17.23°القدس
16.99°رام الله
16.08°الخليل
21.44°غزة
17.23° القدس
رام الله16.99°
الخليل16.08°
غزة21.44°
الإثنين 26 يناير 2026
4.28جنيه إسترليني
4.42دينار أردني
0.07جنيه مصري
3.71يورو
3.13دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.28
دينار أردني4.42
جنيه مصري0.07
يورو3.71
دولار أمريكي3.13

تقارير "فلسطين الآن"..

الأجساد النحيلة تصارع الأوبئة .. غزة بين سندان الحرب ومطرقة المرض

غزة-فلسطين الآن

رغم توقف أزيز الطائرات وصمت المدافع منذ أكثر من 100 يوماً، إلا أن حرباً من نوع آخر لا تزال تفتك بسكان قطاع غزة في مطلع عام 2026، فلم تعد الصواريخ هي مصدر الخطر الوحيد؛ بل باتت "الميكروبات" و"الفيروسات" التي استوطنت الركام ومخيمات النزوح المتهالكة هي العدو الأول الذي يهدد بحصد أرواح من نجوا من القصف.

وتشير التقارير الصحية الميدانية إلى أن القطاع يعاني من انفجار غير مسبوق في حالات الأمراض الجلدية المعدية، والتهاب الكبد الوبائي، والنزلات المعوية الحادة، وظهور سلالات جديدة من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، مما جعل من خيام النازحين بؤراً لانتشار العدوى نتيجة تدمير 80% من بنية الصرف الصحي وشبكات المياه خلال سنوات الحرب الماضية.

وفي إطار هذه المقدمة نكشف لكم عن الواقع المرير الذي يعيشه قطاع غزة، نتيجة انتشار الأمراض والأوبئة في القطاع، في وقت تحاول فيه غزة لملمة جراحها وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، حيث يبقى التحدي الأكبر هو حماية جيل كامل من الأمراض التي يمكن الوقاية منها، في وقت بات فيه "الحق في الصحة" ترفاً لا يملكه معظم سكان القطاع.

عين على الكارثة الميدانية

ويقول الدكتور محمود غانم _ "اختصاصي أمراض معدية"، إن "قطاع غزة يعيش كارثة صحية لم يشهدها القطاع منذ عقود، حيث لم تعد المشكلة في الإصابات المباشرة، بل في انهيار المنظومة الوقائية".

وأضاف غانم في حديثه لـ"فلسطين الآن": "لدينا زيادة بنسبة 400% في حالات النزلات المعوية الحادة والتهابات الجهاز التنفسي، لكن الأخطر هو عودة شلل الأطفال وظهور حالات تيفوئيد نتيجة اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي التي ما زالت تفيض في الشوارع المهدمة.

وتابع: "رصدنا سلالات جديدة من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية نتيجة التلوث الشديد في التربة والمياه الجوفية، لكن الشيء الغريب هي الأمراض التي كنا قد سيطرنا عليها قبل سنوات، مثل شلل الأطفال والجدري المائي، عادت للظهور بشكل مقلق".

وختم الدكتور حديثه: "المستشفيات التي عادت للعمل جزئياً تعمل بطاقة محدودة جداً وتفتقر للمختبرات اللازمة لزراعة البكتيريا وتحديد العلاج المناسب".

صرخة من تحت الأنقاض البيئية

بين أنابيب محطمة وتدفق للمياه العادمة في شوارع خانيونس، يتحدث المهندس سليم العطار، من مصلحة مياه بلديات الساحل، وهو غاضب مما يجري في القطاع، البنية التحتية للصرف الصحي دُمرت بنسبة تتجاوز 80%. المياه العادمة تتدفق الآن في المسارات الجوفية وتختلط بخزانات المياه التي يستخدمها الناس.

