شقشقت العصافير وتدلّى الندى على أوراق الشجر يستعد ليوم جديد ويفتح أبوابه لأرزاق حجمتها همجية قطعان المستوطنين بعد أن زادها الله من بركاته، انطلق ذاك الرجل الأربعيني إلى أرضه؛ ليحصد من خيراتها قوت أطفاله بعد أن استطعم زعترها من يد زوجته وشرب كأسًا من الشاي الدافئ كدفء حبهم، ابتسم مودعا أطفاله كما كل يوم؛ طالت الابتسامة التي لم يعتادوا عليها فقد كان يبتسم ويقبّل أطفاله، احتضنهم على غير العادة لاحظت زوجته والتي كانت تنظر بشيء من العجب ولسانها يحاول أن يتحرك بشيء قد أخفاه قلبها ولكن القدر قد أوقفه.
فقد كانت الشهادة تنتظره وملائكة الرحمن قد اشتاقت لذلك الجسد صاحب الجبل الأشم وتلك الروح صاحبة الهمة في زمن عز فيه الرجال، وصل أرضه استل فأسه أخذ يجرد نباته من عشب قد ضل الطريق كما ضلت القطعان من جنس المستوطنين طريق الخير للناس وبسند وقوة من جيش الاحتلال.
بدأ يغرد بصوته الجميل حب الوطن تلك الكلمات التي أسقانا إياها رحمه الله "أبو عرب" قبل أن يموت نرددها عشقا مسموحا بعد أن كان ممنوعا، هامت قلبهم حقدا وارتجفت أيديهم قهرا فقد كانت كلماتها كالسهام تخرق قلوبهم القاسية أشد من النبل، هاجموه كأنهم وحوش انطلقت في غابة الشر انتهشوه بسلاحهم وقتلوه بقهرهم وبقهر جيش ساندهم على الظلم.
لم يزحزحه إلا طلقاتهم الفتاكة التي اخترقت رأسه لتسيل دماءه على أرضه قائلة لها" فداكي بروحي أرضي الطاهرة لن يطئها النجس ونحن أحياء".
