استهلت حكومة الاحتلال الإسرائيلية عام 2026 بتصعيد غير مسبوق في المشاريع الاستيطانية بالضفة الغربية، مستغلة أجواء الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة، وما يرافقها من مزايدات سياسية وتطرف متزايد، خاصة من أحزاب اليمين الإسرائيلية.
وفي تقريره الأسبوعي الصادر اليوم، والذي يرصد الانتهاكات خلال الفترة من 17 حتى 23 كانون الثاني/يناير 2026، أكد المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان أن العام الحالي يشهد انتقال الاحتلال من مرحلة القرارات إلى مرحلة التنفيذ الميداني الفعلي، عبر توسيع الاستيطان، وفرض وقائع جغرافية جديدة تهدف إلى تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا.
70 مستوطنة جديدة
وأشار التقرير إلى أن دوائر الحكم الإسرائيلية، وخصوصًا ما تُسمى "الإدارة المدنية" الخاضعة لوزير المالية ووزير الاستيطان في حكومة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش، تستند إلى الاتفاقيات الائتلافية بين حزبي "الصهيونية الدينية" و"الليكود"، والتي تنص على إقامة 70 مستوطنة جديدة، معظمها قائم فعليًا بانتظار الشرعنة القانونية بأثر رجعي.
وتركّز هذه المخططات على محافظة القدس، وشمال الضفة الغربية، ومناطق الأغوار، بالتوازي مع إلغاء قانون "فك الارتباط" لعام 2005، والتوسع في مستوطنات جديدة، أبرزها على جبل عيبال شمال نابلس، ومشروع "مدينة التمور" في غور الأردن، المخصصة بشكل أساسي لاستيعاب المستوطنين الحريديين.
الاستيلاء على 695 دونمًا في وادي قانا
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية عن مصادقة حكومة الاحتلال على خطة واسعة للاستيلاء على 695 دونمًا من أراضي قرى كفر لاقف وجينصافوط ودير استيا في وادي قانا، لإقامة حي استيطاني جديد قرب مستعمرة "كرني شمرون".
وبيّن التقرير أن الهدف المركزي من هذه الخطوة هو قطع التواصل الجغرافي بين محافظتي سلفيت وقلقيلية، وتحويل البلدات الفلسطينية إلى جيوب معزولة، بما يُضعف بشكل جذري أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
مدينة استيطانية تضم آلاف الوحدات
وبحسب المخطط، يشمل المشروع إقامة نحو 5,774 وحدة استيطانية جديدة، وربط مستوطنة "كرني شمرون" بمستوطنات “إلكانا” و"عِتس إفرايم" و"عِمانوئيل"، وتحويلها إلى مدينة مركزية، مع إنشاء بنية تحتية متكاملة تشمل مدارس، ومراكز ثقافية وتجارية ورياضية، وحدائق عامة، وشبكة طرق حديثة، باستثمارات تتجاوز 10 ملايين "شيقل".
وأكد التقرير أن المشروع يُنشئ تواصلًا جغرافيًا استيطانيًا متصلًا، يقابله تفتيت كامل للجغرافيا الفلسطينية في المنطقة.
الاستيطان الخاص و”مزارع الرعاة”
وسلط التقرير الضوء على تنامي دور شركات التطوير العقاري الخاصة في إقامة مستوطنات جديدة، كما في مشروع “دوروت عيليت” الحريدي، حيث يتم تسويق الأراضي مع طمس كامل للقرى الفلسطينية المحيطة. واعتبر أن الحكومة باتت شريكًا مباشرًا في هذه المشاريع، كما حدث سابقًا في مستعمرات مثل "موديعين عيليت" و"ريفافا".
تصريحات رسمية: قتل فكرة الدولة الفلسطينية
ونقل التقرير تصريحات مباشرة لسموتريتش، قال فيها إن بناء حي “دوروت” يشكّل “اختراقًا هائلًا” سيحوّل “كرني شمرون” إلى مدينة، مؤكدًا أن هذه المشاريع “تقتل فكرة الدولة الفلسطينية”. كما صرّح رئيس مجلس “كرني شمرون” الاستعماري بأن الخطوات الحالية تهدف إلى فرض تواصل استيطاني مركزي يُحبط “الحلم الوهمي” بدولة فلسطينية.
مصادرة أراضٍ ومقابر استيطانية في سلفيت
وفي محافظة سلفيت، استولى المستوطنون على نحو 180 دونمًا من أراضي بلدة الزاوية لإقامة مقبرة استيطانية، في خطوة وصفها التقرير بأنها بالغة الخطورة، لما تحمله من دلالات سياسية تهدف إلى تثبيت السيطرة طويلة الأمد، وفرض قيود دائمة على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم.
طريق 45: مشروع ضمّ فعلي
كما كشف التقرير عن شروع سلطات الاحتلال بتنفيذ مشروع "طريق 45" الاستيطاني، بميزانية تقارب 400 مليون شيقل، لربط المستوطنات شمال القدس وشرق رام الله مباشرة بمدينة القدس، في إطار سياسة تهدف إلى دمج المستوطنات بالبنية التحتية الإسرائيلية ومحو الخط الأخضر.
وأكدت محافظة القدس أن المشروع يعمّق نظام الفصل العنصري، ويحوّل شمال القدس وشرق رام الله إلى جيوب فلسطينية معزولة.
القدس: استهداف الأونروا وبناء 1400 وحدة
وفي القدس المحتلة، كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية عن مخطط لبناء 1400 وحدة استيطانية على أرض مقر وكالة "أونروا" في حي الشيخ جراح، بالتوازي مع هدم مقرها ورفع علم الاحتلال مكان علم الأمم المتحدة، في انتهاك صارخ للحصانة القانونية الدولية.
مستعمرة جديدة شرق بيت لحم
وفي بيت لحم، دشنت سلطات الاحتلال مستعمرة جديدة باسم "شدماه – يتسيف" شرق بيت ساحور، بحضور وزراء وقادة استيطان، بهدف خلق تواصل جغرافي استعماري بين “هار حوما” و”تقوع”، ما يطوّق التجمعات الفلسطينية ويعزلها.
تصاعد التهجير القسري والعنف
وأشار التقرير إلى تصاعد عمليات التهجير القسري بحق التجمعات البدوية، حيث أُجبرت 20 عائلة من تجمع شلال العوجا على الرحيل، إلى جانب محاولات تهجير خربة المراجم جنوب نابلس.
وبحسب "أوتشا"، نفذ المستوطنون خلال عام 2025 أكثر من 1700 اعتداء في 270 موقعًا بالضفة، فيما وثّق مركز "بتسيلم" تهجير سكان 44 تجمعًا فلسطينيًا خلال العامين الأخيرين.
انتهاكات ميدانية أسبوعية واسعة
ووثّق التقرير سلسلة طويلة من الاعتداءات الأسبوعية شملت القدس، الخليل، بيت لحم، رام الله، نابلس، والأغوار، تنوعت بين هدم منازل، وتجريف أراضٍ، وإطلاق مواشٍ في الحقول، والاعتداء على المواطنين، وإقامة بؤر استيطانية جديدة، في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض السيطرة الاستعمارية الكاملة على الأرض الفلسطينية.