وقال العطار في حديثه لـ"فلسطين الآن"، "نحن نحاول بالحد الأدنى من الإمكانيات وبأدوات بدائية ردم الحفر الامتصاصية، لكن مع غياب الوقود الكافي ومنع دخول قطع الغيار لإعادة بناء المحطات، تظل غزة بركة كبيرة من الملوثات".

وأضاف: "المشكلة كذلك تكمن في الجبال السوداء؛ وهي تلال النفايات التي تراكمت لسنوات ولم نستطع نقلها للمكبات الرئيسية بسبب تدمير الآليات وشبكات الطرق"، مبيناً أن "هذه النفايات هي البيئة المثالية لتكاثر القوارض والحشرات التي تنقل الأمراض. كما أن المياه الجوفية في غزة وصلت لمرحلة حرجة من التلوث البيولوجي. بدون إعادة بناء كاملة لمحطات المعالجة، سيظل الوباء يدور في حلقة مفرغة بين الناس والتربة والمياه".

وختم حديثه: "الركام التي لا تزال مدفونة وتحتها جثامين لم تُنتشل، يجعل التربة مصدراً دائماً للعدوى، مبيناً أن الحل لا يكمن في توزيع الأدوية فقط، بل في ثورة بيئية شاملة".

مرارة الفقد المرضي

في مخيم إيواء بمنطقة المواصي في خانيونس، تجلس أميرة المصري (38 عاماً) أمام خيمتها المتهالكة، تروي قصة فقدان طفلها الصغير بعد أشهر من توقف العمليات العسكرية.

وتقول المصري في حديثها لـ"فلسطين الآن": ""نجونا من الصواريخ بأعجوبة، لكننا لم ننجُ من العطش، كنا نشرب مياه الآبار المالحة والملوثة لأن شاحنات المياه لا تصل إلينا بانتظام".

وأضافت: "أصيب ابني محمود بحمى شديدة وإسهال مستمر قيل لنا إنه التيفوئيد لم تكن هناك أدوية كافية في المركز الصحي القريب، وبسبب ضعف مناعته جراء سوء التغذية، فارق الحياة بين يدي. الحرب قتلتنا مرتين، مرة بالبارود ومرة بالمرض".

أما الأم سميرة والتي تقطن في أحد خيام النازحين بمنطقة المواصي، فتقول "نجونا من الصواريخ لنواجه الجرب والقمل والتهابات الأمعاء.

وتضيف في حديثها لـ"فلسطين الآن"، "أطفالي يقضون ليلهم في الحكة والألم. لا يوجد مياه نظيفة للاستحمام، والمنظفات باهظة الثمن إن وجدت. ابني الصغير أصيب باليرقان (التهاب الكبد) قبل شهر، ولم أجد له مكاناً في المستشفى الميداني المزدحم. نحن نموت ببطء بسبب التلوث."

أما الشاب أحمد والذي أصيب بمرض جلدي معدي، فيقول لـ"فلسطين الآن"، "كنت آمل أن أبدأ بالبحث عن عمل بعد الحرب، لكن هذه التقرحات الجلدية التي تغطي جسدي منعتني".

وتابع: "الأطباء يقولون إنها نتيجة التلوث الكيميائي الممزوج بمياه الصرف الصحي. أشعر بالعزلة، فالمجتمع يخاف من العدوى، والأدوية المتوفرة تسكن الألم ولا تعالج السبب. الحرب لم تنتهِ بالنسبة لي، هي مستمرة داخل جسدي."

وأخيراً بينما ينشغل العالم بمفاوضات إعادة الإعمار السياسية، يظل قطاع غزة ساحة مفتوحة لمعركة وبائية شرسة، إذ إن غياب الحلول الجذرية لأزمة المياه والصرف الصحي يعني أن "جيل الحرب" قد يواجه إعاقات صحية وأمراضاً مزمنة سترافقهم لعقود قادمة، ما لم يتدخل المجتمع الدولي لإنقاذ ما تبقى من البيئة الإنسانية في القطاع.

المصدر: فلسطين الآن