23.34°القدس
23.1°رام الله
22.19°الخليل
26.54°غزة
23.34° القدس
رام الله23.1°
الخليل22.19°
غزة26.54°
الإثنين 29 يونيو 2026
3.96جنيه إسترليني
4.23دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.42يورو
3دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.96
دينار أردني4.23
جنيه مصري0.06
يورو3.42
دولار أمريكي3

تعرّف عليها..

تقرير: "الشعبونية".. طقوسٌ نابلسيّة منذ مئات السنين

17322627378071594561
17322627378071594561
نابلس- فلسطين الآن

لأن التعيير بات سمّة العصر، فقد طال كذلك "الشعبونية"، -نسبة إلى شهر شعبان-، وهي من العادات الاجتماعية الجميلة التي حافظ عليها الفلسطينيون في مدينة نابلس بالضفة الغربية منذ مئات السنين..

أكثر ما يمكن ملاحظته هو تحول هذه العادة إلى موسم لتحصيل الرزق لدى بعض العائلات وتحديدا النساء، وحتى للمطاعم أيضا. فنسبة لا بأس بها من الأسر النابلسية باتت تعتمد اليوم أكثر من أي وقت مضى على الطعام الجاهز، بعد أن كانت النساء تصنعه في البيوت، وفيها تستقبل الضيوف.

وهذا التحوّل بإعداد الطعام خارج المنزل لا يعيب الشعبونية أو ينتقص من قدر المدعوين، فالأوضاع الحياتية الآن اختلفت عن السابق. 

تقول سعاد خاروف "50 عاما" إنها بعد زواج أولادها وبناتها وانشغالهم بأطفالهم إضافة لكونهم جميعا يعملون في وظائف، لم يعد هناك من يساعدها في التحضير للعزومة، لذلك اعتمدت هذه السنة على إحضار الطعام من الخارج.. "لنا جارة فقيرة الحال، لكنها "فنانة" في الطبخ، أُوفر لها المقادير من الرز واللحم، لتقوم هي بإعداد الطعام مقابل مبلغ مالي يعينها على نوائب الدهر، وهكذا تفعل بقية الجارات".

وكذلك نورة ابنة الثلاثين ربيعا، فهي أيضا موظفة ولديها طفل صغير، تعتمد على مطعم راق لتحضير الطعام، مشيرة إلى أن بنات جيلها بمعظمهن يفعلن ذلك.. "الطبخ لعزومة كبيرة يحتاج ساعات وساعات، هذا غير الجهد والتعب الجسدي.. فنوفر هذا الشقاء على أنفسنا، بالاتفاق مع مطعم يجلب الطعام ساخنا في الوقت المحدد". 

أما عائلات أخرى، فتدعو الأقارب لتناول الطعام خارج البيت. يقول عبد الله حمد إن "نظام السكن السائد اليوم في شقق متوسطة أو صغيرة الحجم ضمن عمارات سكنية كبيرة، يدفع البعض إلى دعوة أقاربه لتناول "الشعبونية" في المطاعم". ويتابع "ليس عندي تلك المساحة لاستقبال أقاربي الذين قد يزيد عددهم عن 30 نفرا في بيتي الذي لا تزيد مساحته عن 120 مترا فقط، فهو لا يتسع دون أدنى شك.. ويضحك "من وين أجيب 30 كرسي؟؟".    

ويقر حمد أن ذلك يضيع عليهم كثيرا من طقوس الشعبونية، وكلفته عالية، لكن "ما في بديل".. ويختم "المهم نكسب الأجر، ونلتقي ونغير جو.. وقبل كل شيء نحافظ على العادة النابلسية الرائعة".      

حتى الحلويات!!

وكذا الحال بالنسبة للحلوى، فقليل من لا يزال يتمسك بصنعها داخل المنزل، كما يقول مجدي أبو صالحة صاحب محل حلويات مشهورة بنابلس، لذا يعد "شعبان" موسما لهم بات يضاهي رمضان في البيع. ويتابع "احنا بنشتغل على التواصي، بمعنى أن صاحب الشعبونية يحجز موعدا قبل أيام لنصنع له طلبه في اليوم المحدد، نظرا للإقبال الكثيف على الحلويات.

