27.79°القدس
28.1°رام الله
27.19°الخليل
29.73°غزة
27.79° القدس
رام الله28.1°
الخليل27.19°
غزة29.73°
الأحد 28 يونيو 2026
3.96جنيه إسترليني
4.23دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.42يورو
3دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.96
دينار أردني4.23
جنيه مصري0.06
يورو3.42
دولار أمريكي3
إسماعيل الشريف

إسماعيل الشريف

خطايا غزة

إنّ الأمر لا يساوي دموعَ طفلٍ واحدٍ مُعذَّب.. لا بدّ أن يُكفَّر عن تلك الدموع، وإلا فلا يمكن أن يكون هناك انسجامٌ أو سلام». دوستويفسكي - الإخوة كارامازوف.

حين تولّى زعيم حزب العمال البريطاني كير ستارمر مقاليد الحكم عام 2024، لم يكن حزب الإصلاح البريطاني ذو التوجه اليميني المتشدد يحظى سوى بـ14% من أصوات الناخبين، ولم يُحرز في تلك الانتخابات سوى خمسة مقاعد في البرلمان. بيد أن المشهد السياسي تبدّل تبدلًا لافتًا؛ إذ تكشف أحدث استطلاعات الرأي عن ارتفاع حاد في شعبية الحزب ذاته، بلغت نحو 28 %.

وفي خطوة أثارت جدلًا واسعًا، أعلن ستارمر الأسبوع الماضي تنحّيه عن رئاسة الحكومة، وذلك قبل أن تكتمل سنتان على تسلّم حزب العمال السلطة إثر انتصاره الساحق في الانتخابات البرلمانية. وأوضح ستارمر في بيانه أن قيادات حزبه لم تعد تراه المرشح الأجدر بقيادة الحزب في الاستحقاق الانتخابي المرتقب، لا سيما في ظل استطلاعات رأي تُرجّح فوز حزب الإصلاح في الانتخابات العامة القادمة.

وفي كلمة الوداع التي ألقاها أمام مؤيديه، أكد ستارمر أن خلفه سيرث بريطانيا أقوى وأكثر عدلًا مما كانت عليه حين تسلّم الحكم، مُعرِبًا عن ثقته بأن حزب العمال سيُحقق الفوز في الانتخابات العامة المقبلة.

غير أن هذا الطرح لم يلقَ قبولًا في الأوساط السياسية والإعلامية البريطانية؛ فقد حمّله كثيرٌ من المحللين والسياسيين والصحفيين قسطًا كبيرًا من المسؤولية عن صعود تيار اليمين المتطرف ممثَّلًا في حزب الإصلاح. ومن أبرز ما يُستند إليه في هذا الاتهام، دعمُ حكومته للكيان الصهيوني في حرب الإبادة على غزة، رغم اتساع دائرة المعارضة داخل بريطانيا لتلك الحرب.

ويُضاف إلى ذلك ما يعدّه المنتقدون خطأً سياسيًّا جسيمًا، يتمثل في قرار حكومته إدراج منظمة «بالستاين آكشن» على قوائم المنظمات الإرهابية وحظر نشاطها. وقد استقبلت شريحة واسعة من الناخبين البريطانيين هذا القرار باستنكار بالغ، معتبرين إياه ضربًا من ضروب تكميم الأفواه، وانتهاكًا صريحًا لمبادئ الديمقراطية، ومجاملةً للصهاينة.

وقد جاء موقف زعيم حزب العمال الأسبق جيريمي كوربن ليعكس هذا السخط، وهو الذي سبق أن أُقصي من قيادة الحزب بسبب مواقفه المعارضة للسياسات الصهيونية. وأكد كوربن أن ستارمر أضاع الأغلبية البرلمانية الكبيرة التي أتاحت له فرصة تاريخية للتغيير، دون أن يُحدث أي تحسن ملموس في أحوال الطبقة العاملة بالمملكة المتحدة.

وفي تدوينة لاذعة الانتقاد، كتب كوربن: «كان بإمكان كير ستارمر أن يضع حدًّا لفقر الأطفال، وظاهرة التشرد، ومستويات اللامساواة الصارخة التي تنخر في جسد هذا البلد. غير أنه آثر عوضًا عن ذلك أن يتخلى عن الفئات الأكثر هشاشة، ويُقوّض الحريات المدنية، وسهّل الإبادة الجماعية في غزة. بهذه الصورة سيبقى رئيس الوزراء محفورًا في الذاكرة، وهذا هو الإرث المُثقل بالإفلاس الأخلاقي والسياسي الذي يودّعنا عليه».

وأردف كوربن أن إقالة كير ستارمر وحدها لا تكفي لإحداث التغيير المنشود، مشددًا على أن الأزمة أعمق من شخص بعينه، وأن المطلوب هو القطيعة التامة مع المنظومة السياسية التي يجسّدها: من هيمنة مصالح الشركات الكبرى، إلى الخطاب الشعبوي المعادي للهجرة، وصولًا إلى التورط في نزاعات مسلحة لا أفق لها.

وقد ذهب عشرات السياسيين والمحللين والصحفيين إلى ربط مباشر بين تراجع ستارمر وإخفاقه السياسي من جهة، وموقفه الداعم للإبادة الجماعية في غزة من جهة أخرى. وتعزّز هذا الانطباع بموجة من المقاطع المصوّرة التي انتشرت على نطاق واسع، وظهر فيها مواطنون بريطانيون يواجهون رئيس الوزراء بمواجهات حادة ومشاعر غاضبة، احتجاجًا على دعمه الأعمى للكيان الصهيوني.

لا شك أن ستارمر دفع ثمنًا سياسيًا باهظًا جرّاء مواقفه الداعمة للإبادة في غزة، وأن ميراثه السياسي في ذاكرة التاريخ سيظل مرتبطًا بهذه المرحلة المظلمة من مسيرة الإنسانية. وما يجعل قصة سقوطه ذات قيمة تتجاوز حدودها المحلية هو ما يمكن أن تنطوي عليه من دروس بالغة الأثر للزعماء الذين لا يزالون يقفون في الجانب الخطأ من التاريخ؛ أولئك الذين لم يُدركوا بعد أن الوعي الشعبي قد تجاوزهم، وأن المزاج العام العالمي قد انقلب، وأن الرأي العام قد أدرك حقيقة أن هذا الكيان دولة مجرمة.

وتبقى العين مشدودة إلى المشهد الدولي، في انتظار سقوط سياسيين آخرين داعمين للإبادة الجماعية.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن