هكذا يبدو المشهد اليوم بلا حاجة إلى مبالغة أو مجاز ثقيل. في غزة المحاصرة، المكان الأكثر مأساوية على وجه الأرض، تستطيع أن تقف أمام رفٍّ ممتلئ بأنواع شوكولاتة مستوردة ووجبات خفيفة ومشروبات غازية، تختار نكهتك المفضلة، تدفع ثمنًا باهظًا، ثم تمضي خطوات قليلة لتصل إلى مستشفى لا يملك مسكن ألم ولا مضادًا حيويًا ولا حتى شاشًا كافيًا لوقف نزيف.
المفارقة لم تعد أدبية، بل رقمية صارخة. فوزارة الصحة في غزة أعلنت أن أكثر من 320 صنفًا من الأدوية الأساسية نفد بالكامل، وأن ما يزيد على 700 صنف من المستهلكات الطبية غير متوفر أصلًا، فيما يعمل النظام الصحي على حافة الانهيار.
غرف العمليات تؤجَّل، علاجات السرطان تتوقف، مرضى غسيل الكلى يُوضعون أمام احتمالات قاتلة، بل أن الوزارة أعلنت استشهاد نصفهم حقيقة .
وكل ذلك بينما الأسواق تواصل عرض ما لا ينقذ حياة أحد.
في غزة اليوم، يمكن لمريض سكري أن يرى البسكويت المحشو بالكريمة أمامه، لكنه لا يجد الإنسولين. يمكن لطفل أن يحمل قطعة شوكولاتة فاخرة، بينما أمه تحمل ملفه الطبي الخالي من الدواء. يمكن للمحال أن تفتح أبوابها، بينما تغلق المستشفيات بعض أقسامها لأن الوقود شحيح، والمحاليل الوريدية نفدت، وأجهزة التشخيص بلا مستلزمات تشغيل.
السؤال ليس لماذا توجد الشوكولاتة، بل لماذا يغيب الدواء. الإجابة تختبئ في قوائم “المسموح” و”الممنوع”، حيث تمر السلع غير الأساسية بسهولة أكبر، بينما تُقيَّد الأدوية والمعدات الطبية بذرائع الاستخدام المزدوج والتعقيدات البيروقراطية.
هذا التحكم بما يدخل غزة لا يقتصر على الاحتياجات الإنسانية، بل يتحكم فيه الاحتلال الإسرائيلي عبر وحدة "كوغات" العسكرية"، التي تحدد مسبقًا قائمة السلع المسموح والممنوع دخولها، سواء كانت أطعمة أو أدوية أو معدات طبية.
كثير من المواد الغذائية الأساسية مثل البيض، اللحوم، والحليب تُقيَّد أو تُمنع، بينما تُسمح بدخول السلع غير الضرورية مثل الشوكولاتة والمشروبات الغازية وبعض الوجبات الخفيفة، وكثير من الهواتف الذكية.
وفي المقابل تُفرض قيود مشددة على دخول الأدوية والمستلزمات الطبية في حين أن رفوف الأسواق تلمع بما لا ينقذ حياة أحد، وهكذا تدير (إسرائيل) مشهد الحياة الاستهلاكية.
وفي المحصلة تُصنع صورة زائفة للحياة: سوق يعمل، رفوف لامعة، وسكّر يذوب في الفم، يقابله جسد ينهار بصمت في سرير مستشفى.
الأكثر سخرية أن هذا المشهد يُستخدم أحيانًا كدليل على أن “غزة الآن بخير”. فالعالم يرى الشوكولاتة ولا يرى غرف الطوارئ، يرى الوجبات الخفيفة ولا يرى نفاد أكثر من نصف قائمة الأدوية الأساسية، يرى مظاهر استهلاك محدودة ولا يرى نظامًا صحيًا يُستنزف حتى العظم.
السعرات الحرارية الفارغة التي أعادت للغزي تلك الكيلوجرامات التي فقدها في حرب المجاعة صارت بديلًا عن الحق في العلاج، وكأن السكر قادر على تخدير الألم الذي لا يجد له مسكنًا.
