منذ ساعات الصباح، أمّ آلاف المواطنين سرادق العزاء بالشهيد بسام السايح في مدينة نابلس، معبرين عن دعمهم ومؤازرتهم لعائلته ومحبيه، بهذا المصاب الجلل.
وفي وقت اكتظ المكان بالأعلام الفلسطينية وصور الشهيد، تنهد شقيقه الأكبر خلدون، واصفا الحالة التي مر بها الشهيد، قائلا: "كانت الأشهر الماضي حاسمة، كل الدلائل تشير إلى هذا المصير المحتوم، فما تنتظر من جسد نحيل نخره السرطان أن يفعل؟".
وفي حديثه لمراسل "فلسطين الآن"، أوضح أن شقيقات الشهيد ذهبن لزيارته الخميس الماضي، فلم يكن موجودا، فقط التقوا بأخيه الأسير أمجد، وعندما سألوه عن بسام، أبلغهم أن وضعه الصحي صعب جدا وقد نقل مجددا إلى المستشفى.
وأشار السايح إلى أنه وقّع صباح اليوم على وكالة رسمية لهيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية بالبدء بإجراءات تسليم الجثمان، وتابع "خسرنا بسام، لذلك نطالب اليوم من كافة الجهات الحقوقية اليوم بضرورة الضغط على الاحتلال لتسليم جثمانه، ليتسنى لنا مواراته الثرى وفق التعاليم الدينية".
ويخشى خلدون أن يواجه بسام مصير بقية الأسرى الفلسطينيين الذين فارقوا الحياة داخل سجون الإسرائيلية، حيث رفض الاحتلال تسليم جثامينهم، وأبقى عليهم في "ثلاجات الموتى".
الزوجة المكلومة
أما زوجته الأسيرة المحررة منى السايح، فقد عاشت لسنوات وهي تتابع عن بُعد الحالة الصحية، حيث كان يعاني من إصابته بسرطاني الدم والعظام.
تقول لـ"فلسطين الآن" إن تدهورا كبيرا طرأ على صحة بسام منذ بداية العام الجاري، حيث توقفت إحدى رئتيه عن العمل، كما لم تعد تقوى عضلة القلب عن العمل إلا بقدرة 15% فقط، ولم يعد يستطيع الكلام إلا بصعوبة بالغة، كما أن أنينه لم يتوقف ليلا نهارا".
وتتابع "نقلوه من سجنه "جلبوع" إلى مستشفى سجن "الرملة"، ومكث عدة أسابيع، وبدلا من أن تتحسن حالته، تراجعت بشكل كبير، فهو لا يحمل من حقيقة كونه مستشفى إلا الاسم فقط، فطلب أن يعيدوه للسجن، حيث سيجد من الأسرى الأصحاء من يعتني به ويحنو عليه"، وتضيف "الرملة مسلخ وليس مستشفى، هو أسوأ بكثير من باقي السجون، وفي "جلبوع" تحسنت نفسية بسام كثيراً".
وتابعت: "لكن تلك الحالة المستقرة ظاهريا لم تدم كثيرا، بدأت الأوجاع تداهمه من كل مكان، لم يعد يقف على قدميه كليا، يلهث دوما عندما يتحدث، يشعر بضيق نفس وحشرجة في صدره، فجاء القرار بنقله إلى مستشفى "أساف هاروفيه"، وهناك كانت الساعات الأخيرة له".
طريق المقاومة
منى، التي تستقبل المعزيات في بيتها في نابلس، وخلفها صورة كبيرة لبسام معلقة على الحائط، لم تره منذ شباط الماضي، فتصريح الزيارة لا يعطيها الفرصة إلا مرة واحدة كل سنة، لكنها كانت تتابع تطورات وضعه الصحي إما من خلال اتصاله عليها عبر هاتف "مُهرب"، أو من خلال الأسرى الذي يخرجون من السجن، حيث يحملون إليها أخباره وظروفه الصحية.
ورغم حالته النفسية الصعبة، تقول "هذه الطريق اختارها بسام بنفسه، كان همه أن يبحث عن الطريقة التي يقارع بها الاحتلال، لم يكن يسأل كثيرا عن مرضه".
"فلسطين غالية يا منى"، "والأعمار بيد ربنا"، فهذه من أكثر لعبارات التي كان يرددها كلما سنحت له الفرصة أن يحادثها سرا ولو لدقائق.
وكأي زوجة شهيد، لمنى مطلب أن يوارى زوجها الثرى، "فعلى الأقل، حقي وحق عائلته ومحبيه أن يكون هناك قبر يضم جسده الطاهر، نزوره، ونقرأ عليه الفاتحة، فقد حرمني الاحتلال زوجي وهو على قيد الحياة، هل سيحرمني أيضا أن أكون بقربه وهو ميت!!".
هنا، لم تعد تقوى منى على إكمال الحديث، التفت حولها النسوة، وابتعدنا بكل هدوء، فالمشهد كان عظيما، لا يُوصف بالكلمات.
