14.45°القدس
14.21°رام الله
13.3°الخليل
16.34°غزة
14.45° القدس
رام الله14.21°
الخليل13.3°
غزة16.34°
الخميس 12 مارس 2026
4.17جنيه إسترليني
4.39دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.6يورو
3.11دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.17
دينار أردني4.39
جنيه مصري0.06
يورو3.6
دولار أمريكي3.11
نبيل شيخي

نبيل شيخي

من غزة إلى طهران.. طوفان الوعي الذي عرّى سردية الحرب

يبدو أن الحرب التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير 2026 قد تجاوزت حدود المواجهات العسكرية التقليدية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في العقود الماضية، لتشكّل سياقاً واضحاً لتكريس التصدع في بنية الشرعية الدولية التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد انطلق العدوان بتنسيق عسكري واستخباراتي مباشر بين الولايات المتحدة وإسرائيل، مستهدفا العمق الإيراني وبرنامجه النووي والصاروخي وقيادته السياسية العليا.

غير أن هذه الحرب لم تكن مجرد تكرار لسيناريوهات التدخل المألوفة في حقبة ما بعد أحداث 11 أيلول / سبتمبر، كما لم تكن نسخة محدّثة من غزو العراق عام 2003 الذي تم هو الآخر بالتحايل والالتفاف على الشرعية الأممية. بل شكّلت سابقة لكونها أول حرب إقليمية كبرى تُشن في غياب شبه كامل لأي غطاء قانوني أو حتى دبلوماسي متعدد الأطراف يضفي عليها قدراً من الشرعية الشكلية. فلم يصدر أي قرار عن مجلس الأمن الدولي يمنح تفويضاً باستخدام القوة، ولم يتشكل تحالف دولي واسع لدعم العملية، بل غاب الإجماع حتى داخل النسيج السياسي الغربي والداخلي الأمريكي.

ولعل الدرس الاستراتيجي الأبرز في هذه الحرب لا يقتصر على تقييم القدرات العسكرية أو دقة الصواريخ الخارقة للتحصينات أو طبيعة موازين الردع، بل يتجاوز ذلك إلى الكيفية التي انهارت بها حتى السردية الأخلاقية والقانونية التي طالما استُخدمت لإضفاء طابع شرعي على مثل هذه التدخلات في الماضي.

بمقارنة جيوسياسية سريعة بين غزو العراق عام 2003 والعدوان على إيران عام 2026، تتضح ملامح التآكل العميق في القدرة الأمريكية على حشد الدعم الدولي لتمرير حروبها. ففي عام 2003 استطاعت واشنطن تشكيل ما عُرف بـ"تحالف الراغبين"، الذي ضم أكثر من ثلاثين دولة، لتعويض غياب التفويض الأممي. أما في الحالة الإيرانية، فقد وجد الرئيس الأمريكي نفسه في وضع أقرب إلى العزلة السياسية.

لعل الدرس الاستراتيجي الأبرز في هذه الحرب لا يقتصر على تقييم القدرات العسكرية أو دقة الصواريخ الخارقة للتحصينات أو طبيعة موازين الردع، بل يتجاوز ذلك إلى الكيفية التي انهارت بها حتى السردية الأخلاقية والقانونية التي طالما استُخدمت لإضفاء طابع شرعي على مثل هذه التدخلات في الماضي. وقد استند التبرير القانوني للحرب إلى مفهوم فضفاض هو "الدفاع الاستباقي"، وهو تبرير قوبل برفض واضح من الخصوم والحلفاء على حد سواء. ويعكس هذا الانعزال تحولاً أعمق في كيفية تعريف وتطويع مفاهيم العدوان والدفاع عن النفس في عصر باتت فيه المعلومات أكثر انفتاحاً، وأصبح الوعي الشعبي عابراً للحدود، حيث لم يعد الرأي العام يتقبل بسهولة التبريرات الأحادية التي تفتقر إلى أساس واقعي وقانوني مقنع.

انهيار الإجماع.. عزلة واشنطن وتصدع التحالف الأطلسي

شكّل الموقف الأوروبي من هذه الحرب حرجاً بالغاً للمخططين في واشنطن وتل أبيب، وأسس عملياً لمرحلة جديدة من التوتر داخل التحالف الأطلسي. فدول الترويكا الأوروبية ـ فرنسا وألمانيا وبريطانيا ـ التي طالما شكلت حجر الزاوية في استراتيجية احتواء إيران، تخلت بشكل لافت عن دورها التقليدي في دعم التحرك العسكري الأمريكي.

فقد اكتفت هذه العواصم بالدعوة إلى التهدئة ورفضت الانخراط العملي في الضربات، إدراكاً منها أن العملية تفتقر إلى الشرعية الدولية وتنذر بزعزعة استقرار القارة الأوروبية نفسها، سواء عبر موجات لجوء محتملة أو عبر اضطرابات حادة في أسواق الطاقة.

