسطيني في مواجهة غطرسة محتل لم يعد يرى ندا له في الأمة سوى الشعب الفلسطيني.
يشار إلى أن الاحتلال اعتقل الشهيد عبد الرحمن أبو هميسة بداية انتفاضة القدس من على الحدود الشرقية للبريج بعد اجتيازه للخط الفاصل حيث قام الاحتلال بحصارهم واعتقالهم لعدة أيام.