ويلفت إلى أن هذه العادة أثرت على مجمل الحركة التجارية بالمدينة إيجابا، فاستهلاك الطحين والسكر والفستق والجوز واللوز والجبن يتضاعف، هذا بالنسبة لنا كبائعي حلويات، والأمر ذاته على بقية القطاعات، كالمطاعم ومحلات الهدايا والأدوات المنزلية. 

ودرجت العادة أن يدعو "كبير العائلة" - أو من ينوب عنه من أبنائه- صلة أرحامه كأخواته وبناته وبنات أعمامه وبنات عماته، وعموميته من النساء وخاصة المتزوجات لأصهار غرباء عن العائلة، برفقة الأطفال الصغار، إلى وليمة طعام، يتبعها تناول الحلويات النابلسية المشهورة مثل الكنافة، وفي الليل تكون السهرة العائلية بحضور الرجال أيضا، تكتنفها الأجواء المرحة، واسترجاع الذكريات.

كان لهذه العادة طقوسها المختلفة نوعا ما.. ومنها أن "الأرحام" كنّ يبتن في بيت الداعي مع أطفالهم مدة تتراوح من ثلاثة أيام إلى أسبوع، تُعَدّ فيها الولائم – للمقتدرين طبعًا- وتقام فيها السهرات السامرة، حتى مطلع الفجر.

هذه اللّمة العائلية لم تكن للميسورين والأغنياء فقط، فالعائلات المتوسطة والفقيرة ليست محرومة منها، لكن اتساعها لم يكن باتساع الفئة الأولى، إذ تنحصر على الرحم القريب دون البعيد، وليوم فقط، مع ما تيسر من ضيافة.. لكن الشعبونية بكل أحوالها فرصة لصلة الرحم وكسب الأجر والثواب من رب العباد.

يوميات الشعبونية 

الحاجة أم وائل -68 عامًا-تستذكر تلك الأيام، فترتسم على وجنتيها ابتسامة، وتقول: "أذكر عندما كان يأتي جدي وأخوالي إلى بيتنا أول شهر شعبان، ويدعون والدتي للحضور في أول خميس من الشهر لقضاء الشعبونية عندهم، وأجلس أعد الساعات لليوم الموعود؛ لأنني سألتقي بالبنات من جيلي، نلعب ونلهو في ساحة المنزل وحول بركة الماء". 

وتضيف "والدتي وخالاتي ومعهن زوجات أخوالي، كن يستيقظن من الفجر، لإعداد الطعام.. وتبدأ رائحة الطبيخ الفواحة تنتشر في كافة أرجاء الحي، وتكتمل الفرحة بالاجتماع على مائدة واحدة تمتد عبر الساحة الكبيرة تظلها الأشجار ودالية العنب، ولا تسمع سوى خرير الماء الخارج من نافورة البركة أو ارتطام المعالق بصحون الطعام". 

وتشير إلى أن النسوة كنّ برغم الأشغال الشاقة في ساعات النهار فإنهن يتزين ويلبسن أجمل ما لديهن من ملابس، في ساعات المساء، ويجتمعن على ضوء القمر، يتسامرن ويتحدثن ويستمعن إلى القصص والنوادر، ولا تخلو السهرة من الرقص الشعبي على صوت الطبل والدف بأداء جماعي جميل ومنسق. 

صلة رحم وأشياء أخرى 

وعودة للماضي، ففي كتابه "نابلسيات من بواكير الذكريات والوجوه والصور الشعبية" يقول الكاتب النابلسي مالك فايز المصري: "لست على يقين من أن دعوة النسوة هي بحافز صلة الرحم أو للمشاركة في إعداد الطعام المتنوع الذي يتطلب عددًا وفيرًا من النسوة الماهرات، ولكنني أميل إلى الجمع بين الحافزين بدليل أن صلة الرحم كانت أمرًا شائعًا، وتعتبر من علامات المروءة والشهامة". 

وهناك أسباب أخرى للدعوة إلى الشعبونية مثل اختيار العروس والتعرف عليها عن قرب، فعندما كانت إحدى النساء تريد تزويج ابنها كانت تستغل وجود عدد كبير من النساء أيام شعبان؛ لتشاهد المخطوبة عن قرب، وتتأكد من مهاراتها البيتية الأخرى كالطبيخ والتنظيف، والتضييف، والسلوكيات الأخرى