وكان الموقف البريطاني دالاً بشكل خاص؛ إذ صرّح رئيس الوزراء تحت قبة البرلمان بأن بلاده لا تؤمن بسياسة "تغيير النظام من السماء"، واصفاً الضربات بأنها "غير قانونية"، في تحول لافت مقارنة بالتقليد البريطاني الذي اتسم غالباً بالتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة في مثل هذه العمليات.

كما عبّرت الرئاسة الفرنسية عن امتعاضها من اللجوء إلى القوة، مؤكدة أن العمل العسكري لا يمكن أن يكون بديلاً عن المسار الدبلوماسي. ولم يقتصر الرفض على أوروبا الغربية، بل امتد إلى قوى إقليمية ودولية وازنة؛ إذ اعتبرت تركيا الهجوم تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي، بينما اتخذت إسبانيا قراراً سيادياً بمنع استخدام قواعدها العسكرية لتسهيل عبور الطائرات، قبل أن تتخذ لاحقاً خطوة دبلوماسية لافتة بسحب سفيرها من إسرائيل والاكتفاء بقائم بالأعمال.

وعلى الصعيد الداخلي، واجهت الإدارة الأمريكية جبهة رفض شعبي واسعة؛ إذ أظهرت استطلاعات الرأي أن 56% من الأمريكيين يعارضون التدخل العسكري. ويعكس هذا الرفض حالة إنهاك تراكمية لدى المجتمع الأمريكي من سياسات تغيير الأنظمة التي أثبتت نتائجها المحدودة في أفغانستان والعراق. كما بات الناخب الأمريكي يربط بشكل متزايد بين تكلفة المغامرات العسكرية الخارجية وتراجع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في الداخل.

الملف النووي.. تناقضات منع الانتشار

تتجلى المفارقة الاستراتيجية الأبرز لهذه الحرب في التناقض المحيط بالملف النووي الإيراني. فقد قدّمت واشنطن وتل أبيب حجة "منع إيران من امتلاك سلاح نووي" باعتبارها المبرر الرئيسي للهجوم، في وقت كانت فيه تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشير إلى غياب دليل حاسم على وجود قرار سياسي إيراني بتطوير سلاح نووي، كما أن مستويات التخصيب المعلنة ظلت دون العتبة العسكرية البالغة 90%.

في المقابل، اختارت الإدارة الأمريكية الانخراط في هذه الحرب مع القوة النووية الوحيدة غير المعلنة في المنطقة، إسرائيل، التي تمتلك ترسانة نووية خارج أي نظام تفتيش دولي، وترفض حتى الآن الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وقد كشف هذا التناقض عن إشكالية عميقة في تطبيق مبدأ منع الانتشار النووي، وأظهر بوضوح وجود معايير مزدوجة تهدف عملياً إلى حماية التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي في المنطقة.

شكّل الموقف الأوروبي من هذه الحرب حرجاً بالغاً للمخططين في واشنطن وتل أبيب، وأسس عملياً لمرحلة جديدة من التوتر داخل التحالف الأطلسي. فدول الترويكا الأوروبية ـ فرنسا وألمانيا وبريطانيا ـ التي طالما شكلت حجر الزاوية في استراتيجية احتواء إيران، تخلت بشكل لافت عن دورها التقليدي في دعم التحرك العسكري الأمريكي. وتشير تقديرات استخباراتية أمريكية سابقة إلى أن طهران لم تكن قد اتخذت قراراً سياسياً نهائياً بإنتاج قنبلة نووية، وهو ما يضعف الأساس القانوني لفكرة "التهديد الوشيك" التي يستند إليها مبدأ الدفاع الاستباقي في القانون الدولي. كما أن الإقدام على شن حرب في ظل وجود قنوات دبلوماسية مفتوحة، من بينها مفاوضات مسقط وجنيف، يكشف مدى الانحدار والسقوط الدبلوماسي والاستهتار بمبدأ حسن النية في إدارة الأزمات الدولية لا سيما تجاه الأطراف التي كانت تواكب وترعى هذه المفاوضات.

متلازمة غزة.. طوفان الوعي العالمي

لا يمكن فهم هذا التراجع في مصداقية السردية الأمريكية ـ الإسرائيلية بمعزل عن التحول العميق الذي أحدثته تداعيات عملية طوفان الأقصى في أكتوبر 2023.

فقبل تلك اللحظة، كانت الرواية الغربية التقليدية حول الصراع في الشرق الأوسط تحظى بقدر كبير من الهيمنة الإعلامية في الأوساط الغربية. غير أن التوثيق المباشر للدمار الواسع في غزة، الذي انتشر عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، ساهم في كسر هذا الاحتكار السردي وفتح المجال أمام وعي جديد وقراءة مختلفة للأحداث.

وقد ساهمت صور الضحايا المدنيين واستهداف البنية التحتية في خلق موجة تعاطف عالمية غير مسبوقة مع الفلسطينيين، وأنتجت جيلاً جديداً من المتابعين القادرين على الوصول إلى مصادر متعددة للمعلومات. وتشير استطلاعات رأي حديثة في الولايات المتحدة إلى أن نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين بلغت نحو 41% مقابل 36% مع الإسرائيليين، وهو تحول مهم غير مسبوق مقارنة بالاتجاهات التقليدية للرأي العام الأمريكي.

كما أصبح من الصعب تسويق إسرائيل دولياً باعتبارها "دولة ديمقراطية تواجه الإرهاب" في ظل الاتهامات المتزايدة الموجهة إليها بممارسة سياسات فصل عنصري، إضافة إلى القضايا المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية بشأن جرائمها وانتهاكاتها للقانون الدولي.

ويتعمق هذا التآكل في المصداقية عند وضع الحرب في سياق السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، حيث شهد عام 2025 واحدة من أوسع موجات التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، ما أدى إلى مصادرة مساحات واسعة من الأراضي. وفي نظر كثير من المراقبين، جعل هذا الواقع من الصعب إقناع الرأي العام العالمي بأن التركيز على الخطر النووي الإيراني منفصل عن الحرب الجيوسياسية الأوسع في المنطقة ولا سيما ما يجري في غزة والضفة الغربية وأهداف إسرائيل المعلنة في تصفية القضية الفلسطينية في افق السعي للتمكين لمشروع إسرائيل الكبرى.

سقوط القانون الدولي.. نحو نظام عالمي جديد؟

من منظور قانوني بحت، تجاوزت هذه الحرب كل قواعد القانون الدولي ومواثيق الشرعية الأممية. فالمادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة تنص بوضوح على حظر استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، باستثناء حالات الدفاع عن النفس أو التفويض الصريح من مجلس الأمن.

أما التذرع بعقيدة "كارولين" لتبرير الدفاع الاستباقي، فيواجه إشكاليات قانونية واضحة، إذ يشترط هذا المبدأ أن يكون التهديد وشيكاً وفورياً، وأن تكون الوسائل الدبلوماسية قد استنفدت بالكامل، وهو ما يحصل الإجماع من خلال القراءات القانونية المحايدة والموضوعية، حول كونه غير منطبق بأي وجه من الأوجه على الحالة الراهنة.

من منظور قانوني بحت، تجاوزت هذه الحرب كل قواعد القانون الدولي ومواثيق الشرعية الأممية. فالمادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة تنص بوضوح على حظر استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، باستثناء حالات الدفاع عن النفس أو التفويض الصريح من مجلس الأمن.كما أن الانزلاق نحو استهداف القيادات السياسية يفتح الباب أمام تطبيع الاغتيالات كأداة في إدارة النزاعات الدولية، الأمر الذي قد يدفع النظام الدولي نحو مرحلة أكثر فوضوية في العلاقات بين الدول، وتنزاح معها مثل هذه التدخلات من منطق الشرعية والقانون الدولي إلى منطق الغطرسة و"إرهاب الدول" .

وتظهر تداعيات هذا التحول في مظاهر متعددة، من بينها تصاعد التوتر داخل التحالفات الغربية التقليدية، وصعود ما يمكن تسميته بـ"دبلوماسية الشارع العالمي"، حيث أصبحت الحكومات الغربية أكثر حساسية لضغوط الرأي العام الداخلي. كما يتجلى ذلك في سعي عدد من دول الجنوب العالمي، ومنها الدول العربية والإسلامية، إلى تنويع تحالفاتها وتسريع بناء تكتلات دولية بديلة تضمن لها قدراً أكبر من الاستقلال الاستراتيجي.

خاتمة

تكشف حرب فبراير 2026 عن مفارقة أساسية في العلاقات الدولية المعاصرة: فالقوة العسكرية قد تحسم معركة تكتيكية في الميدان، لكنها، لا محالة، تخسر المعركة الاستراتيجية إذا جُردت من الشرعية السياسية والأخلاقية.

لقد أعادت هذه الحرب طرح أسئلة عميقة حول مستقبل النظام الدولي، وحدود الأحادية القطبية، ودور الرأي العام العالمي في تشكيل موازين القوة. وفي عالم تتزايد فيه قدرة المجتمعات على الوصول إلى المعلومات ومساءلة الروايات والسرديات الرسمية، لم تعد معادلة الشرعية تُفرض عبر البيانات العسكرية أو الخطابات الدبلوماسية وحدها، بل باتت تتشكل أيضاً في وعي الأجيال التي تراقب الأحداث لحظة بلحظة وتعيد تفسيرها خارج الأطر التقليدية للبروباغندا السياسية المتجاوزة.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن