26.68°القدس
26.44°رام الله
25.53°الخليل
28.04°غزة
26.68° القدس
رام الله26.44°
الخليل25.53°
غزة28.04°
الإثنين 29 يونيو 2026
3.96جنيه إسترليني
4.23دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.42يورو
3دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.96
دينار أردني4.23
جنيه مصري0.06
يورو3.42
دولار أمريكي3

"أم أيمن في ذمّة الله"..

حكاية المرأة التي دافعت عن أرض "بورين" لـ20 عامًا

58376287_2553531418009365_4005307026451202048_n
58376287_2553531418009365_4005307026451202048_n
معتز عبد العاطي - فلسطين الآن

حلّقت أمس روحُها من أرضِ "بورين" إلى سماءِ "بورين" ملقيةً السّلامَ على أهالي البلدةِ، بعدمَا قدّمت على مدارِ أكثر من عشرين عامًا، تضحياتٍ تُسطّر بدمِ الشّهداء، وبعدد أسرى فلسطين وجرحاها، فقاومتْ كالصّخر موجاتِ الاحتلال، فكفنُها سعفُ نخيلٍ، وقبرُها زيتونة عزٍّ، وجنازتُها تسيرُ فيها سنابلُ القمحِ، فهي أرضٌ وسماءٌ ومقاومةٌ.

أصلُ الحكاية

على أطرافِ "بورين" المهدّدة بالمصادرةِ والاعتداءِ، تغزلُ "أم أيمن" الأسلاكَ الشائكةَ بأنامِلها على شُبّاكٍ يطلُّ علَى أرضٍ عتيقةٍ، تلوّنتْ بدماءِ شهدائِها، وسُقيتْ بوجعِ الاستعماريين المجرمين، وتجرّعت منونَ مداهماتِ المستوطنين العابرين، لتمنعَ قطعانَ الذّل من ولوجِ بيتِها في عزّ الظّهيرةِ، أو في هزيعِ اللّيلِ الأخيرِ، يدقّون الأبوابَ عنفًا وجبروتًا، لا لشيءٍ إلا للتّخريبِ والتنغيصِ على الآمنين، كي يجبروهم على الرّحيل، وليشربوا نخبَ الانتصارِ في باحاته التي تلفظُ وترفضُ كُلَّ معتدٍ أثيمٍ.

بيتُها الجميلُ الثّائرُ الشّامخُ، كأنه بني من أشلائها وزوجها في العام 1976 م، أعدّته العائلةُ، بجذورٍ تصلُ لأعماقِ التّاريخِ، تقولُ إن الأرضَ فلسطينيةُ الهويّة، لا مكانَ للصّهاينةِ فيها، هذا البيتُ يبعدُ على أقل من 800   مترٍ فقط على مستوطنة "ايتسهار" غير الشّرعية التي بُنيت على تضحياتِ أهالي قرية "بورين" عام 1982م، بيتٌ أرادُوا له الفناءَ وأرادت له الحاجةُ حنان ناصر صوفان (أم أيمن) بفضلِ اللهِ البقاءَ ثم البقاء ثمّ البقاء.

تجاعيدُ يديتها تروي حكاياتِ هذه الأرضِ، ترسمُ خارطة الجبالِ والوديانِ والسّهول في كل فلسطين المحتلّة، تجاهدُ المستوطنةَ الأكثر تطرفًا في الأراضي الفلسطينيةِ، التي يوجد بها معهد ديني متطرفٍ يُدرّس فيها أن قتلَ الفلسطينيين عبادة يهودية، ويعلّم فيه الحقد على كل فلسطينيٍ.

أرملةٌ تواصلُ الطّريقَ 

وفي ليلةٍ سوداءَ في عام 2002م، هاجم عشراتُ المستوطنين بيت الحجّة المناضلة الذي يقطن فيه الأبناء والبنات وأكثر من عشرة أحفادٍ،  بكل عنجهيةٍ وعنفٍ، تفاجأ الزّوجُ المتعبُ بالهجماتِ، فأصيبَ بجلطةٍ حادّةٍ مميتةٍ بعدما حرقَ المستوطنون المنزلَ بكمالِه، ولتواصلَ أم أيمن المسيرةَ رغم القتلِ والاعتداءات اليومية المتكررة.

شامخةٌ كالجبلِ التي تقطنُ، بحرٌ يُطفئ لهيبَ الزّجاجاتِ الحارقةِ التي يلقي بها المستوطنون، هي درعُ الحريّة والثبات على هذه الأرض المقدّسة، هي سماءُ بورين الصّافية، وأرض فلسطين المثمرة، هي ثلجُ سفوح الخليل الذي يُخمد بنزينَ المعتدين، وسولار القطعان الجبانة، وكاز الرّعاعِ، فلقد حاولوا كثيرًا أن يحرقُوا منزلها وأطفالها وأحفادها، لكنّها أبت إلا أن تكون زيتونةً شرقيّة تحفّها صخورُ يافا وجبالُ القدسِ، وسهولُ يعبد، وشمسُ أريحا، تدافعُ عن ترابٍ كان وما زال مقبرةً للغزاة ولو بعد حين، ولو طال ظلمهم وعدوانُهم، فإنهم حتمًا زائلون، وهو لسانُ حالها.

الاحتلالُ يساندُ مستوطنيه

لم يكتفِ الاحتلالُ الإسرائيليُ المجرمُ، بأن يترك كلابَه المسعورة بسكاكينهم ورشاشتهم صوب منزل الحاجة، ولكنْ منعَ أهالي القريةِ من الوصولِ إلى أم أيمن، لحمايتها ومساندتها ضد هجماتِ المستوطنين، بذريعةِ أنّ الأرضَ منطقةٌ عسكرية مغلفة.

رحلتْ المجاهدةُ والمناضلة الفلسطينية التي صمدت على مدارِ أكثر من عشرين عامًا، وهي تصد هجماتِ المستوطنين، وتقدّم الغالي والنفيس كي تبقى على أرضها وفي منزلها، تعيدُ الخيباتِ إلى أهلها عقبَ كل غارةٍ ظالمةٍ من المستوطنين، رحلتْ وما زالت سيرتُها العطرة تذكى عقلَ كل حُرٍ بأن يمضي مدافعًا عن أرضه حتى آخر نفسٍ، ورسالة توبيخٍ لكل مفرطٍ بهذه الأرض، بائعًا لمبادئه.