أكثر من مليون بطارية موجودة بين 2 مليون مواطن، يعيشون في مساحة صغيرة لا تتجاوز 365 كم2؛ أرقام خطيرة جاءت نتيجة لجوء الغزيين للبطاريات لسد حاجاتهم من الكهرباء، التي تجاوزت نسبة العجز فيها 70%.
بطاريات الرصاص الموجودة في قطاع غزة معظمها صينية الصنع، تبين أنها تحتوي على كميات كبيرة من السموم والمعادن الثقيلة المخالفة لمعايير وتقارير الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، حيث أن جرام واحد من الزئبق كفيل بتلويث مليون لتر من المياه الجوفية في حالة تسربها للمياه الجوفية.
تراكم هذا الكم الكبير من البطاريات في القطاع والمخاطر المتولدة عنه، بالإضافة لمساوئ إعادة التدوير المستخدمة محليًا؛ ولّد الدافع والإصرار لدى فريق مكون من ثلاثة مهندسين ومشرفيْن لإيجاد حل فاعل لكل هذه المشاكل.
عصارة سبعة أشهر من البحث الدؤوب والجهد الكبير لكلّ من أحمد أبو كويك، أحمد الهجين، مطر المناصرة، وبإشراف م. نشأت نعيم، ومتابعة د. إيمان أبو جزر؛ تمخض عنه أطروحة علمية تحت عنوان "إعادة تدوير بطاريات الرصاص بطريقة موائمة للبيئة، حقائق ورؤية مستقبلية للتطبيق"، والتي ارتكزت على بحث علمي محكم منشور في مجلة nature العالمية، مع تعديل بعض الأجزاء لتمكين تطبيقه مع إمكانيات القطاع، بالإضافة لمجموعة من الزيارات والدراسات الميدانية.
وبحسب الباحثين، فالمشكلة ليست في عملية إعادة التدوير، وإنما في الإجراءات المتبعة خلالها، وذلك بالحد من كمية النفايات والسموم الناجمة عنها، والاستفادة من جميع مكوناتها بنسبة 100%، مع الالتزام بالمحافظة على البيئة.
عقبات ومخاطر
العقبة الأكبر التي واجهت الباحثين تمثلت في الإجابة عن السؤال "ما هي الطريقة التي يُمكن استعمالها في إعادة التدوير غير طريقة الصهر التقليدية؟ وكيف نقوم بإعادة تدوير الرصاص المستخرج من البطاريات التالفة دون اللجوء للصهر؟".
وكما هو معروف، طريقة الصهر التقليدية عبارة عن تسخين الرصاص المستخرج من البطاريات التالفة على درجات حرارة عالية تصل لأكثر من 1400 درجة مئوية، ولمدة تزيد عن 5 ساعات، مع إضافة بعض المواد الكيميائية.
م. محمد مصلح، رئيس دائرة النفايات الصلبة والخطرة في سلطة جودة البيئة، أشار إلى رصد أكثر من 28 ورشة ومصنع في العام 2016 تقوم بإعادة تدوير غير رسمي، موضحًا بأنهم يقومون بجمع البطارية التالفة وتفكيكها، وبعد استخراج الرصاص يقومون برمي باقي المخلفات من حمض وبلاستيك في التربة والمياه وحاويات القمامة، وهذه كلها سموم للبيئة وللإنسان.
ويتابع مصلح "عملية الصهر تولد أبخرة سامة جدًا، من هذه الغازات المنبعثة ثاني أكسيد الرصاص، أول وثاني أكسيد الكربون، بالإضافة لأكاسيد النيتروجين. هذه الغازات سامة جدًا، ولها تأثيرات خطيرة على الجهاز العصبي والتنفسي، بالإضافة لترسيب الرصاص في الدم الذي يُمكن أن يؤدي إلى الإصابة بالسرطان".
مصلح، الذي رحب بفكرة المشروع، أوضح بأن هذه الأمراض والتأثيرات لا تصيب العاملين في ورش إعادة التدوير غير الرسمي فقط؛ بل تمتد آثارها للسكان الموجودين بجانب هذه الورش، لا سيما الأطفال. كذلك الحمض الموجود داخل البطاريات (حمض الكبريتيك) خطير جدًا على الجهاز التنفسي، كما أنه يسبب تهتك في العظام.
مراحل المشروع
بعد عمليات بحثية وجولات ميدانية، توصل الفريق لطريقة ممتازة جدًا لاعادة تدوير الرصاص، ترتكز على استعمال درجات حرارة منخفضة تصل إلى أقل من 100 درجة مئوية (أقل بـ 14 ضعف من درجات الحرارة المستخدمة حاليًا)، هذه الطريقة آمنة بيئيًا وتعمل على توفير الطاقة، والأهم من كل هذا هو نقاوة الرصاص الناتج عنها، حيث تصل لأكثر من 98%.
يشرح الفريق هذه الطريقة بالقول "حتى يكون المشروع ناجحًا، يجب أن يُنفذ على مرحلتين: المرحلة الأولى تتمثل في التوعية المجتمعية بمخاطر هذه البطاريات، ومخاطر تراكمها أو التخلص منها بشكل عشوائي أو بيعها لمعامل إعادة التدوير غير الرسمية. أما المرحلة التانية، وهي مرحلة إعادة التدوير لمكونات البطارية (الرصاص وأكسيد الرصاص، حمض الكبريتيك، البلاستيك)، ولكل مكون طريقة خاصة لإعادة التدوير، وأهمهم الرصاص".
الطريقة التي توصل إليها الباحثون جديدة وغير مستعملة في قطاع غزة، تعتمد على عمليات الفصل الميكانيكي وبعض المعادلات الكيميائية، وأهم شيء فيها هو درجات الحرارة المنخفضة التي تكون أقل من 100 درجة مئوية بدلًا من 1400.
ويضيف الفريق "هذه المكونات بعد إعادة التدوير يُمكن استغلالها بطريقتين: الأولى بيعها لمصانع إعادة التدوير الموجودة حاليًا لكي يصنعوا بطاريات جديدة بجودة عالية، والثانية إنشاء مصنع كامل لإعادة التدوير. ونحن لدينا رؤية كاملة وتفاصيل إنشائه، وبحثنا يتضمن المعدات والماكينات المطلوبة لهذه العملية".
وفيما يتعلق بالمواد المستخرجة من البطارية، يقترح الباحثون أيضًا إمكانية استخدامها كمواد أولية لتطبيقات أخرى؛ فمثلًا حمض الكبريتيك يُمكن معالجته ببعض الطرق الكيميائية لإنتاج كبريتات الصوديوم، المستخدمة في مساحيق الغسيل، أو يُمكن معالجته لإنتاج مادة الجبس. البلاستيك أيضًا يمكن استخدامه لإنتاج تطبيقات مختلفة.
هل سيبقى المشروع حبرًا على ورق؟
وعن المشاكل والمعيقات التي تواجه المشروع، وكحال الكثير من المشاريع في غزة المحاصرة، يشكّل نقص التمويل المشكلة الأساسية، وشح الإمكانيات والمعدات المطلوبة للحصول على نتائج نقاوة للرصاص وجودة أعلى لأكسيد الرصاص.
ولنجاح المشروع، يرى الفريق في التعاون الحكومي ومؤسسات المجتمع المحلي ركيزة مهمة، فالتدخل الحكومي مطلوب لضبط كميات البطارية الواردة للقطاع وضبط مصانع وورش إعادة التدوير غير الرسمية، ودمجهم في خطة شاملة لاعتماد تقنيات إعادة التدوير السليمة والأكثر كفاءة.
ويختم الفريق بالقول "بدون تمويل، وبدون تعاون الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المحلي يبقى مشروعنا مجرد حبر على ورق، والمخاطر في تزايد مستمر للأسوأ".
